لقد دلت السورة على أن لله - تعالى - يدين حقيقتين وهما من صفات الكمال التي اتصف بها - سبحانه - وقد جاء في السورة الإشارة إلى صفة اليدين في آية واحدة منها: ـ
قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ .
هذه الآية من السورة بدأت بنعي حال المشركين الذين لم يعظموا الله حق التعظيم اللائق به ﷾ حيث عبدوا معه غيره وأشركوه معه في العبادة ثم بينت بأن الأرض كلها قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه، ومذهب سلفنا الصالح إثبات القبضة واليمين كما وردت بلا تكييف، ولا تأويل، ولا تحريف، فيجب الإيمان بكل ما وصف الله به نفسه مع القطع بأنه وصف يليق بجلاله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١.
قال العلامة ابن كثير: "يقول ﵎: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي ما قدَّر هؤلاء المشركون الله حق قدره حين عبدوا معه غيره وهو العظيم الذي لا أعظم منه القادر على كل شيء المالك لكل شيء وكل شيء تحت قدره وقدرته إلى أن قال: "وقد وردت أحاديث كثيرة متعلقة بهذه الآية الكريمة، والطريق فيها وفي أمثالها مذهب السلف، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تحريف"اهـ٢.
وقد روى الإمام البخاري بإسناده عند هذه الآية إلى عبد الله بن مسعود ﵁
_________________
(١) سورة الشورى آية: ١١.
(٢) تفسير القرآن العظيم ٦/١٠٦ - ١٠٧.
[ ١٥٩ ]
قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد إنا نجد أن الله ﷿ يجعل السموات على إصبع والأرضيين على إصبع والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع وسائر الخلق على إصبع فيقول: أنا الملك فضحك رسول ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقًا لقول الحبر ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١.
هذا الحديث قال فيه المعطلة نفاة الصفات: إنه من كلام اليهودي، وليس من كلام الرسول ﷺ، واليهود الغالب عليهم التشبيه وقد نهينا عن تصديق أهل الكتاب، أو تكذيبهم وضحك الرسول ﷺ على مقالة الحبر إنما هو من تشبيه اليهود للخالق بالمخلوق، وليس إقرار له بل هو استنكار اهـ٢.
والجواب: أما كون ذكر الأصابع في الحديث من قول الحبر لا من قول الرسول ﷺ فهذا صحيح كما نطق بذلك الحديث.
وأما أنه ﵊ لم يتلفظ بما يؤيد قول الحبر فهذا باطل إذ الثابت عنه ﷺ ما هو أبلغ من ذلك وهو أنه ﵊ ظهر عليه علامة السرور بقول الحبر، ولو كان في قوله نوع تشبيه لله - جل وعلا - بخلقه لتمعر وجهه ولغضب غضبًا شديدًا، ولزجر اليهودي وبين للأمة أنه غير صادق فيما قال لأن ذلك طعن لعقيدة الإسلام في صميمها، ولكن ضحكه ﷺ دال على إقراره له، وأن ما قاله مما يؤيده الإسلام ويقره ويقال لهؤلاء النفاة أيضًا: لستم أعرف بحال الرسول ﷺ من الصحابي الراوي لهذا الحديث.
قال ابن خزيمة رحمه الله تعالى: " وقد أجل الله قدر نبيه ﷺ عن أن يوصف الخالق - الباري - بحضرته مما ليس من صفاته فيسمعه فيضحك عنده، ويجعل بدل وجوب النكير والغضب على المتكلم به ضاحكًا تبدو نواجذه تصديقًا وتعجبًا لقائله لا يصف النبي ﷺ بهذه الصفة مؤمن مصدق برسالته"اهـ٣.
_________________
(١) صحيح البخاري ٣/١٨٢.
(٢) انظر "كتاب الأسماء والصفات" للبيهقي ص٤٢٥ وما بعدها، فتح الباري ٨/٥٥١.
(٣) "كتاب التوحيد" ص٧٦.
[ ١٦٠ ]
وروى مسلم في صحيحه بإسناده إلى عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: "يطوي الله ﷿ السموات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الله الأرضيين بشماله، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ " ١.
وروى ابن خزيمة رحمه الله تعالى بإسناده إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس فقال: الحمد لله فحمد الله ﷿ بإذن الله ﵎ فقال له ربه رحمك ربك يا آدم، وقال له يا آدم اذهب إلى أولئك الملائكة إلى الملأ منهم فقل السلام عليكم، فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، ثم رجع إلى ربه ﷿ فقال: هذه تحيتك وتحية بنيك بينهم فقال الله ﵎ له ويداه مقبوضتان إختر أيهما شئت قال: اخترت يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين مباركة ثم بسطها فإذا فيها آدم وذريته الحديث٢.
