تمهيد
إن جهنم هي دار الذل والهوان والعذاب والخذلان، دار الشهيق والزفير، والأنين والعبرات، دار أهل البؤس والشقاء، والندامة والبكاء الأغلال تجمع بين أيديهم وأعناقهم، والنار تضطرم من تحتهم ومن فوقهم، دار شرب أهلها الحميم يصهر به ما في بطونهم والجلود، ومأكلهم من شجر الزقوم كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم، يدعون على أنفسهم بالموت فلا يجابون، ويسألون ربهم الخروج منها فيقال لهم: إخسأوا فيها ولا تكلمون، يسحبون فيها على وجوههم وهم لا يبصرون، صراخهم عال، وعويلهم مرتفع، أهلها من المشركين والكافرين، يلقون فيها أمة بعد أمة جنهم وإنسهم كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اجتمعوا فيها اشتكت آخر أمة إلى الله تعالى أول أمة لأنهم هم الذين أضلوهم عن سواء السبيل، وتردّ أول أمة على آخر أمة لقد ضللتم كما ضللنا على الرغم من الحجج الكثيرة التي قامت علينا وعليكم في الدنيا على ألسنة الرسل ولو هدانا الله لهديناكم، سواء علينا وعليكم أصبرنا أم جزعنا ما لنا من خلاص، وقد تناولت سورة "الزمر" عدة أمور متعلقة بالنار التي هي دار الكافرين وهي ما سنتحدث عنها في المباحث الآتية:
[ ٦١٤ ]
المبحث الأول: كيفية دخول أهل النار النار
لقد جاء في السورة بيان الكيفية التي يدخل بها فريق الكفار دار البوار وذلك أنهم يساقون إليها سوقًا عنيفًا بواسطة الزبانية الغلاظ الشداد، يسوقونهم إلى شر محبس، وأفظع مكان وهي جهنم التي قد اجتمع فيها كل عذاب وحضرها كل شقاء وزال عنها كل سرور.
قال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ .
هذه الآية من السورة بينت أن الكافرين يساقون إلى جهنم على شكل جماعات متفرقة كل زمرة مع الزمرة التي تناسب عملها وتشاكل سعيها، والسوق هو الدفع إلى الأمام، وقد يكون دفعًا عنيفًا مصحوبًا بالإهانة والتحقير حتى إذا ما وصلوا إلى دار العذاب يجدون أبوابها مغلقة، فتفتح لهم، ويدفعون إليها تعجيلًا لهم بالعذاب المعد لهم فيها.
قال ابن جرير: "وقوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ﴾ يقول: وحشر الذين كفروا بالله إلى ناره التي أعدها لهم يوم القيامة جماعات، جماعة جماعة، وحزبًا حزبًا".
قال قتادة: في قوله: ﴿زُمَرًا﴾ قال: "جماعات" اهـ١.
وقال البغوي: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ﴾ سوقًا عنيفًا ﴿زُمَرًا﴾ أفواجًا بعضها على أثر بعض كل أمة على حدة.
_________________
(١) جامع البيان ٢٤/٣٤.
[ ٦١٥ ]
قال أبو عبيدة والأخفش: زمرًا أي: جماعات في تفرقة واحدتها زمرة ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ السبعة وكانت مغلقة قبل ذلك" اهـ.١.
وقال ابن كثير عند قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ "يخبر - تعالى - عن حال الأشقياء الكفار كيف يساقون إلى النار وإنما يساقون سوقًا عنيفًا بزجر وتهديد ووعيد" اهـ٢.
وجاء في "تفسير روح المعاني" والسوق يقتضي الحث على المسير بعنف وإزعاج وهو الغالب ويشعر بالإهانة وهو المراد هنا أي سيقوا إليها بالعنف والإهانة أفوجًا متفرقة بعضها في أثر بعض مترتبة حسب ترتب طبقاتهم في الضلالة والشرارة" اهـ٣.
"وقد بين - تعالى - أن سوق الكافرين إلى جهنم مصحوب بالعنف وعدم التكريم بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ٤ أي: يدفعون دفعًا عنيفًا شديدًا بأن تغل أيديهم إلى أعناقهم، وتجمع نواصيهم إلى أقدامهم فيدفعون إلى النار ويطرحون فيها"٥.
كما أخبر - تعالى - بأنهم يساقون إليها وهم عطاش ظماء.
قال تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ ٦.
قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: "ونسوق الكافرين بالله الذين أجرموا إلى جهنم عطاشًا" وساق بإسناده إلى ابن عباس ﵄ أنه قال في قوله ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ يقول: عطاشًا.
وقال قتادة في قوله ﴿إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ قال: "ظلماء إلى النار"٧.
وقال البغوي رحمه الله تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ﴾ الكافرين الكاذبين ﴿إِلَى
_________________
(١) "معالم التنزيل" على حاشية تفسير الخازن ٦/٧١، وانظر زاد المسير ٧/١٩٩.
(٢) تفسير القرآن العظيم ٦/١١٢.
(٣) ٢٤/٣١ - ٣٢.
