قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ .
هذه الآية من السورة فيها بيان لأصل الشرك والدافع إليه عند المشركين قديمًا وحديثًا، وفيها توضيح لحال المتخذين من دون الله - تعالى - الأولياء والشركاء، وأن الذي تقرر في قلوب المشركين المتقدمين والمتأخرين أن آلهتهم تشفع لهم عند الله - تعالى - ويزعمون أنها تقربهم إلى الله - تعالى - برفع حوائجهم إليه والشفاعة عنده وإلا فهم يعتقدون أنها لا تخلق ولا ترزق ولا تملك من الأمر شيئًا وهذا كما هو معلوم من أقبح الأعذار لإقدامهم على أشد المحرمات وارتكاب أعظم المنكرات وهو الشرك بالله العظيم، ولذلك جاءت الآية مذيَّلة بالحكم عليهم بأنهم كاذبون، وكفار وأنه - تعالى - لا يهديهم فهذه حال من اتخذ من دون الله وليًا أو شريكًا.
قال ابن جرير - رحمه الله تعالى - حول هذه الآية. يقول تعالى ذكره: "والذين اتخذوا من دون الله أولياء يتولونهم ويعبدونهم من دون الله يقولون لهم ما نعبدكم أيها الآلهة إلا لتقربونا إلى الله زلفى، قربة ومنزلة وتشفعوا لنا عنده في حاجاتنا.
قال مجاهد: قريش تقوله للأوثان ومن قبلهم يقوله للملائكة ولعيسى بن مريم ولعزير١.
وقال العلامة ابن كثير حول قوله تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ ثم
_________________
(١) جامع البيان عن تأويل آي القرآن ٣٣/١٩.
[ ٣٩٢ ]
أخبر ﷿ عن عباد الأصنام من المشركين أنهم يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ أي إنما يحملهم على عبادتهم لها أنهم عمدوا إلى أصنام اتخذوها على صور الملائكة المقربين في زعمهم فعبدوا تلك الصور تنزيلًا لذلك منزلة عبادتهم الملائكة ليشفعوا لهم عند الله تعالى في نصرهم ورزقهم وما ينوبهم من أمور الدنيا فأما المعاد فكانوا جاحدين له كافرين به قال قتادة والسدي ومالك عن زيد بن أسلم وابن زيد: إلا ليقربونا إلى الله زلفى أي ليشفعوا لنا ويقربونا عنده منزلة ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك وهذه الشبهة هي التي اعتمدها المشركون في قديم الدهر وحديثه وجاءتهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين بردها والنهي عنها والدعوة إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له وأن هذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم لم يأذن الله فيه ولا رضي به بل أبغضه ونهى عنه ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ١.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٢ وأخبر أن الملائكة التي في السموات من الملائكة المقربين وغيرهم كلهم عبيد خاضعون لله لا يشفعون عنده إلا بإذنه لمن ارتضى وليسوا عنده كالأمراء عند ملوكهم يشفعون عندهم بغير إذنهم فيما أحبه الملوك وأبوه ﴿فَلا تَضْرِبُوا للهِ الأَمْثَالَ﴾ ٣ تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا"أ. هـ٤.
وقال الشوكاني: والضمير في "نعبدهم" راجع إلى الأشياء التي كانوا يعبدونها من الملائكة وعيسى والأصنام وهم المرادون بالأولياء والمراد بقولهم ﴿إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ الشفاعة كما حكاه الواحدي عن المفسرين. اهـ٥. قال صاحب محاسن التأويل٦:
_________________
(١) سورة النحل آية: ٣٦.
(٢) سورة الأنبياء آية: ٢٥.
(٣) سورة النحل آية: ٧٤.
(٤) تفسير ابن كثير ٦/٧٨.
(٥) فتح القدير ٤/٤٤٩.
(٦) هو جمال الدين محمد سعيد بن قاسم القاسمي الحَلاق عالم مشارك في أنواع العلوم، ولد بدمشق ونشأ وتعلم بها ولد سنة ثلاث وثمانين ومائتين وألف وتوفي سنة إثنتين وثلاثين وثلاثمائة وألف هجرية. الأعلام ٢/١٣١.
[ ٣٩٣ ]
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ أي بالمحبة للتقرب والتوسل بهم إلى الله - تعالى - ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ أي يقولون ذلك احتجاجًا على ضلالهم ﴿إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي عند حشر معبوداتهم معهم فيقرن كلاَّ منهم مع من يتولاه من عابد ومعبود ويدخل المبطل النار مع المبطلين كما يدخل المحق الجنة مع المحقين ا. هـ١.