هذا الحديث والذي قبله قد يتوهم بعض الناس أن بينهما تعارضًا حيث أن الأول ورد فيه ذكر الشمال، وهذا ينص على أن كلتا يديه - سبحانه - يمين.
وقال ابن خزيمة: "باب ذكر سنة ثامنة تبين وتوضح أن لخالقنا - جل وعلا - يدين كلتاهما يمينان لا يسار لخالقنا ﷿ إذ اليسار من صفة المخلوقين"٣.
والجواب: أنه لا تعارض بين الحديثين فعندما نقول: إن كلتا يديه - سبحانه - يمينان مع ورود الحديث الصحيح لابن عمر الذي جاء فيه ذكر الشمال لا يلزم منه أن اليمين أكمل من الشمال كما هو شأن يدي المخلوق، فالله - جل وعلا - له الكمال المطلق، وليس للإنسان من الكمال إلا ما منحه إياه خالقه، وبارئه فلا يترتب على قول العلماء كلتا يدي ربنا يمينان استنقاص لشماله - سبحانه - فهو - تعالى - منزه ومقدس له المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم"٤.
وروى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال
_________________
(١) ٤/٢١٤٨.
(٢) كتاب التوحيد ص٦٧.
(٣) المصدر السابق ص٦٦ - ٦٧.
(٤) انظر تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص١٤٨.
[ ١٦١ ]
رسول الله ﷺ: "ما تصدق أحد بصدقة من طيب ولا يقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الرحمن بيمينه وإن كانت تمرة فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل كما يربي أحدكم فلوه، أو فصيله" ١.
وعلى هذا نقول: إن ورود ذكر اليمين والقبضة في الآية، وذكر اليد والكف والأصابع في الأحاديث التي سقناها بعدها زيادة لتوضيح معناها كل ذلك يدل دلالة واضحة على أن - للباري سبحانه - يدين حقيقيتين ليستا مجازًا في النعمة٢ والقدرة٣ كما ادعى ذلك الجهمية والمعطلة، وصفة اليدين من الصفات الذاتية التي لا تنفك عن الله - تعالى - فيجب الإيمان بها وإثباتها حقيقة على ما يليق بجلاله وعظيم سلطانه.
وقد بين - تعالى - في مواضع من كتابه أن له يدين خلق بهما آدم وأنهما مبسوطتان بالإنفاق وأن يده فوق أيدي المبايعين لرسول الله ﷺ. قال تعالى ﴿يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ ٤ فهذه الآية بين - تعالى - فيها أنه قرَّع إبليس ووبخه حين منعه الكبر عن أن يسجد لآدم الذي خلقه الله بيديه.
وقال - تعالى ـ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ ٥.
وهذه الآية إخبار من المولى - جل شأنه - أن اليهود وصفوه - تعالى - بالبخل حيث قالوا: ﴿يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾ فأكذبهم الله ولعنهم على مقالتهم التي تنبئ عما هو متمكن في نفوسهم من الشح عن الإنفاق في وجوه الخير، أما يداه - سبحانه - فهما مبسوطتان بالإنفاق على عباده كيف يشاء، كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "يمين الله ملأى لا يغيضها سحاء٦ الليل والنهار،
_________________
(١) ٤/٢٧٩.
(٢) انظر شرح الأصول الخمسة لعبد الجبار ص ٢٢٨.
(٣) انظر أصول الدين لعبد القاهر بن طاهر البغدادي ص١١١.
(٤) سورة ص آية: ٧٥.
(٥) سورة المائدة آية: ٦٤.
(٦) سحاء: أي دائمة الصب والهطل بالعطاء. النهاية ٢/٣٤٥.
[ ١٦٢ ]
أرأيت ما أنفق منذ خلق السماء والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه" قال: "وعرشه على الماء، وبيده الأخرى القبض يرفع ويخفض" ١.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ ٢ وهذه الآية صرحت بأن لله يدًا تكون فوق أيدي المبايعين لرسول الله ﷺ.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٣.
إن لفظ اليد جاء في القرآن على ثلاثة أنواع: مفردًا، ومثنى، ومجموعًا.
فالمفرد كقوله تعالى: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ ٤.
والمثنى كقوله تعالى: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ .
