لقد دلت سورة "الزمر" على أن مشركي العرب كانوا يعترفون بوجوده - سبحانه - وربوبيته لخلقه، كما يؤمنون بأنه هو الذي أوجد العالم العلوي والسفلي، وليس لآلهتهم من ذلك شيء.
قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ .
هذه الآية من السورة تضمنت اعتراف المشركين الذين بعث فيهم الرسول ﷺ بأن الله هو الخالق لهذا العالم علويه وسفليه، فقد بدأ الله هذه الآية بالقسم مخاطبًا بذلك نبيه محمدًا ﷺ بأنه لو سأل هؤلاء المشركين العابدين لغير الله تعالى من الأوثان، والأصنام عمن خلق السموات والأرض؟ لكان جوابهم جوابًا حقيقيًا صادقًا نابعًا من الفطرة التي فطر الله الناس عليها فيقولون: إن الخالق لهذا الكون هو الله - جل وعلا - كما تضمنت بيان عجز الآلهة التي يعبدونها عن أن تجلب لهم نفعًا، أو أن تدفع عنهم شرًا، وما دام الحال هكذا من أنه لا خالق لهذا الكون إلا الله - تعالى - وأن الآلهة التي يزعمونها من دون الله عاجزة عن جلب الخير، أو دفع الشر، فعبادتهم لها باطلة ويلزمهم أن يتوجهوا بالعبادة إلى الإله الحق الذي له القدرة على الخلق وجلب الخير ودفع الضرر ومن هذه صفته فهو المعبود بحق دون سواه.
قال ابن جرير: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين العادلين بالله الأوثان والأصنام من خلق
السموات والأرض ليقولن خلقهن الله١. قال ابن كثير: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ
_________________
(١) جامع البيان ٢٤/٧.
[ ٣٥٤ ]
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ يعني المشركين كانوا يعترفون بأن الله ﷿ هو الخالق للأشياء كلها ومع هذا يعبدون معه غيره مما لا يملك لهم ضرًا ولا نفعًا. اهـ١.
فوجود الرب - سبحانه - وتعالى من الأمور البدهية الظاهرة للعقول والفطر ولو وجد بعض الملاحدة الذين يجاهرون بإنكار وجود - الرب سبحانه - بألسنتهم فذلك نتيجة العناد، وإلا فإنه متقرر في فطرهم وعقولهم ما يكذب قولهم ذلك.
قال العلامة ابن القيم: "وسمعت شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية - قدس الله روحه - يقول: كيف يطالب الدليل على من هو دليل على كل شيء وكان كثيرًا مَّا يتمثل بهذا البيت:
وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل
ثم قال: "ومعلوم أن وجود الرب تعالى أظهر للعقول والفطر من وجود النهار، ومن لم ير ذلك في عقله وفطرته فليتهمهما" اهـ٢.
وأما قوله تعالى في الآية: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ فهذا الشطر من الآية أمر الله فيه النبي ﷺ بأن يسأل هؤلاء المشركين عن معبوداتهم المتنوعة من الأوثان والأصنام التي يتوجهون إليها بالعبادة دون الله تعالى هل لديها القدرة في الحيلولة دون مراد الله تعالى؟ وهل في استطاعتها أن تدفع عنه البلاء إن أراد الله إنزاله؟ وهل في إمكانها أن تمنع عنه رحمة الله تعالى التي يريد أن يتفضل بها عليه فيمنحه إياها؟ ولو أنصفوا من أنفسهم وتجردوا لقول الحق لكان ردهم كلا لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع ولا راد لما يريده - سبحانه - وقد أجاب البعض منهم بأن آلهتهم المزعومة لا تستطيع شيئًا من ذلك وإنما يعبدونها لتقربهم إليه زلفى.
قال مقاتل: فسألهم النبي ﷺ فسكتوا.
_________________
(١) تفسير ابن كثير ٦/٩٤.
(٢) مدارج السالكين ١/٦٠.
[ ٣٥٥ ]
وقال غيره: قالوا: "لا تدفع شيئًا قدَّره الله ولكنها تشفع"١.
وهذه حجة واهية آلت إليهم عن طريق الإلف والعادة المتوارثة عن أسلافهم.
