لقد دلت السورة على أهمية الإخلاص في أربع آيات:
قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ. أَلا للهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ .
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي ﴾ .
هذه الآيات الأربع من السورة فيها بيان أهمية الإخلاص في توحيد العبادة، وكما نرى أن الأمر بالإخلاص جاء مشفوعًا بالأمر بالعبادة، لأن الإخلاص هو روح العبادة وعمودها الذي تقوم عليه، فالعبادة بدون إخلاص عبادة مردودة على صاحبها لأنها لم توجه إلى الله - وحده - لا شريك له، ومتى شاب العبادة قصد غير الله - تعالى - اعتبرت لاغية لا قيمة لها، ولا فائدة منها سوى التعب لصاحبها لأن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه.
فالآيات الأربع دلت على وجوب الإخلاص في العبادة.
فالآية الأولى هي قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ أمر الله نبيه ﷺ بأن يعبد الله تعالى عبادة مصحوبة بالإخلاص وأمته تبع له في هذا الأمر والأمر دال على الوجوب فيجب عليهم أن يخلصوا دينهم لله ويبعدوا أنفسهم عن كل شوائب الشرك.
وأما الآية الثانية من تلك الآيات هي قوله تعالى: ﴿أَلا للهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ .
قال القرطبي: "أي: الذي لا يشوبه شيء"١.
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن ١٥/٢٣٣.
[ ١٨٥ ]
وروى ابن جرير عن قتادة أنه قال: ﴿ألا للهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ قال: "شهادة أن لا إله إلا الله"١ وعلى هذا التفسير يكون معنى الآية ﴿ألا للهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ أي: التوحيد الصافي من شوائب الشرك وهو المستحق لذلك وحده.
وقال العلامة ابن كثير: " ﴿ألا للهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ أي: لا يقبل من العمل إلا ما أخلص فيه العامل لله - وحده - لا شريك له"اهـ٢.
وأما الآية الثالثة: فهي قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾
فهذه الآية أيضًا: أمر بعبادة الله - تعالى - العبادة الخالصة البعيدة عن كل إشراك.
وأما الآية الرابعة: فهي قوله تعالى: ﴿قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ وهذه الآية إخبار بأنه ﵊ أمر بأن يخص الله - تعالى - وحده بالعبادة مخلصًا له دينه ولا يعبد أحدًا غيره فقوله ﴿اللهَ أَعْبُدُ﴾ يفيد الحصر أي: لا أعبد أحدًا غير الله تعالى.
فالسورة بينت من خلال تلك الآيات الأربع أهمية الإخلاص ودلت على أنه يجب على كل إنسان أن يحققه في عبادته ربه لتكون عبادته مقبولة عند الله - تعالى ـ، وطالما أن للإخلاص هذه الأهمية فإنه ينبغي للمرء معرفته كي يعينه ذلك على تحقيقه في توحيده ربه - جل وعلا - في جميع الأعمال.
ونذكر تعريفه هنا تسهيلًا لفهمه، وإدراكًا لمعناه:
معنى الإخلاص في اللغة:
جاء في المصباح المنير: "خلص الشيء من التلف" من باب - قعد - "وخلاصًا" و"مخلصًا" سلم ونجا و"خلص" الماء من الكدر صفا، و"خلصته" بالتثقيل ميزته من غيره اهـ٣. وهكذا مدار الإخلاص في كتب اللغة على الصفا والتميز عن الشوائب التي تخالط الشيء يقال: هذا الشيء خالص لك أي لا يشاركك فيه غيرك، وتطلق العرب "الإخلاص" على الزبد إذا خلص من اللبن والثفل.
_________________
(١) جامع البيان ٢٣/١٩١.
(٢) تفسير القرآن العظيم ٦/٧٨.
(٣) ١/١٧٧.
[ ١٨٦ ]
و"الخلاص" في لغة العرب. ما أخلصته النار من الذهب والفضة والخالص من الألوان عندهم ما صفا ونصع، ويقولون: خالصُه في العشرة صافاه١.
وهذه المعاني جاءت في القرآن الكريم قال تعالى: ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا﴾ ٢ أي: لا يخالطه دم ولا فرث.
وقال تعالى في إخوة يوسف: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ ٣. أي: انفردوا وتميزوا عمن سواهم. وقال تعالى حكاية عن المشركين: ﴿خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا﴾ ٤ أي: لا يشركهم الإناث.
