المبحث الأول: تعريف توحيد الربوبية
معنى الرب في اللغة:
الرب في اللغة: يطلق على المالك، والسيد، والمدبر، والمربي، والقيم، والمنعم، والمتمم، ولا يطلق غير مضاف إلا على الله - تعالى - وإذا أطلق على غيره أضيف فيقال: رب كذا ومنه حديث أبي هريرة "لا يقل المملوك لسيده ربي"١ كره أن يجعل مالكه ربًا له لمشاركة الله تعالى في الربوبية فأما قوله تعالى ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ ٢ فإنه خاطبه على المتعارف عندهم، وعلى ما كانوا يسمونهم به ومثله قول موسى ﵇ للسامري: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾ ٣ أي: الذي اتخذته إلهًا. وأما الحديث في ضالة الإبل "حتى يلقاها ربها"٤ فإن البهائم غير متعبدة ولا مخاطبة فهي بمنزلة الأموال التي يجوز إضافة مالكيها إليها وجعلهم أربابًا لها ومنه حديث عمر ﵁"رب الصريمة ورب الغنيمة"٥ وقد كثر ذلك في الحديث٦. وجاء في الصحاح للجوهري: "رب كل شيء: مالكه"، والرب اسم من أسماء الله ﷿ ولا يقال: في غيره إلا بالإضافة، وقد قالوه في الجاهلية للملك قال الحارث بن حلِّزة:
وهو الرب والشهيد على يوم الحيارين والبلاء بلاء
_________________
(١) رواه أبو داود في سننه ٢/٥٩١.
(٢) سورة يوسف آية: ٤٢.
(٣) سورة طه آية: ٩٧.
(٤) رواه ابن ماجة من حديث زيد بن خالد الجهني ٢/٨٣٧.
(٥) رواه البخاري في صحيحه وانظر "فتح الباري" ٦/١٧٥.
(٦) النهاية في غريب الحديث والأثر ٢/١٧٩ - ١٨٠.
[ ٣١٩ ]
والرباني: المتأله العارف بالله - تعالى - وقد قال - سبحانه ـ: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ ١ ورببت القوم سستهم أي: كنت فوقهم. قال أبو نصر: وهو من الربوبية، ومنه قول صفوان: لأن يربني رجل من قريش أحب إليّ من أن يربني رجل من هوازن. ورب الضيعة: أي أصلحها وأتمها. ورب فلان ربًا ورببه، وترببه بمعنى أي: رباه. اهـ٢.
وجاء في المفردات في غريب القرآن: "الرب: في الأصل من التربية وهو إنشاء الشيء حالًا فحالًا إلى حد التمام يقال: ربه ورباه ورببه فالرب مصدر مستعار للفاعل ولا يقال: الرب مطلقًا إلا على الله - تعالى - المتكفل بمصلحة الموجودات نحو قوله تعالى: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ ٣ وبالإضافة يقال: له ولغيره نحو قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٤ ويقال: رب الدار ورب الفرس لصاحبها" اهـ٥.
المعنى الإصطلاحي لتوحيد الربوبية:
هو إفراد الله بأفعاله: كالخلق والرزق، فلا بد من الاعتقاد الجازم بأنه - تعالى - الخالق الرازق المحيي المميت المدبر، المعطي المانع، الضار النافع، القادر المقتدر، مالك الملك الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
قال العلامة ابن القيم: فاسم الرب له الجمع الجامع لجميع المخلوقات فهو رب كل شيء وخالقه، والقادر عليه لا يخرج شيء عن ربوبيته وكل من في السموات والأرض عبد له في قبضته وتحت قهره، فاجتمعوا بصفة الربوبية، وافترفوا بصفة الإلهية فألهه وحده السعداء، وأقروا له طوعًا بأنه الله الذي لا إله إلا هو، الذي لا تنبغي العبادة، والتوكيل، والرجاء، والخوف والحب، والإنابة والإخبات، والخشية، والتذلل، والخضوع إلا له،
_________________
(١) سورة آل عمران آية: ٧٩.
(٢) الصحاح ١/١٣٠ وانظر القاموس ١/٧٢ - ٧٣، اللسان ١/٣٩٩ وما بعدها.
(٣) سورة سبأ آية: ١٥.
(٤) سورة الفاتحة آية: ١.
(٥) المفردات للراغب ص١٨٤، وانظر أحكام القرآن لابن العربي ١/٢٧٩.
[ ٣٢٠ ]
وههنا افترق الناس وصاروا فريقين فريقًا مشركين في السعير، وفريقًا موحدين في الجنة، فالإلهية هي التي فرقتهم، كما أن الربوبية هي التي جمعتهم" اهـ١.
وقال في تيسير العزيز الحميد معرفًا توحيد الربوبية: "هو الإقرار بأن الله - تعالى - رب كل شيء ومالكه، وخالقه ورازقه، وأنه المحيي المميت النافع الضار المتفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار، الذي له الأمر كله، وبيده الخير كله القادر على ما يشاء، ليس له في ذلك شريك، ويدخل في ذلك الإيمان بالقدر وهذا التوحيد لا يكفي العبد في حصول الإسلام بل لا بد أن يأتي مع ذلك بلازمه من توحيد الإلهية، لأن الله حكى عن المشركين أنهم مقرون بهذا التوحيد له وحده"٢.
وجاء في لوامع الأنوار: "توحيد الربوبية أن لا خالق ولا رازق ولا محيي ولا مميت ولا موجد ولا معدم إلا الله تعالى"٣.
وقال محمد صديق حسن خان في كتابه "الدين الخالص" مبينًا معنى "توحيد الربوبية" ومعناه: "أن الله وحده هو الخالق للعالم وهو الرب لهم، والرازق لهم، وهذا لا ينكره المشركون ولا يجعلون لله فيه شريكًا بل هم مقرون به" اهـ٤.
والذي نخلص إليه من تعريفات أهل العلم لتوحيد الربوبية أنه لا بد من الاعتقاد الجازم بأن الله - تعالى - هو الرب المتفرد بالخلق والرزق والتدبير الذي ربى جميع الخلق بأصناف نعمه، وربى خواص خلقه وهم الأنبياء وأتباعهم الذين آمنوا بهم وصدقوا بما جاؤوا به من عند ربهم بالعقائد الصحيحة، والأخلاق الجميلة والعلوم النافعة، والأعمال الصالحة.
_________________
(١) مدارج السالكين ١/٣٤.
(٢) ص ١٧.
(٣) ١/١٢٨ - ١٢٩.
(٤) ١/٦١.
[ ٣٢١ ]