قال أبو جعفر بن جرير عند قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ "فقل: أفرأيتم أيها القوم هذا الذي تعبدون من دون الله من الأصنام والآلهة ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ بِضُرٍّ﴾ يقول: بشدة في معيشتي وكثرة مالي، ورخاء وعافية في بدني هل هن ممسكات عني ما أراد أن يصيبني به من تلك الرحمة؟ وترك الجواب لاستغناء السامع بمعرفة ذلك، ودلالة ما ظهر من الكلام عليه، والمعنى: فإنهم سيقولون لا، فقل حسبي الله مما سواه من الأشياء كلها إياه أعبد، وإليه أفزع في أموري دون كل شيء سواه فإنه الكافي وبيده الضر والنفع لا إلى الأصنام والأوثان التي لا تضر، ولا تنفع" أ. هـ٢.
فالآية تضمنت اعتراف المشركين الذين بعث فيهم الرسول ﷺ بأن الله - تعالى - هو الخالق للكون وحده دون سواه، كما تضمنت بيان عجز الآلهة التي يعبدونها عن أن تجلب لهم نفعًا، أو أن تدفع عنهم شرًا، وورد هذا كثير في القرآن الكريم، فقد كانوا أيضًا يعترفون بأن الله تعالى هو الرازق النافع، الضار، ومع ذلك يعبدون غيره معه.
قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ٣. هذه الآية استجوبت المشركين عن أمور أربعة:
الأمر الأول: عن مسبب الأرزاق في السموات والأرض لأنها إنما تحصل الأرزاق من السماء والأرض، أما السماء فبإنزال الأمطار، كما قال تعالى: ﴿وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٤.
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن ١٥/٢٥٩.
(٢) جامع البيان ٢٤/٧.
(٣) سورة يونس آية: ٣١.
(٤) سورة الجاثية آية: ٥.
[ ٣٥٦ ]
وأما الرزق من الأرض ففيما أودع الله فيها من منافع مادية وأبرزها الغذاء سواءً أكان نابتًا منها أو ما أوجد الله على ظهرها من الحيوان.
الأمر الثاني: أحوال الحواس ومن أشرفها وأظهرها وأشدها ضرورة وأعجبها خلقًا السمع والبصر ولهذا خصت بالذكر.
الأمر الثالث: أحوال الموت والحياة من إخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي ومعنى إخراج ﴿الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ إخراج الإنسان من النطفة والطائر من البيضة وإخراج ﴿الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ إخراج النطفة من الإنسان والبيضة من الطائر.
وقد ذكر أبو عبد الله القرطبي في تفسيره أعم من هذا، إذ قال عند قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ قال: "أي النبات من الأرض، والإنسان من النطفة والسنبلة من الحبة، والطير من البيضة، والمؤمن من الكافر"١ وهذا التعميم أولى لشموله الحياة النباتية، والحياة الحيوانية، وقد نبه القرآن إلى هذا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ ٢.
"ويمكن أن يلحق بهذا المعنى معنى آخر قريب منه لم أر من ذكره من المفسرين في كتب التفسير التي اطلعت عليها وقد يكون ذكره بعضهم ولم أطلع عليه، وهو أن الجنين قد يخرج من بطن أمه التي تصحبها الحياة، وقد يخرج الجنين حيًا من بطن أمه بعد موتها بواسطة عملية جراحية، فإنه داخل في عموم الآية.
الأمر الرابع: قوله تعالى في نهاية الآية: ﴿وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ﴾ هذه الجملة من الآية من باب عطف العام على الخاص لأن أنواع التدبير في هذا العالم لا نهاية لها فهناك تدبير في العالم العلوي، وتدبير في العام السفلي ولهذا جاءت الجملة بلفظ كلي عام يشمل تدبير الكون بما فيه.
فلقد استجوب القرآن الكريم أولئك المشركين عن الأمور الأربعة المتقدمة، والهدف منها إلزامهم بما يستلزم اعترافهم، وبما فطرت عليه النفوس البشرية جمعاء من
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن ٨/٣٣٥.
(٢) سورة الأنعام آية: ٩٥.
[ ٣٥٧ ]
الإيمان بربوبية الله تعالى وذلك مسلم عندهم فطرة وعقلًا وضرورة فيلزمهم أن يفردوه بالعبادة دون سواه.