وأما حقيقة الإخلاص في الشرع:
فقد تنوعت تعريفات العلماء له، ولكن مدارها على قصد الله بالعبادة دون سواه.
جاء في المفردات لغريب القرآن: "فحقيقة الإخلاص: التبرِّي عن كل ما دون الله تعالى"٥.
وعرَّفه أبو القاسم القشيري٦: بأنه "إفراد الحق - سبحانه - وتعالى في الطاعات بالقصد، وهو أن يريد بطاعته التقريب إلى الله تعالى دون شيء آخر من تصنع لمخلوق، واكتساب محمدة عند الناس، أو محبة مدح من الخلق، أو معنى من المعاني سوى التقرب إلى الله ﷾"٧.
وقال في موضع آخر: "يصح أن يقال: الإخلاص تصفية العمل عن ملاحظة المخلوقين"٨.
_________________
(١) انظر الصحاح للجوهري ٣/١٠٣٧، القاموس ٢/٣١٢ - ٣١٣، لسان العرب ٧/٢٦ - ٢٩.
(٢) سورة النحل آية: ٦٦.
(٣) سورة يوسف آية: ٨٠.
(٤) سورة الأنعام آية: ١٣٩.
(٥) ص١٥٥.
(٦) هو عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك النيسابوري من بني قشير بن كعب شيخ خراسان في عصره ولد سنة ست وسبعين وثلاثمائة وتوفي سنة خمس وستين وأربعمائة هجرية. انظر ترجمته في "وفيات الأعيان ١/٢٩٩، تاريخ بغداد ١١/٨٣ تبيين كذب المفتري ٢٧١، الأعلام ٤/١٨٠".
(٧) الرسالة القشيرية ص٩٥.
(٨) المصدر السابق.
[ ١٨٧ ]
وعرفه العز بن عبد السلام قائلًا: "الإخلاص أن يفعل المكلف الطاعة خالصة لله وحده لا يريد بها تعظيمًا من الناس ولا توقيرًا، ولا جلب نفع ديني ولا دفع ضرر دنيوي"١.
وقال سهل بن عبد الله٢: "الإخلاص أن يكون سكون العبد وحركاته لله - تعالى - خالصة"٣.
قال الغزالي بعد ذكره لهذا التعريف: "وهذه كلمة جامعة محيطة بالغرض"٤.
وقد ذكر الإمام ابن القيم؛ ما يقارب ثلاثة عشر تعريفًا للإخلاص٥ وكلها ترجع إلى معنى واحد: وهو أن يقصد العبد بأقواله، وأعماله وإرادته، ونيته وجه الله تعالى دون سواه من غير أن ينظر إلى مغنم، أو جاه، أو لقب، أو تقدم، أو تأخر إلى غير ذلك من أعراض الدنيا٦.
وقد بين ابن القيم أن للإخلاص ثلاثة أركان قال رحمه الله تعالى:
"فحقيقة الإخلاص": توحيد المطلوب، وحقيقة الصدق: توحيد الطلب والإرادة ولا يثمران إلا بالإستسلام المحض للمتابعة، فهذه الأركان الثلاثة هي: أركان السير وأصول الطريق التي من لم يبن عليها سلوكه وسيره فهو مقطوع، وإن ظن أنه سائر فسيره، إما إلى عكس جهة مقصودة، وإما سير المقعد والمقيد، وإما سير صاحب الدابة الجموح كلما مشت خطوة إلى قدام رجعت عشرة إلى الخلف، وإن لم يبذل جهده ويوحد طلبه سار سير المقيد وإن اجتمعت له الثلاثة: فذاك الذي لا يجارى في مضمار سيره وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم٧
_________________
(١) قواعد الأحكام ١/١٤٦.
(٢) هو: سهل بن عبد الله التستري أحد أئمة الصوفية المتكلمين في الإخلاص والرياضة ولد سنة مائتين وتوفي سنة ثلاث وثمانين ومائتين هجرية. انظر ترجمته في "وفيات الأعيان" ١/٢١٨، حلية الأولياء ١٠/١٨٩، الأعلام ٣/٢١٠.
(٣) إحياء علوم الدين ٤/٣٨١.
(٤) المصدر السابق.
(٥) مدارج السالكين ٢/٩١ - ٩٢.
