الخزنة: جمع خازن مثل حفظة وحافظ وهو المؤتمن على الشيء الذي قد استحفظه١.
ولقد بينت السورة أن لجهنم خزنة من الملائكة يقومون عليها. قال تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ .
فهذه الآية من السورة بين الله - تعالى - فيها أن خزنة جهنم يوبخون أصناف الكفار الداخلين جهنم من جميع الأمم على الأعمال التي أوصلتهم إلى دار البوار بقولهم ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ يعني: من جنسكم تعرفونهم وتعرفون صدقهم، وتتمكنون من التلقي عنهم عندما يتلون عليكم آيات ربكم التي أرسلهم الله بها إليكم، والتي دلت على الحق المبين بأوضح الأدلة والبراهين ﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ وهو يوم القيامة، وهذا مما يوجب عليكم إتباعهم والحذر من عذاب هذا اليوم باستعمال تقواه، ولكن كانت حالكم بخلاف هذه الحال، وعندما يسمع الكفار كلام خزنة جهنم يجيبون مقرين بذنبهم وأن حجة الله قامت عليهم بقولهم "بلى" قد جاءتنا رسل ربنا بالبينات والآيات الواضحات وحذرونا من هذا اليوم ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ بسبب كفرهم حقت عليهم كلمة العذاب التي هي لكل من كفر بآيات ربه وجحد ما جاءت به رسل الله، فأقروا
_________________
(١) حادي الأرواح ص٧٥، وانظر "بصائر ذوي التمييز" ٢/٥٣٥، "والمفردات في غريب القرآن" ص١٤٦ - ١٤٧.
[ ٦٢٤ ]
بذنبهم وقيام حجة الله عليهم، وعندما يسمع الخزنة اعترافهم وإقرارهم بذنبهم يقولون لهم: على وجه الإهانة والإذلال ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ فيخبرونهم بأن لهم الشقاء الأبدي والعذاب السرمدي الذي لا يظعنون منه ولا يفتر عنهم ساعة ولا ينظرون لأنهم تكبروا عن الحق فجازاهم الله من جنس عملهم بالإهانة والذل والخزي والندامة"١.
وهذا الحوار يجري بين خزنة جهنم، وبين الكفار عندما يساقون إليها أفواجًا وجماعات متفرقة بعضها في أثر بعض وقد بين الله - تعالى - أن عدد خزنة جهنم تسعة عشر.
قال تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ ٢ وقد استهان بعض المشركين بهذا العدد، فقد روى ابن جرير بسنده إلى ابن عباس لما نزل قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ إلى قوله ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ ٣ أن أبا جهل لما سمع ذلك قال لقريش: ثكلتكم أمهاتكم، أسمع ابن أبي كبشة يخبركم أن خزنة النار تسعة عشر، وأنتم الدهم٤ أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل من خزنة جهنم٥ فرد الله عليه وعلى أمثاله بأن خزنة جهنم ليسوا رجالًا وإنما هم من الملائكة الغلاظ الشداد الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون بقوله - عز شأنه - ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً﴾ .
قال ابن زيد: ما جعلناهم رجالًا فيأخذ كل رجل رجلًا كما قال هذا يعني - أبا جهل - وإنما جعل الله الخبر عن عدة خزنة جهنم فتنة للذين كفروا لتكذيبهم بذلك وقول بعضهم أنا أكفيكموهم.
قال مجاهد: قوله ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قال: جعلوا فتنة.
_________________
(١) انظر جامع البيان ٢٤/٣٤، تفسير البغوي على حاشية "تفسير الخازن" ٦/٧١ - ٧٢، تفسير ابن كثير ٦/١١٢، وانظر "تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان" ٧/٤٥ - ٤٦.
(٢) سورة المدثر آية: ٢٦ - ٣٠.
(٣) سورة المدثر آية: ٣٠ - ٣١.
(٤) الدهم: العدد الكثير. النهاية ٢/١٤٥.
(٥) جامع البيان ٢٩/١٥٩.
[ ٦٢٥ ]
قال أبو الأشد بن الجمحي: "لا يبلغون رتوتي حتى أجهضهم عن جهنم"١.
وكما جعل الله ذلك العدد فتنة للذين كفروا بالله من قريش جعله استيقانًا لأهل الكتاب وليزداد الذين آمنوا إيمانًا.