وقد بين الله تعالى في مواضع كثيرة من كتابه ضعف معبودات المشركين وعجزها، وأنها لا تملك شيئًا من النفع، والضر. وقد ضرب الله الأمثال لبيان حالها الحقيرة قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ ١.
ففي هذا المثل بين ﵎ لعباده أن هذه الآلهة المزعومة المدعوة من دونه عاجزة وضعيفة فلو اجتمعت كلها لإيجاد مخلوق حقير مثل الذباب لا تستطيع ذلك، بل إن الذباب الحقير، لو أخذ من آلهتهم شيئًا من حقير المطاعم وطار به لما استطاعت تلك الآلهة إنقاذه من ذلك الذباب، وهذا فيه تأكيد قوي يبين عجز هذه الآلهة وضعفها أمام مخلوق من أضعف مخلوقاته تعالى. ومن كانت هذه صفته فهل يصلح أن يكون معبودًا توجه له العبادة إنه لا يعبده إلا من كان سخيف العقل سفيهًا لم يقدر الله حق قدره وهو القوي العزيز.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى حول هذا المثل: "حقيق على كل عبد أن يستمع لهذا المثل ويتدبره حق تدبره فإنه يقطع موارد الشرك من قلبه وذلك أن المعبود أقل درجاته أن يقدر على إيجاد ما ينفع عابده وإعدام ما يضره والآلهة التي يعبدها المشركون من دون الله لن تقدر على خلق ذباب ولو اجتمعوا كلهم لخلقه فكيف ما هو أكبر منه، ولا يقدرون على الإنتصار من الذباب، وإذا سلبهم الذباب شيئًا مما عليهم من طيب ونحوه فيستنقذونه منه فلا هم قادرون على خلق الذباب الذي هو من أضعف الحيوان، ولا على الإنتصار منه، واسترجاع ما يسلبهم إياه فلا أعجز من هذه الآلهة، ولا أضعف منها فكيف يستحسن عاقل عبادتها من دون الله تعالى، وهذا المثل من أبلغ ما أنزله الله - سبحانه - في بطلان الشرك وتجهيل أهله وتقبيح عقولهم"أ. هـ٢ فهذا المثل كان بحق دليلًا في منتهى القوة حيث أثبت بطريقة حسية بطلان الوثنية وأقام الحجة على إظهار الوحدانية.
ومن الأمثال التي ضربها الله - تعالى - لبيان ضعف آلهتهم وبطلان عبادتها قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ
_________________
(١) سورة الحج آية: ٧٣.
(٢) أعلام الموقعين ١/١٨١ - ١٨٢، الأمثال في القرآن الكريم ص٢٤٧ - ٢٤٨.
[ ٣٥٨ ]
الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ١ بين الله تعالى أنهم ضعفاء وإن الذين اتخذوهم أولياء أضعف منهم فهم في ضعفهم وما قصدوه من اتخاذ الأولياء كالعنكبوت اتخذت بيتًا وهو أوهن البيوت وأضعفها وتحت هذا المثل أن هؤلاء المشركين أضعف ما كانوا حين اتخذوا من دون الله أولياء فلم يستفيدوا ممن اتخذوهم أولياء إلا ضعفًا كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّا﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ * لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ ٣ وقال - سبحانه - بعد أن ذكر هلاك الأمم الماضية من المشركين ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ ٤ فهذه أربع آيات من آيات القرآن الكثيرة الدالة على أن من اتخذ من دون الله وليًا يتعزز به ويتكثر لم يحصل له إلا ضد مقصوده ولو علم المشركون ضعف آلهتهم، كما يعلمون ضعف بيت العنكبوت لما اتخذوهم أولياء فالذي كانوا يلتمسونه منها من قوة وعزة ونصر يكون بعكس ما يظنون"٥، ومما جاء في تأكيد اعترافهم بضعف آلهتهم حديث عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال لحصين: "كم إلهًا تعبد؟ " قال سبعة ستة في الأرض وواحد في السماء قال: "من لرغبتك ورهبتك" قال الذي في السماء قال: "فاترك الستة واعبد الذي في السماء وأنا أعلمك دعوتين"، فأسلم وعلمه النبي ﷺ أن يقول: "اللهم رشدني وقني شر نفسي" ٦.