والمجموع كقوله تعالى: ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ ٥ فحيث ذكر اليد مثناة أضاف الفعل إلى نفسه بضمير الإفراد وعدي الفعل بالباء إليهما وقال: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، وحيث ذكرها مجموعة أضاف الفعل إليها ولم يعد الفعل بالباء فهذه ثلاثة فروق فلا يحتمل ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ من المجاز ما يحتمله ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ فإن كل أحد يفهم من قوله ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ ما يفهمه من قوله عملنا وخلقنا كما يفهم ذلك من قوله: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ ٦ وأما قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فلو كان المراد منه مجرد الفعل لم يكن لذكر اليد بعد نسبة الفعل إلى الفاعل معنى فكيف وقد دخلت عليها الباء فكيف إذا ثنيت، وسر الفرق أن الفعل قد يضاف إلى يد ذي اليد والمراد الإضافة إليه كقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ ٧ و﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ . وأما إذا أضيف إليه الفعل ثم عدي بالباء إلى اليد مفردة فهو مما باشرته يده ولهذا قال عبد الله بن عمر: "إن الله لم يخلق بيده إلا ثلاثًا خلق آدم بيده، وغرس جنة الفردوس
_________________
(١) ٢/٦٩١.
(٢) سورة الفتح آية: ١٠.
(٣) سورة ص آية: ٧٥.
(٤) سورة الملك آية: ١.
(٥) سورة يس آية: ٧١.
(٦) سورة الشورى آية: ٣٠.
(٧) سورة الحج آية: ١٠.
[ ١٦٣ ]
بيده، وكتب التوراة بيده"١ فلو كانت اليد هي القدرة لم يكن لها اختصاص بذلك ولا كانت لآدم فضيلة بذلك على كل شيء مما خلق بالقدرة" أ. هـ٢.
فابن القيم رحمه الله تعالى أراد بهذا البيان الرد على النفاة الذين يقولون: إذا قلنا: إن اليد في قوله تعالى ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ ٣ صفة نكون قد أثبتنا أيدي كثيرة، أو أننا نقول: بإشراك غير آدم مع آدم في الخاصية وهي أن الله خلقه بيديه كما قال تعالى ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٤ فيرد عليهم بأن بين الآيتين فرقًا من وجهين:
الوجه الأول: أنه أضاف الفعل إليه في قوله ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وبين أنه خلق آدم بيديه، وهناك أضاف الفعل إلى الأيدي.
الوجه الثاني: أن العرب يضعون اسم الجمع موضع التثنية إذا أمن اللبس كقوله تعالى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ٥ أي: يديهما، وقوله تعالى ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ ٦ أي قلباكما فكذلك قوله تعالى ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ ٧.
قال أبو الحسن الأشعري: "فإن قال قائل إذا ذكر الله الأيدي وأراد يدين فما أنكرتم أن يذكر الأيدي ويريد يدًا واحدة؟ قيل له ذكر الله ﷿ أيدي وأراد يدين لأنهم أجمعوا على بطلان قول من قال أيدي كثيرة، وقول من قال يدًا واحدة فقلنا: "يدان" لأن القرآن على ظاهره إلا أن تقوم حجة بأن يكون على خلاف الظاهر" أ. هـ ٨.
والذي يفهم من هذا أن الله تعالى يذكر نفسه تارة بصيغة المفرد مظهرًا أو مضمرًا وتارة أخرى يذكر نفسه بصيغة الجمع كقوله تعالى ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ ٩ وأمثال
_________________
(١) انظر جامع البيان للطبري ٢٣/١٨٥.
(٢) مختصر الصواعق المرسلة ١/٣٨.
(٣) سورة يس آية: ٧١.
(٤) سورة ص آية: ٧٥.
(٥) سورة المائدة آية: ٦٤.
(٦) سورة التحريم آية: ٤.
(٧) مجموع الفتاوى ٦/٣٧ والآية ٧١ من سورة يس.
(٨) الإبانة عن أصول الديانة ص٣٧.
(٩) سورة الفتح آية: ١.
[ ١٦٤ ]
ذلك ولا يذكر نفسه بصيغة التثنية قط لأنها تدل على العدد المحصور وهو - سبحانه - منزه عن ذلك١.
وبهذا تبطل شبهة المعطلين القائلين إن اليد قد أفردت في بعض الآيات وجاء بلفظ الجمع في بعضها، فلا دليل لهم في ذلك فإنما يصنع بالاثنين قد ينسب إلى المفرد تقول: رأيت بعيني، وسمعت بأذني والمقصود عيناي وأذناي وكذلك الجمع يأتي بمعنى المثنى كما قدمنا ذلك قريبًا.