فالآية بينت أن أصل الشرك في المشركين من بني آدم إنما كان نتيجة الغلو في المخلوق ورفعه فوق منزلته ويشهد لهذا ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ أنه قال صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أما ودَّ فكانت لكلب بدومة الجندل وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجوف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت٢.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية "وأصل الشرك في بني آدم كان من الشرك بالبشر الصالحين المعظمين، فإنهم لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم ثم عبدوهم، فهذا أول شرك كان في بني آدم، وكان في قوم نوح فإنه أول رسول بعث إلى أهل الأرض يدعوهم إلى التوحيد، وينهاهم عن الشرك كما قال - تعالى - ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ ٣ وهذه أسماء قوم صالحين في قوم نوح فلما ماتوا جعلوا الأصنام على صورهم ثم ذهبت هذه الأصنام لما أغرق الله أهل الأرض ثم صارت إلى العرب كما ذكر ابن عباس وغيره إن لم يكن أعيانها فهي نظائرها"ا. هـ٤.
_________________
(١) محاسن التأويل ١٤/١٩٥.
(٢) ٣/٢٠٨.
(٣) سورة نوح آية: ٢٣ - ٢٤.
(٤) الحسنة والسيئة ١١٣ - ١١٤.
[ ٣٩٤ ]
وقال ابن جرير الطبري: عند قوله - تعالى - ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ الآية قال: كانوا قومًا صالحين من بني آدم لهم أتباع يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: "إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم"١ هذا من أعظم كيد إبليس وهو جعله الإنسان يشرك بالله غيره فإنه يأتي للإنسان بأخبث الحيل، وأعظم المكر فإنهم عن طريق العاطفة الدينية، وبما يؤملون من جلب النفع حتى جعلهم مشركين يعبدون غير الله - تعالى - ويطلبون المطالب التي لا يقدر عليها إلا الله - تعالى - ممن لا يملك ذلك من المخلوقين فتماثيل الصالحين من أكبر الطرق وأسرعها وقوعًا في قلوب الناس للوقوع في أصل الشرك ولذلك اعتبر الشرع أن من يفعل هذا العمل إنما هو شرار الخلق عند الله - تعالى - روى البخاري في صحيحه من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: "لما اشتكى النبي ﷺ ذكرت بعض نسائه كنيسة رأينها بأرض الحبشة يقال لها: مارية وكانت أم سلمة وأم حبيبة ﵄ أتتا أرض الحبشة فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها فرفع رأسه فقال: أولئك إذا مات منهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا ثم صوروا فيه تلك الصورة أولئك شرار الخلق عند الله"٢.
وما أكثر شرار الخلق في زمننا هذا فإن الكثير من المسلمين تجاهلوا هذا التحذير البليغ والتهديد الشديد فبنوا المساجد والقباب على القبور وتجد الجهلة من المسمين يتحرون الصلاة فيها وعندها ويتوسلون بها ويدعونها من دون الله وينذرون لها ويذبحون لها ويوقدون الشموع والسرج عندها ويطلبون منها شفاء مرضاهم ورد غائبهم ويعكفون عندها ويطوفون حولها ويطلبون منها الغوث والمدد وتجد أحدهم يجري على لسانه ذكر صاحب القبر كلما قام أو قعد أو سقط وهذه الأمور هي بعينها التي كان يفعلها مشركو الجاهلية بل هؤلاء أشد منهم عبادة وتعظيمًا وهذا أصل الشرك وعينه الذي حذر الله عنه عباده ونهاهم عن الوقوع فيه.
وحرم على من مات عليه الجنة.
قال صاحب تيسير العزيز الحميد: بعد أن ذكر قصة أصنام قوم نوح: فتبين أن مبدأ
_________________
(١) جامع البيان ٢٩/٩٩.
(٢) صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٣/٢٠٨.
[ ٣٩٥ ]
الشرك بالصالحين هو الغلو فيهم كما أن سبب الشرك بالنجوم هو الغلو فيها واعتقاد النحوس فيها والسعود، ونحو ذلك وهذا هو الغالب على الفلاسفة ونحوهم كما أن ذلك هو الغالب على عباد القبور ونحوهم وهو أصل عبادة الأصنام فإنهم عظموا الأموات تعظيمًا مبتدعًا، فصوروا صورهم وتبركوا بها فآل الأمر إلى أن عبدت الصور ومن "هي" صورته وهذا أول شرك حدث في الأرض وهو الذي أوحاه الشيطان إلى عباد القبور في هذه الأزمان فإنه ألقى إليهم أن البناء على القبور والعكوف عليها من محبة الصالحين وتعظيمهم وأن الدعاء عندها أرجى في الإجابة من الدعاء في المسجد الحرام والمساجد فاعتادوها ولذلك فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى الدعاء به والإقسام على الله به"ا. هـ ١.
_________________
(١) ص ٢٦٩ـ ٢٧٠.
[ ٣٩٦ ]