ومن ذلك أيضًا ما ورد في تلبية بعض مشركي العرب إذا أهلوا "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك"٧.
وقد جاء في أشعارهم ما يدل على أن عبادتهم للأصنام لم تكن عميقة في قرارات
_________________
(١) سورة العنكبوت آية: ٤١.
(٢) سورة مريم آية: ٨١ - ٨٢.
(٣) سورة يس آية: ٧٤ - ٧٥.
(٤) سورة هود آية: ١٠١.
(٥) علام الموقعين ١/١٥٤ - ١٥٥.
(٦) سنن الترمذي ٥/١٨٢.
(٧) صحيح مسلم ٢/٨٤٣.
[ ٣٥٩ ]
أنفسهم لأنهم كانوا يدركون عدم جدواها ونفعها. وقد ذكر ابن كثير في كتابه "البداية" أن صنمًا يقال له سعد، وكان صخرة طويلة فأقبل عليه رجل من كنانه بإبل له لقصد التبرك به فلما أدناها منه نفرت وكان يهراق عليه الدماء فذهبت في كل وجه وتفرقت عليه، فأسف عليها فأخذ حجرًا ورماه به وقال: لا بارك الله فيك إلهًا أنفرت علي إبلي، ثم سار في طلبها فجمعها وانصرف عنه وهو يقول:
أتينا إلى سعد ليجمع شملنا فشتتنا سعد فلا نحن من سعد
وهل سعد إلا صخرة بتنوفه من الأرض لا يدعي لغيٍ ولا رشد ١
وقال بعض المشركين حين وجد الثعلبان يبول على رأس صنمه:
أرب يبول الثعلبان برأسه لقد ذل من بالت عليه الثعالب٢
وكذلك قصة عمرو بن الجموح فقد كان له صنم وكان بعض الفتيان ممن أسلم وشهد العقبة كانوا يأتونه ليلًا فيلقونه في حفر بني سلمة وفيها عذرة الناس منكسًا على رأسه فيطلبه فيغسله ويطيبه ثم يقول له: أما والله لو أعلم من فعل هذا بك لأخزينه فإذا نام وأمسى عمرو عدوا عليه ففعلوا به مثل ذلك فيغدو فيجده في مثل ما كان فيه من الأذى. فلما أكثروا عليه استخرجه من حيث ألقوه فغسله وطهره وطيبه ثم جاء بسيفه فعلقه عليه، ثم قال: إني والله ما أعلم من يصنع بك ما ترى؟ فإن كان فيك خير فامتنع فهذا السيف معك، فلما أمسى ونام عمرو عدوا عليه، فأخذوا السيف من عنقه، ثم أخذوا كلبًا ميتًا فقرنوه به بحبل، ثم ألقوه في بئر من آبار بني سلمة فيها عذر من عذر الناس، ثم غدا عمرو بن الجموح فلم يجده في مكانه الذي كان به، فخرج يتبعه حتى وجده في تلك البئر منكسًا مقرونًا بكلب ميت، فلما رآه وأبصر شأنه، وكلمه من أسلم من رجال قومه، فأسلم وحسن إسلامه. فقال بعد إسلامه ومعرفته لله متذكرًا صنمه شاكرًا لله تعالى الذي أنقذه مما كان فيه من العمى والضلالة:
والله لو كنت إلهًا لم تكن
أنت وكلب وسط بئر في قرن
أنّى لملقاك إلهًا مستدن
الآن فتشناك عن سوء الغبن
_________________
(١) البداية والنهاية ٢/٢٠٩.
(٢) انظر القاموس ١/٤٢، لسان العرب ١/٣٣٧، الأصنام لابن الكلبي ص٤٧.