فكتاب الله وسنة رسوله ﷺ قد دلا دلالة قاطعة على أن - للباري ﷾ يدين مختصتين به ذاتيتين له، كما يليق به، وأنه - تعالى - خلق آدم بيديه دون الملائكة وإبليس.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "احتج آدم وموسى ﵉ فقال موسى لآدم: يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة فقال له آدم أنت موسى أصطفاك الله بكلامه وخط لك في الألواح بيده أتلومني على أمر قضاه الله علي قبل أن يخلقني بأربعين عامًا" فقال رسول الله: "فحج آدم موسى"٢.
قال ابن خزيمة: فكليم الله موسى خاطب آدم ﵉ شفاهًا أن الله خلقه بيده ونفخ فيه من روحه على ما هو مخطوط بين الدفتين من إعلام الله - جل وعلا - عباده المؤمنين أنه خلق آدم ﵇ بيده٣.
وجاء في حديث الشفاعة الطويل الذي رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ: "يجمع المؤمنون يوم القيامة فيهتمون فيقولون: لو استشفعنا على ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا فيأتون آدم فيقولون: يا آدم أنت أبو الناس خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء اشفع لنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا " الحديث٤.
_________________
(١) رسالة التدمرية مع شرحها التحفة المهدية ١/١٢٩.
(٢) صحيح البخاري ٤/٣٠٠، صحيح مسلم ٤/٢٠٤٢.
(٣) كتاب التوحيد ص٥٥.
(٤) صحيح البخاري ٤/٢٧٩، صحيح مسلم ١/١٨٠.
[ ١٦٥ ]
فالحديث نص في إثبات اليدين حقيقة ولو كانتا بمعنى النعمة أو القدرة لقالوا: أنت أبو الناس الذي خلقك الله بقدرته، أو بنعمته.
قال ابن القيم: وهذا التخصيص إنما فهم من قوله ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ١ فلو كان مثل قوله ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ ٢ لكان هو والأنعام في ذلك سواء فلما فهم المسلمون أن قوله ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٣ يوجب له تخصيصًا وتفضيلًا بكون مخلوقًا باليدين على من أمر أن يسجد له وفهم ذلك أهل الموقف حين جعلوه من خصائصه كانت التسوية بينه وبين قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ ٤ خطأ محضًا اهـ٥.
ويجب على المسلم أن يسلك في صفات الله - تعالى - مسلك السلف الصالح ﵃ أجمعين وهو إثبات ما وصف الله به نفسه ووصفه به نبيه من غير اعتراض فيه ولا تكييف له، وأن الإيمان به واجب وترك التكييف له لازم٦
قال عبد الرحمن بن القاسم: "لا ينبغي لأحد أن يصف الله إلا بما وصف به نفسه في القرآن ولا يشبه يديه بشيء ولا وجهه بشيء، ولكن يقول: له يدان كما وصف نفسه يقف عندما وصف به نفسه في الكتاب فإنه ﵎ لا مثيل له ولا شبيه ولكن هو الله لا إله إلا هو"اهـ٧.
وقال الترمذي رحمه الله تعالى في باب فضل الصدقة "قد ثبتت هذه الروايات فنؤمن بها، ولا نتوهم ولا يقال كيف؟ كذا جاء عن مالك وابن عيينة وابن المبارك أنهم أمروها بلا كيف وهذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وأما الجهمية، فأنكروها
_________________
(١) سورة ص آية: ٧٥.
(٢) سورة يس آية: ٧١.
(٣) سورة ص آية: ٧٥.
(٤) سورة يس آية: ٧١.
(٥) مختصر الصواعق ١/٣٩، التفسير القيم ص٤٢٢.
(٦) رسالة أبي الحسن الأشعري إلى أهل الثغر "ق" ١/١.
(٧) رسالة الإعتقاد لمحمد بن عبد الله بن أبي زمنين "ق" ٢/٢.
[ ١٦٦ ]
وقالوا: هذا تشبيه، وقال إسحاق بن راهويه: إنما يكون التشبيه لو قيل يد كيد وسمع كسمع١.
وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: "فما ذكر الله تعالى في القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف، ولا يقال: إن يده قدرته ونعمته لأن فيه إبطال الصفة وهو قول أهل القدر والاعتزال ولكن يده صفته بلا كيف وغضبه ورضاءه صفتان من صفاته بلا كيف"٢.