قال تعالى: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ ٢ فقد أخبر - تعالى - أن عدة خزنة جهنم ليستيقن به أهل التوراة والإنجيل حقيقة ما في كتبهم من الخبر عن عدة خزنة جهنم، إذا وافق ذلك ما أنزل الله في كتابه على محمد ﷺ.
قال قتادة: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ قال: يصدق القرآن الكتب التي كانت قبله فيها كلها، التوراة والإنجيل أن خزنة النار تسعة عشر.
وقال الضحاك بن مزاحم: "عدة خزنة جهنم تسعة عشر في التوراة والإنجيل"٣.
وروى الترمذي بإسناده إلى جابر ﵁ قال: "قال ناس من اليهود لأناس من أصحاب النبي ﷺ: هل يعلم نبيكم كم عدد خزنة جهنم؟ قالوا: لا ندري حتى نسأله، فجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا محمد غلب أصحابك اليوم. قال: وبما غلبوا؟ قال: سألهم يهود هل يعلم نبيكم كم عدد خزنة جهنم قال: فما قالوا؟ قال: قالوا: لا ندري حتى نسأل نبينا قال: أفغلب قوم سئلوا عما لا يعلمون فقالوا لا نعلم حتى نسأل نبينا لكنهم قد سألوا نبيهم فقالوا: أرنا الله جهرة عليّ بأعداء الله إني سائلهم عن تربة الجنة وهي الدرمك فلما جاءوا قالوا: يا أبا القاسم كم عدد خزنة جهنم؟ قال: هكذا وهكذا في مرة عشرة وفي مرة تسعة قالوا: نعم" الحديث٤.
فعدد خزنة جهنم تسعة عشر كما نص الله - تعالى - على ذلك في كتابه وسنة رسوله ﷺ بل وفي الكتب السابقة التوراة والإنجيل.
وقد وصف الله - تعالى - هؤلاء الخزنة بأنهم غلاظ شداد.
قال تعالى: ﴿عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا
_________________
(١) المصدر السابق ٢٩/١٦٠.
(٢) سورة المدثر آية: ٣١.
(٣) جامع البيان عن تأويل آي القرآن ٢٩/١٦١.
(٤) سنن الترمذي ٤/١٠٢.
[ ٦٢٦ ]
يُؤْمَرُونَ﴾ ١ أي: بعزمهم ونيتهم لا يريدون أن يخالفوه في شيء أبدًا ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ أي: "ولهم قوة على إبراز ما أمروا به من العزم إلى الفعل فلهم عزم صادق وأفعال عظيمة وقوة بليغة وشدة باهرة"٢.
وقد سمى الله - تعالى - كبير هؤلاء الخزنة "مالكًا" وهو اسم مشتق من الملك وهو القوة والشدة حيث تصرفت حروفه٣.
قال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ ٤ أي: مقيمون في العذاب"٥.
وقد أخبر - تعالى - أن أدوات التعذيب من سلاسل وأغلال بأيدي هؤلاء الخزنة يقودون بها أهل النار إلى النار قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ ٦.
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ ٧.
كما أخبر - تعالى - أن هؤلاء الخزنة هم الذين يقدمون لأهل النار الشراب والطعام الجهنمي.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ ٨.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا٩ * وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ ١٠.
_________________
(١) سورة التحريم آية: ٦.
(٢) النهاية لابن كثير ٢/١٥٩.
(٣) حادي الأرواح ص٧٦.
(٤) سورة الزخرف آية: ٧٧.
(٥) تفسير الخازن ٦/١١٨.
(٦) سورة الحاقة آية: ٣٠ - ٣٢.
(٧) سورة القمر آية: ٤٨.
(٨) سورة الكهف آية: ٢٩.
(٩) الأنكال: "قيود سوداء من نار جهنم" جامع البيان ٢٩/١٣٥.
(١٠) سورة المزمل آية: ١٢ - ١٣.
[ ٦٢٧ ]
فالذي يقدم ذلك الشراب والطعام الجهنمي هم خزنة جهنم الذين يقومون عليها، وكل ما تقدم من الآيات والأحاديث يدل على وجوب الإيمان بهؤلاء الخزنة الذين أسند الله إليهم القيام بتعذيب أهل النار، ومن أنكرهم، أو كذب بهم فقدوته في ذلك أبو جهل وأمثاله من مشركي قريش.
[ ٦٢٨ ]