[ ٣٦٠ ]
الحمد لله العلي ذي المنن
الواهب الرزاق ديان الدين
هو الذي أنقذني من قبل أن
أكون في ظلمة قبر مرتهن
بأحمد المهدي النبي المؤتمن١
وهناك قصص أخرى كثيرة تدل على عدم إيمان بعض عباد الأوثان الإيمان الكامل بأوثانهم ويعلمون قطعًا أنها لا تنفع ولا تضر، ولذلك عندما نزل القرآن شنَّع عليهم عبادتهم لها وكان من أساليب القرآن معهم أنه كان يقررهم بما لا مجال لإنكاره لأن إلزام الخصم بما يسلِّم به من أبلغ الطرق الجدلية، لأنه إذا سلِّم بالمقدمة فقد ألزم بالنتيجة سواءًا التزم بذلك أو لم يلتزم، ولذلك كان القرآن يحتج عليهم بحجة لا بد للعقول من الإقرار بها، ولا يجوز للعقل السليم رفضها، قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ ٢. فالآية تقول لهم أنتم موجودون وهذه حقيقة لا تنكرونها وكذلك السموات والأرض موجودتان ولا شك، والذي تقرر عقلًا أن الموجود لا بد له من سبب لوجوده لأن العدم لا يوجد شيئًا هذا أمر مقرر في بدائة العقول، ولأن الشيء لا بوجد نفسه. فقوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ دليل قاطع يرغم العقلاء على التسليم بأن هناك خالقًا معبودًا، إلا أن الآية صاغته بأسلوب مؤثر فلا تكاد الآية تلمس السمع حتى تزلزل النفس وتهزها.
وقد روى البخاري في صحيحه من حديث محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ "يقرأ - في المغرب - بالطور، فلما بلغ هذه الآية ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ كاد قلبي يطير" ٣ قال شيخ الإسلام تعقيبًا على هذا الحديث: "وذلك أن هذا تقسيم حاصر ذكره الله بصيغة استفهام الإنكار ليبين أن هذه المقدمات معلومة بالضرورة لا يمكن جحدها يقول: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ؟!﴾ أي من غير خالق خلقهم أم هم خلقوا أنفسهم؟! وهم يعلمون أن كلا النقيضين باطل. فتعين أن لهم خالقًا خلقهم ﷾ ـ٤.
_________________
(١) سيرة ابن هشام ١/٤٥٢ - ٤٥٣، الإصابة ٢/٥٢٢ - ٥٢٣. والشطر الأخير في هذين المصدرين "بأحمد المهدي النبي المرتهن" ولعل ذلك تحريف.
(٢) سورة الطور آية: ٣٥ - ٣٦.
(٣) ٢/١٩٣.
(٤) مجموع الفتاوى ٥/٣٥٩، وانظر شرح حديث النزول ص٢٨.
[ ٣٦١ ]
وقال أبو سليمان١ الخطابي معلّقًا على قصة جبير بن مطعم: "إنما كان إنزعاجه عند سماع هذه الآية لحسن تلقيه معنى الآية ومعرفته بما تضمنته من بليغ الحجة فاستدركها بلطف طبعه واستنشق معناه بزكي فهمه واختار الخطابي في معنى ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ فوجدوا بلا خالق، وذلك ما لا يجوز أن يكون لأن تعلق الخلق بالخالق من ضرورة الأمر فلا بد له من خالق، فإذ قد أنكروا الإله الخالق، ولم يجز أن يوجدوا بلا خالق خلقهم، أفهم الخالقون لأنفسهم؟ وذلك في الفساد أكثر وفي الباطل أشد، لأن ما لا وجود له كيف يجوز أن يكون موصوفًا بالقدرة؟ وكيف يخلق؟ وكيف يتأتى منه الفعل؟ وإذا بطل الوجهان معًا قامت الحجة عليهم بأن لهم خالقًا، فليؤمنوا به. ثم قال سبحانه ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ وذلك شيء لا يمكنهم أن يدعوه بوجه فهم منقطعون، والحجة قائمة عليهم" أ. هـ٢.
وهذا الذي قرره الله في هذه الآيات لا يمكن الكفار أن يدعوه، والفائدة من ذكره والسؤال عنه قطع الحجاج والخصام، إذ قد يوجد جاحد مكابر يقول: "أنا خلقت نفسي" كما زعم مثيل له من قبل أنه يحيي ويميت ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ . وكان الجواب عليه سؤالًا آخر أبان عجزه وكذبه في زعمه الأول ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ فكانت النتيجة ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ٣.