وقال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي: "وله الأسماء الحسنى يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم يقبض، ويبسط ويتكلم ويرضى ويسخط ويغضب ويحب ويبغض ويكره ويضحك ويأمر وينهى ذو الوجه الكريم والسمع السميع، والبصر البصير، والكلام المبين، واليدين والقبضتين والقدرة والسلطان والعظمة والعلم الأزلي لم يزل كذلك ولا يزال استوى على عرشه فبان من خلقه لا تخفى عليه منهم خافية علمه بهم محيط، وبصره فيم ناقد ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٣.
وعقد البيهقي بابًا في كتابه "الاعتقاد" ذكر فيه آيات وأحاديث وردت في إثبات صفة الوجه واليدين والعين ثم قال: "وهذه صفات طريق إثباتها السمع فنثبتها لورود خبر الصادق بها ولا نكيفها"٤.
وقال الشهرستاني: "واعلم أن جماعة كثيرة من السلف كانوا يثبتون لله - تعالى - صفات أزلية من العلم والقدرة والحياة ولا يفرقون بين صفات الذات وصفات الفعل بل يسوقون الكلام سوقًا واحدًا، وكذلك يثبتون صفات خبرية مثل اليدين والوجه ولا يؤولون ذلك إلا أنهم يقولون: هذه الصفات قد وردت في الشرع فنسميها صفات خبرية" أ. هـ٥.
_________________
(١) عارضة الأحوذي شرح الترمذي لابن عربي ٣/١٦٥.
(٢) شرح الفقه الأكبر ص٥٦ - ٥٨.
(٣) الرد على الجهمية ص٤.
(٤) ص٢٩.
(٥) الملل والنحل ١/٩٢.
[ ١٦٧ ]
وذكر أن من هؤلاء الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى وسفيان الثوري وداود بن علي الأصفهاني١.
"وعلى هذا درج السلف وأئمة الخلف ﵃ كلهم متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله من غير تعرض لتأويله وقد أمرنا باقتفاء آثارهم والإهتداء بمنارهم، وحذرنا المحدثات وأخبرنا أنها من الضلالات"٢.
ومن خلال هذه الأقوال المتقدمة نعرف أن مذهب السلف إثبات يدين حقيقيتين من غير تكييف ولا تحريف، ولا تأويل ولا تعطيل، ولا يزيلون ألفاظ الشارع عما تعرفه العرب وتضعه عليه بالتأويل الباطل بل يجرون اللفظ على ظاهره، ويكلون كيفيته وكنهه إلى الله - تعالى - ويقولون: ذلك في جميع الصفات التي جاء بها القرآن ووردت بها الآثار الصحيحة.
قال أبو عمر بن عبد البر: "أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز إلا أنهم لا يكيفون شيئًا، ولا يحدون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع الجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة ويزعمون أن من أقرّ بها مشبه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله وهم أئمة الجماعة والحمد لله"٣.
وهذا الإجماع الذي نقله ابن عبد البر عن السلف فيه رد على من يقول: أن مذهب السلف هو التفويض في صفات الله - تعالى - وأن من نسب إليهم ذلك فهو جاهل تمامًا لمذهب السلف في هذا الباب والصحيح أن مذهب السلف هو حمل صفات الله الواردة في القرآن والسنة على الحقيقة ولا يفوضون إلا في الكيفية فقط لأنه لا يعلم كنه ذلك إلا - هو سبحانه - ولأن ذلك مما استأثر الله بعلمه فعبارة السلف "أمروها كما جاءت"٤ لا تدل على
_________________
(١) المصدر السابق ١/٩٣.
(٢) لمعة الاعتقاد: ص١٢.
(٣) التمهيد ٧/١٤٥، الفتوى الحموية الكبرى ص٥١.
(٤) الفتوى الحموية الكبرى ص٥١.
[ ١٦٨ ]
أن مذهبهم التفويض في المعنى، وإنما معنى هذه العبارة هو ما قررنا هنا، والعلم لله - تعالى ـ.
ثم إن صفة اليدين ضلت فيها طوائف مختلفة كالمشبهة والمعتزلة والأشعرية.
أولًا: المشبهة:
أما المشبهة: أتباع محمد بن كرام السجستاني فقد زعموا: أن يدي الله - تعالى - جارحتان وعضوان فيهما كفان وأصابع ككفي الإنسان وأصابعه١.
وهذا الزعم باطل شرعًا وعقلًا.