(٤) سورة الطور آية: ١٣.
(٥) روح العاني ٢٧/٣٠، وانظر تفسير ابن كثير ٦/٤٣١.
(٦) سورة مريم آية: ٨٦.
(٧) جامع البيان ٢٦/١٢٧.
[ ٦١٦ ]
جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ يعني: مشاة وقيل: "عطاشًا قد تقطعت أعناقهم من العطش، والورد جماعة يردون الماء ولا يرد أحد الماء إلا بعد عطش" اهـ.١.
وقد بين - تعالى - أن الأمم الداخلة في جهنم يلعن بعضها بعضًا وأن الأتباع يلقون باللائمة على المتبوعين وقد صوّر هذا المشهد قوله تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالأِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ * وَقَالَتْ أُولاهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ ٢.
فقد بين تعالى في هاتين الآيتين: أنه كلما دخلت أمة من الأمم تابعة، أو متبوعة في النار فإنها تلعن أختها بمعنى: تدعو على نظيرتها في الدين، فتلعن التابعة المتبوعة التي أضلتها، وتلعن المتبوعة التابعة التي زادت في ضلالها.
قال أبو مسلم: يلعن الأتباع القادة يقولون: أنتم أوردتمونا هذه الموارد فلعنكم الله - تعالى ـ.
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا﴾ غاية لما قبله أي: يدخلون فوجًا فوجًا لاعنًا بعضهم بعضًا إلى انتهاء تلاحقهم باجتماعهم في النار وعند ذلك تقول: أخراهم منزلة وهم الأتباع والسفلة لأولاهم منزلة وهم القادة والرؤساء، أو تقول: أخراهم دخولًا لأولاهم كذلك ﴿رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا﴾ أي: دعونا إلى الضلال وأمرونا به حيث سنوه فاقتدينا بهم ﴿فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا﴾ أي: مضاعفًا.
قال تعالى رادًا عليهم "لكل" منكم ومنهم عذاب "ضعف" من النار.
أما القادة فلضلالهم وإضلالهم، وذلك بسبب الدعاء السابق.
وأما كونهم مضلين فلأن اتخاذهم إياهم رؤساء يصدرون عن أمرهم يزيد في طغيانهم كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ ٣.
_________________
(١) "معالم التنزيل" على حاشية تفسير الخازن ٤/٢١١.
(٢) سورة الأعراف آية: ٣٨ - ٣٩.
(٣) روح المعاني للألوسي ٨/١١٦ والآية رقم (٦) من سورة الجن.
[ ٦١٧ ]
وقد أخبر تعالى أن أهل النار يلقون فيها أفواجًا: كما قال تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ * وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ ١.
فقد بين - تعالى - أنه كلما ألقي في جهنم جماعة سألهم خزنتها: ألم يأتكم نذير يعني: سأل الفوج خزنة جهنم فقالوا لهم ألم يأتكم في الدنيا نذير ينذركم هذا العذاب الذي أنتم فيه؟ فيجيبونهم بأن النذير جاءهم وأنذرهم هذا العذاب ولكنهم كذبوه وزعموا بأنه في ذهاب عن الحق بعيد٢.
وأخبر - تعالى - أن الكافرين يحشرون إلى جهنم صمًا وبكمًا وعميًا ومنهم من يمشي على وجهه.
وقال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ ٤.
روى البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك ﵁ أن رجلًا قال: يا نبي الله يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة قال: "أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرًا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة". قال قتادة: بلى وعزة ربنا٥.
وروى الترمذي بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: صنفًا مشاة وصنفًا ركبانًا وصنفًا على وجوههم" قيل: يا رسول الله؟ كيف يمشون على وجوههم؟ قال: "إن الذي أمشاهم على أقدامهم
_________________
(١) سورة الملك آية: ٨ - ١١.
(٢) جامع البيان ٢٩/٥.
(٣) سورة الإسراء آية: ٩٧.
(٤) سورة الفرقان آية: ٣٤.
(٥) صحيح البخاري ٣/١٦٩، صحيح مسلم ٤/٢١٦١.
[ ٦١٨ ]
قادر على أن يمشيهم على وجوههم، أما إنهم يتقون بوجوههم كل جدب وشوكة". قال الترمذي: هذا حديث حسن١.
فتبين مما تقدم كيفية دخول أهل النار النار، وأنها حالة مؤلمة تقشعر منها الجلود، وتضطرب منها القلوب وأنها صورة مخيفة حيث يساقون إليها سوقًا عنيفًا مقرونًا بالإهانة والإذلال والتحقير، تكاد حلوقهم تتقطع من العطش والظمأ، يلعن بعضهم بعضًا، ويحشرون إليها صمًا، وبكمًا، وعميًا، وبعضهم يمشون إليها على وجوههم وأولئك شر مكانًا وأضل سبيلًا.
_________________
(١) السنن ٤/٣٦٧، ورواه أحمد في المسند ٢/٣٥٤ وفي لفظه "أما إنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك".
[ ٦١٩ ]