(٦) راجع "الرسالة السابعة" ضمن مجموعة التوحيد لشيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ محمد بن عبد الوهاب وغيرهما من العلماء ص١٨٥، الجواب الكافي ص١٥٩ أضواء البيان ٧/٤٢.
(٧) مدارج السالكين ٢/٩٧.
[ ١٨٨ ]
ولأهمية الإخلاص في توحيد العبادة كان أحد ركنيه، والصدق ركنه الآخر.
قال العلامة ابن القيم:
فلو أحدكن واحدًا في واحد أعني سبيل الحق والإيمان
هذا وثاني التوحيد توحيد العبادة منك للرحمن
فنقوم بالإخلاص والإحسان في سر وفي إعلان
والصدق والإخلاص ركنا ذلك التوحيد كالركنين للبنيان١
وقد تضافرت الأدلة من الكتاب والستة، وكثرت أقوال الأئمة في اشتراط الإخلاص للأعمال والأقوال الدينية، وأن الله لا يقبل منها إلا ما كان خالصًا وابتغي به وجهه.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٢.
"فهذه الآية فيها توجيه من الله - تعالى - لنبيه ﷺ بأن يقول للمشركين أنه لا يصلي إلا لله، ولا يذبح إلا له، وأن محياه ومماته كل ذلك لله وحده لا شريك له بخلاف المشركين، فإنهم كانوا يعبدون الأصنام ويذبحون لها فأمره الله - تعالى - بمخالفتهم، والابتعاد عما هم عليه والإقبال بالقصد والنية والعزم والإخلاص لله تعالى"٣.
وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ ٤.
قال الفضيل بن عياض: هو أخلصه وأصوبه، قالوا: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: إن العمل إذا كان خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ٥، فلا يمكن أن يكون العمل خالصًا إلا إذا جرد
_________________
(١) القصيدة النونية مع شرحها توضيح المقاصد وتصحيح القواعد ٢/٢٥٨.
(٢) سورة الأنعام آية: ١٦٢ - ١٦٣.
(٣) انظر تفسير ابن كثير ٣/١٣٩.
(٤) سورة الملك آية: ٢.
(٥) مدارج السالكين ٢/٨٩ والآية رقم ١١٠ من سورة الكهف.
[ ١٨٩ ]
الإنسان المتابعة للكتاب والسنة في عبادته، واقتفى ما خط له فيهما فقبول الأعمال مرهون وموقوف بصدق الإخلاص.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ ١.
فإسلام العبد وجهه لا يتحقق إلا بإخلاص قصده وعمله لله تعالى والإحسان في ذلك لا يتحقق إلا بمتابعة الرسول ﷺ، ولقد أخبر الله تعالى أن الأعمال التي تكون على غير الكتاب والسنة أو قصد بها غير وجه الله تعالى فإنها تصير هباءً منثورًا ليس لها قيمة وليس فيها نفع لصاحبها. قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ ٢، والآيات الواردة في الحض على إخلاص العبادة لله - وحده - لا شريك له كثيرة جدًا في كتاب الله - تعالى - وكلها تدل على اهتمام الإسلام بإصلاح الفرد ظاهرًا، وباطنًا.
والقرآن الكريم عندما يطلق اسم "الإخلاص" لا يريد به التوجه إلى الله في عمل من الأعمال بل المقصود به أن يتوجه المكلف بأعماله كلها إلى الله وحده دون سواه فلا يقصد بعبادته ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا ولا يعبد شجرًا، ولا حجرًا، ولا شمسًا، ولا قمرًا، الإخلاص يعني أن يتوجه بالأعمال القلبية لله وحده، كما يتوجه بالأعمال الظاهرة، والإخلاص هو الدين الذي بعث الله به الرسل جميعًا فكان محور دعوتهم ولبها، وهو الدين الذي طالبت به الرسل الأمم التي أرسلت إليها: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ ٣.
وقد أكدت السنة على أهمية الإخلاص في عبادة الله تعالى في أحاديث كثيرة منها:
١ - ما رواه الشيخان من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ: عن الرجل يقاتل رياءً ويقاتل شجاعة ويقاتل حمية أي ذلك في سبيل الله؟
فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" ٤.
فقد بين ﷺ أن القتال الذي يكون لله وفي سبيله إنما هو القتال الذي يكون الغاية منه
_________________
(١) سورة النساء آية: ١٢٥.