أما شرعًا فقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُْ﴾ ٢. ومعنى الآية: أن الله - تعالى - لا يشبه شيئًا من خلقه، ولا يشبهه شيء من خلقه فصفات الباري - سبحانه - كلها خلاف صفات المخلوقين فهو - سبحانه - مباين لخلقه له يدان لا كأيدي المخلوقين، وله قدرة لا كقدرة المخلوقين، وله بصر لا كبصر المخلوقين وقال تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لله الأَمْثَالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ٣. قال ابن كثير: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لله الأَمْثَالَ﴾ أي: لا تجعلوا له أندادًا وأشباهًا وأمثالًا٤ فالمشبهة عندما يزعمون أن يدي الله كأيديهم وسمعه كسمعهم وغير ذلك فقد جعلوا لله أمثالًا وأشباهًا - تعالى الله - عما يقولون علوًا كبيرًا.
وقال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ ٥ يعني هل تعلم - للرب - مثلًا أو شبيهًا وقال تعالى: ﴿وَلله الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ ٦ وهذه الآية أثبتت الكمال المطلق لله - تعالى - من جميع الوجوه والمشبهة ساووه بالناقصات - تعالى - وتقدس عن قولهم علوًا كبيرًا.
_________________
(١) الفرق بين الفرق ص٢١٥ وما بعدها، الملل والنحل ١/١٠٥، ١٠٨ وما بعدها وأصول الدين للبغدادي ص١١٠ لوامع الأنوار البهية ١/٩١.
(٢) سورة الشورى آية: ١١.
(٣) سورة النحل آية: ٧٤.
(٤) تفسير القرآن العظيم: ٢/٢١٢.
(٥) سورة مريم آية: ٦٥.
(٦) سورة النحل آية: ٦٠.
[ ١٦٩ ]
قال نعيم بن حماد: "من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه"١.
وقال إسحاق بن راهوية: "من وصف الله بصفات أحد من خلقه فهو كافر بالله العظيم وقال: علامة جهم وأصحابه دعواهم على أهل السنة والجماعة ما أولعوا به من الكذب أنهم مشبهة بل هم المعطلة، وبهذا القول قال كثير من أئمة السلف"٢ حتى قيل إن المشبه عابد صنم والمعطل عابد عدم٣.
وأما بطلان مذهبهم عقلًا:
"فإن المثلين يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر، ويجب له ما يجب له، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، فلو كان المخلوق مماثلًا للخالق للزم اشتراكهما فيما يجب، وما يجوز وما يمتنع.
والخالق يجب وجوده وقدمه، والمخلوق يستحيل وجوب وجوده وقدمه، بل يجب حدوثه، وإمكانه، فلو كانا متماثلين للزم اشتراكهما في ذلك، يجب وجوده وقدمه ويمتنع وجوب قدمه، ويجب حدوثه وإمكانه، فيكون كلًا منهما واجب القدم واجب الحدوث واجب الوجود، وما ليس بواجب الوجود يمتنع قدمه، لا يمتنع قدمه، وهذا جمع بين النقيضين"٤.
فالمشبهة وقعوا في محظور لم يسبقوا إلى مثله حيث شبهوا الخالق بالمخلوق، ومن العجيب أنه لو طلب من المشبه أن يصف روحه التي بين جنبيه كيف هي؟ لقال: إنه عاجز عن ذلك فإذا كان يعجز عن وصف مخلوق ويتجرأ على تشبيه الخالق، فإن ذلك من المحادة لله ورسوله.
ولو قيل له أيضًا: "إن الله أخبر عما في الجنة من المطاعم والملابس والمناكح فهل هي كالموجودات في الدنيا؟ لسارع إلى الإجابة بأنها لا تتفق معها إلا في الاسم فقط، ولقال: وبينهما من المباينة ما لا يعلمه إلا الله".
_________________
(١) شرح الفقه الأكبر ص٢٤ - ٢٥، شرح الطحاوية ص١٢٠.
(٢) شرح الفقه الأكبر ص٢٤ - ٢٥، شرح الطحاوية ص١٢٠ - ١٢١.
(٣) انظر مقدمة قصيدة ابن القيم المسماة: "الكافية الشافية في الإنتصار للفرقة الناجية ص١٠".
(٤) شرح العقيدة الأصفهانية ص٩ - ١٠.
[ ١٧٠ ]
ومن هنا يعرف المؤمن بعظمة الله وجلاله أن المشبهة عمومًا عقولهم في غطاء عن صفات الله التي تليق به - سبحانه ـ، ومذهبهم فاسد خارج عن نطاق الشرع والعقل مع اعترافهم وإقرارهم بذلك إذ أنهم يثبتون المباينة والفروق بين المخلوقات ولا يدركون المباينة العظمى بين الخالق والمخلوق - تعالى الله - عن ذلك علوًا كبيرًا١.