فإذا كان العدم لا يوجد سماءًا ولا أرضاَ، وإذا كانت السماء والأرض لم توجدا نفسيهما، وإذا كان الملاحدة لا يستطيعون ادعاء ذلك كله فإنه لا بد لهذا كله من موجد وهذا الموجد ليس إلا الله تعالى. قال تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، وَأَنْزَلَ لَكُمْ
_________________
(١) هو: حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي البستي أبو سليمان فقيه، محدث من أهل "بست" من بلاد "كابل" من نسل زيد بن الخطاب ولد سنة تسع عشرة وثلاثمائة، وتوفي سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة هجرية. انظر ترجمته في "وفيات الأعيان ١/١٦٦ خزانة الأدب ١/٢٨٢ الأعلام للزركلي ٢/٣٠٤".
(٢) ذكره عنه البيهقي في كتابه "الأسماء والصفات" ص٤٩٥ - ٤٩٦.
(٣) سورة البقرة آية: ٢٥٨.
[ ٣٦٢ ]
مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ ١.
هذه الآية وجهت سؤالًا مستمدًا من واقع هذا الكون الذي من حول الناس والذي يشاهدونه، ويلمسونه، ويتمتعون بخيراته فإطلاق السمع، والبصر، والفؤاد في السموات التي ترى وفي الأرض التي يعيش عليها الإنسان، وما فيها من الحدائق الغنية بالأشجار، والأزهار والثمار والغرض منها بائن وواضح لأن هذا التناسق البديع لا يعقل أن يكون فلتة أو طرفة، أو صدفة، ولا يعقل أن يكون رمية بدون رام، وخاصة لم تدَّعِ الصدفة، ولا الأصنام، ولا أية جدلية أنها خلقته وأبدعته.
ومما قدمنا من الآيات وبعض الأحاديث وما ذكرنا أيضًا من بعض أقوال مشركي العرب يتبين أن الإقرار بالصانع أمر فطري مركوز في كل نفس ولهذا كانت دعوة الرسل إنما كانت إلى عبادة الله وحده لا شريك له وللتذكير بالربوبية لأن عامة الناس مقرون بالصانع، حتى الكفار يقرون بأن الله تعالى هو المالك الخالق الرازق، النافع الضار، المحيي المميت، ولكن هذا الإقرار لم يجدهم شيئًا، ولم ينقذهم من النار.
فهذا فرعون الذي بلغ الغاية في الكفر حيث ادعى أنه الرب الأعلى ومع ذلك يقر بربوبية الخالق - سبحانه - قال الله تعالى في حقه حاكيًا عن موسى ﵇ ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ ٢ وهذا إبليس اللعين والعدو المبين لبني آدم أجمعين يعترف بربوبية الباري - سبحانه - فيقول ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ٣ ويقول ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٤ ويقول ﴿إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ ٥.
فالكفار والمشركون أقروا بأن الله خالقهم، وخالق السموات والأرض وربهن ورب ما فيهما ورازقهم لهذا احتج عليهم بقوله ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ؟ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ٦.
_________________
(١) سورة النمل آية: ٦٠.
(٢) سورة الإسراء آية: ١٠٢.
(٣) سورة الحجر آية: ٣٦.
(٤) سورة الحجر آية: ٣٩.
(٥) سورة الحشر آية: ١٦.
(٦) سورة النحل آية: ١٧.
[ ٣٦٣ ]
قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى:
وأما توحيد الربوبية: الذي أقر به المسلم والكافر وقرَّره أهل الكلام فلا يكفي وحده، بل هو الحجة عليهم كما بين ذلك - سبحانه - في كتابه الكريم في عدة مواضع ولهذا كان حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا اهـ١.
وقال شارح الطحاوية: بعد أن ذكر تعريف توحيد الربوبية: "وهذا التوحيد حق لا ريب فيه وهو الغاية عند كثير من أهل النظر والكلام وطائفة من الصوفية، وهذا التوحيد لم يذهب إلى نقيضه طائفة معروفة من بني آدم بل القلوب مفطورة على الإقرار به أعظم من كونها مفطورة على الإقرار بغيره من الموجودات كما قالت الرسل فيما حكى الله عنهم ﴿أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ٢؟
_________________
(١) إغاثة اللهفان ١/٣٠.
(٢) شرح الطحاوية ص ٧٧ والآية رقم ١٠ من سورة إبراهيم.
[ ٣٦٤ ]