(٢) سورة الفرقان آية: ٢٣.
(٣) سورة البينة آية: ٥.
(٤) صحيح البخاري ٤/٢٩٠، صحيح مسلم ٣/١٥١٢.
[ ١٩٠ ]
رفع راية الإسلام، أما القتال لأجل مراءات الناس، وإظهار الشجاعة، أو يقاتل حمية كل هذا في سبيل الشيطان، وليس في سبيل الرحمن.
٢ - وروى الإمام أحمد من حديث أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم"١.
قال العلامة ابن القيم: "أي لا يبقى فيه غل، ولا يحمل الغل مع هذه الثلاثة بل تنفي عنه غله وتنقيه منه، وتخرجه عنه، فإن القلب يغل على الشرك أعظم غل، وكذلك يغل على الغش، وعلى خروجه عن جماعة المسلمين بالبدعة، والضلالة فهذه الثلاثة تملؤه غلاَّ، ودغلًا، ودواء هذا الغل، واستخراج أخلاطه بتجريد الإخلاص والنصح ومتابعة الرسول"٢.
٣ - وأخبر ﷺ أن الإنسان إذا قصد بعمله وجه الله - تعالى - زاده الله رفعة ودرجة في دنياه وآخرته.
دل على ذلك حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال: جاءني رسول الله يعودني في حجة الوداع من وجع اشتد بي وفيه فقلت: يا رسول الله أخلَّف بعد أصحابي قال: "إنك لن تخلف فتعمل عملًا تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة " الحديث٣.
٤ - وأخبر ﵊ أن العمل بقصد الرياء والسمعة محبط للعمل وموجب للنار كما في حديث الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار "قارئ القرآن والمجاهد، والمتصدق بماله"٤.
فقارئ القرآن قرأه ليقال: فلان قارئ، والمجاهد جاهد ليقال: فلان شجاع والمتصدق تصدق ليقال: فلان جواد، ولم تكن أعمالهم خالصة لله - تعالى - فكانوا من
_________________
(١) المسند ٤/٨٠، ٨٢.
(٢) مدارج السالكين ٢/٩٠.
(٣) رواه مسلم ٣/١٢٥٠ - ١٢٥١.
(٤) رواه مسلم ٣/١٥١٣ - ١٥١٤ من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١٩١ ]
أصحاب النار لأنهم قصدوا بأعمالهم غير الله فوقعوا في الشرك والله تعالى أغنى الشركاء عن الشرك.
كما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "قال الله تعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملًا أشرك فيه معي تركته وشركه" ١.
فعلى الإنسان أن يجتهد في تحقيق الإخلاص في أقواله وأفعاله التي يتقرب بها إلى الله - جل وعلا - وأن يحاول جاهدًا أن يربي نفسه ويعودها الأخذ بالإخلاص في جميع أعماله إذ الإخلاص من أشق الأشياء عليها.
قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "أمر النية شديد".
وقال سفيان الثوري: "ما عالجت شيئًا أشد علي من نيتي لأنها تنقلب عليَّ".
وقال يوسف بن أسباط: "تخليص النية من فسادها أشد على العاملين من طول الاجتهاد".
وقال سهل بن عبد الله التستري: "وليس على النفس شيء أشق من الإخلاص لأنه ليس لها فيه نصيب".
وقال يوسف بن الحسين: "أعز شيء في الدنيا الإخلاص، وكم اجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي، وكأنه ينبت فيه على لون آخر فيجب على من نصح نفسه أن يكون اهتمامه بتصحيح نيته وتخليصها من الشوائب فوق اهتمامه بكل شيء لأن الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى"٢ فالسلف كانوا يجتهدون غاية الاجتهاد في تصحيح نياتهم ويرون الإخلاص أعز الأشياء، وأشقها على النفس، وذلك لمعرفتهم بالله، وما يجب له وبعلل الأعمال، وآفاتها، ولا يهمهم العمل لسهولته عليهم، وإنما يهمهم سلامة العمل وخلوه من الشوائب المبطلة لثوابه أو المنقصة له، فقلب الإنسان هو الأساس في عبادة الله - تعالى - وهو موضع نظر الله تعالى، ومحل عنايته كما جاء من حديث أبي هريرة ﵁ أن
_________________
(١) رواه مسلم ٤/٢٢٨٩.