ثانيًا: مذهب المعتزلة والأشعرية:
زعمت المعتزلة أن صفة اليدين مجاز في النعمة، والقوة وقال أفراخهم الأشعرية: إن صفة اليدين المراد بها القدرة قال عبد الجبار بن أحمد٢ عند قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ ٣.
والمراد بذلك أن نعمتيه مبسوطتان على العباد وأراد به نعمة الدين والدنيا والنعمة الظاهرة والباطنة وقد يعبر باليد عن النعمة فيقال: "لفلان عندي يد" اهـ٤.
وقال أيضًا عند قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٥ قالوا: فأثبت لنفسه اليدين، وهذا يدل على كونه جسمًا، والجواب عنه أن اليدين هاهنا بمعنى القوة وذلك ظاهر في اللغة يقال ما لي على هذا الأمر يد أي: "قوة"٦.
فعبد الجبار هذا يعد من أكابر علماء المعتزلة، وهذه التأويلات التي ذكرها لصفة اليدين من التأويلات الباطلة، وهي عين التحريف الذي ذم الله عليه أهل الكتاب الذين يحرفون الكلم عن مواضعه.
وأما الأشعرية فقد أفصح عن مذهبهم "عبد القاهر بن طاهر البغدادي" حيث قال: في صفة اليدين "وتأولهما بعض أصحابنا على معنى القدرة وذلك صحيح على
_________________
(١) انظر الرسالة التدمرية مع شرحها التحفة المهدية ١/٧٥.
(٢) هو: عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمذاني الأسد أبادي، أبو الحسين قاضي أصولي شيخ الإعتزال في زمنه لقبه المعتزلة بقاضي القضاة، ولا يطلقون هذا اللقب على غيره له تصانيف كثيرة توفي سنة خمس عشرة وأربعمائة هجرية. ميزان الإعتدال ٢/٥٢٣.
(٣) سورة المائدة آية: ٦٤.
(٤) متشابه القرآن ١/٢٣٠، وانظر المقالات للأشعري ١/٢٧١.
(٥) سورة ص آية: ٧٥.
(٦) شرح الأصول الخمسة ص٢٢٨.
[ ١٧١ ]
المذهب إذ أثبتنا لله القدرة، وبها خلق كل شيء ولذلك قال في آدم ﵇ ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ووجه تخصيصه آدم بذلك أن خلقه بقدرته لا على مثال سبق، ولا من نطفة، ولا نقل من الأصلاب إلى الأرحام كما نقل ذريته من الأصلاب إلى الأرحام" اهـ١.
وقال البيجوري: فالسلف يقولون لله وجه ويد وأصابع لا نعلمها، والخلف يقولون: المراد من الوجه الذات، وباليد القدرة والمراد من قوله بين أصبعين من أصابع الرحمن "بين صفتين من صفاته وهاتان الصفتان القدرة والإرادة"٢.
وهذه التأويلات المتقدمة للمعتزلة والأشعرية لصفة اليدين بالنعمة والقدرة والقوة تأويلات باطلة بعيدة عن الصواب بمسافات بعيدة ويرد على الفريقين من وجوه:
الوجه الأول: إن الأصل في الكلام الحقيقة، فدعوى المجاز مخالف للأصل.
الوجه الثاني: أن ذلك خلاف الظاهر فقد اتفق الأصل والظاهر على بطلان هذه الدعوى.
الوجه الثالث: إن اطراد لفظها في موارد الاستعمال وتنوع ذلك وتصريف استعماله يمنع المجاز. ألا ترى إلى قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٣ وقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ٤ وقوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾، فلو كان مجازًا في القدرة أو النعمة لم يستعمل منه لفظ يمين وقوله في الحديث: "المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين" ٥.
فلا يقال: هذه يد النعمة، أو القدرة، وقوله "يقبض الله سماواته بيده، والأرض بيده الأخرى، ثم يهزهن ثم يقول: أنا الملك"٦ فههنا هز وقبض، وذكر يدين، ولما أخبر ﷺ جعل يقبض يديه ويبسطهما تحقيقًا للصفة لا تشبيهًا لها.
الوجه الرابع: أن مثل هذا المجاز لا يستعمل بلفظ التثنية، ولا يستعمل إلا مفردًا،
_________________
(١) أصول الدين ص١١١.