(٢) انظر هذه الأقوال في "الرسالة السابعة" تعريف العبادة وتوحيد العبادة والإخلاص - للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن المعروف بأبي بطين - ضمن مجموعة التوحيد لشيخ الإسلام ابن تيمة والشيخ محمد بن عبد الوهاب وغيرهما ص١٨٦.
[ ١٩٢ ]
رسول الله ﷺ قال: "إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" ١.
فصلاح القلب أساس قبول العمل ولا يعتبر العمل إلا إذا كان عن نية طيبة خالصة لوجه الله - تعالى - أما العمل إذا كان مقصودًا به مراءات الناس، أو السمعة فإن ذلك مبطل للعمل من أساسه بالكلية ويفضح الله سريرة صاحبه يوم القيامة بين الخلائق عامة، فعلى العبد أن يتقي الرياء ويخلص العمل لله - تعالى - فإن الرياء من الأعمال الدنيئة التي تهبط بالإنسان إلى أسفل الدرجات، أما إذا أظهر الإنسان الطاعات للناس دون قصد منه، وكانت مصحوبة بالإخلاص، فأعجبهم عمله وحمدوه على ذلك فهذا لا يحبط عمله، ولا ينافي ذلك إخلاصه.
برهان ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي ذر ﵁ أنه سأل رسول الله ﷺ قال: أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير فيحمده الناس عليه؟ قال: "تلك عاجل بشرى المؤمن" ٢.
ولا يفوتنا أن نذكر هنا كلمة لابن القيم وضعها ﵀ كنبراس لتحقيق الإخلاص في القلب قال رحمه الله تعالى: " لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس إلا كما يجتمع الماء والنار، والضب والحوت فإذا حدثتك نفسك بطلب الإخلاص، فاقبل على الطمع أولًا فاذبحه بسكين اليأس، وأقبل على المدح والثناء فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة، فإذا استقام لك ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح سهل عليك الإخلاص.
فإن قلت: وما الذي يسهل عليّ ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح؟
قلت: أما ذبح الطمع فيسهله عليك علمك يقينًا أنه ليس من شيء يطمع فيه إلا وبيد الله - وحده - خزائنه لا يملكها غيره ولا يؤتى العبد منها شيئًا سواه.
وأما الزهد في الثناء والمدح فيسهله عليك علمك أنه ليس أحد ينفع مدحه ويزين ويضر ذمة ويشين إلا الله - وحده - كما قال ذلك الأعرابي للنبي إن مدحي زين، وذمي
_________________
(١) صحيح مسلم ٤/١٩٨٧.
(٢) ١/٢٠٣٤.
[ ١٩٣ ]
شين، فقال ذلك الله ﷿ ١ فازهد في مدح من لا يزينك مدحه، وفي ذم من لا يشينك ذمه، وارغب في مدح من كل الزين في مدحه وكل الشين في ذمه، ولن يقدر على ذلك إلا بالصبر واليقين، فمتى فقدت الصبر واليقين كنت كمن أراد السفر في البحر في غير مركب.
قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ اهـ ٣.
والذي نخلص إليه مما تقدم أن الإنسان مأمور بأن يصفي وينقي عمله من جميع شوائب الشرك، وأن يفعل كل الطاعات على وجه الإخلاص ولا بد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "فكل ما يفعله المسلم من القرب الواجبة والمستحبة كالإيمان بالله، ورسوله، والعبادات البدنية، والمالية، ومحبة الله ورسوله والإحسان إلى عباد الله بالنفع، والمال هو مأمور بأن يفعله خالصًا لله رب العالمين لا يطلب من مخلوق عليه جزاء لا دعاءًا ولا غير دعاء، فهذا مما لا يسوغ أن يطلب عليه جزاء لا دعاءًا ولا غير دعاء" ٤.
_________________
(١) رواه أحمد في المسند ٣/٤٨٨ من حديث الأقرع بن حابس، الترمذي ٥/٦٣ من حديث البراء بن مالك.
(٢) سورة الروم آية: ٦٠.
(٣) الفوائد ص١٤٧ - ١٤٨ والآية رقم ٤ من سورة السجدة.
(٤) مجموع الفتاوى ١/١٩٠.
[ ١٩٤ ]