(٢) تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد ص٩٣.
(٣) جزء من الآية رقم ٧٥ من سورة ص.
(٤) سورة المائدة آية: ٦٤.
(٥) رواه البخاري في صحيحه ٤/٢٨٠ من حديث ابن عمر ﵄..
(٦) متفق عليه: صحيح البخاري ٤/٣٠٠، صحيح مسلم ٤/٢١٤٧ كلاهما من حديث ابن مسعود.
[ ١٧٢ ]
أو مجموعًا، كقولك: له عندي يد يجزيه الله بها وله عندي أيادي، وأما إذا جاء بلفظ التثنية لم يعرف استعماله قط إلا في اليد الحقيقة.
الوجه الخامس: أن ليس في المعهود أن يطلق الله على نفسه معنى القدرة والنعمة بلفظ التثنية، بل بلفظ الإفراد الشامل لجميع الحقيقة كقوله تعالى: ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لله جَمِيعًا﴾ ١ وكقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوهَا﴾ ٢ وقد يجمع الله النعم كقوله ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ ٣ وأما أن يقول: خلقتك بقدرتين وبنعمتين فهذا لم يقع في كلامه ولا كلام رسوله ﷺ.
الوجه السادس: أنه لو ثبت استعمال ذلك بلفظ التثنية لم يجز أن يكون المراد هنا القدرة فإنه يبطل تخصيص آدم فإنه وجميع المخلوقات حتى - إبليس - مخلوق بقدرة الله.
الوجه السابع: أن هذا التركيب المذكور في قوله ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ يأبى حمل الكلام على القدرة لأنه نسب الخلق إلى نفسه - سبحانه - ثم عدى الفعل إلى اليد ثم ثناها، ثم أدخل عليها الباء التي تدخل على قولك كتبت بالقلم ومثل هذا نص صريح لا يحتمل المجاز بوجه٤.
قال ابن خزيمة في صدد رده على الجهمية المؤولين لليد بالنعمة "وزعمت الجهمية والمعطلة أن معنى قوله ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ أي: نعمتاه، وهذا تبديل لا تأويل والدليل على نقض دعواهم هذه أن نعم الله كثيرة لا يحصيها إلا الخالق البارئ ولله يدان لا أكثر منها كما قال لإبليس لعنه الله ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٥ فأعلمنا الله - جل وعلا - أنه خلق آدم بيديه فمن زعم أنه خلق آدم بنعمته كان مبدلًا لكلام الله" اهـ٦.
وقال العلامة أبو الحسن الأشعري: "وقد اعتل معتل بقول الله ﷿
_________________
(١) سورة البقرة آية: ١٦٥.
(٢) سورة النحل آية: ١٨.
(٣) سورة لقمان آية: ٢٠.
(٤) هذه سبعة وجوه من عشرين وجهًا ذكرها العلامة ابن القيم في مختصر الصواعق ٢/١٥٣ وما بعدها.
(٥) سورة ص آية: ٧٥.
(٦) كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب ص٨٥ - ٨٦.
[ ١٧٣ ]
﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ ١ الأيدي القوة أن يكون معنى قوله "بيدي" بقدرتي وقيل لهم: هذا التأويل فاسد من وجوه آخرها أن "الأيد" ليس بجمع لليد لأن جمع يد التي هي النعمة "أيادي" وإنما قال ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فبطل بذلك أن يكون معنى قوله "بيديَّ" معنى قوله ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ وأيضًا فلو كان أراد القوة لكان معنى ذلك بقدرتي وهذا ناقض لقول مخالفنا وكاسر لمذاهبهم لأنهم لا يثبتون قدرة واحدة فيكيف يثبتون قدرتين" اهـ ٢.
وخلاصة القول مما تقدم في هذا المبحث أن لله - تعالى - يدين حقيقيتين تليقان بجلاله، وأن ما ورد في شأن اليد من الإمساك والطي والقبض والبسط والحثيات والخلق باليدين وكتب التوراة بيده وغرس جنة عدن بيده، وكون المقسطين عن يمينه، وتخيير آدم بين ما في يديه وأخذ الصدقة بيمينه يربيها لصاحبها وأنه مسح ظهر آدم بيده إلى غير ذلك مما ورد في شأنها يدل دلالة واضحة على أنها يد حقيقة، كما أخبر بذلك - جل وعلا - وأن تأويلها بالقدرة، أو النعمة تأويل ظاهر البطلان ٣.
_________________
(١) سورة الذاريات آية: ٤٧.
(٢) الإبانة ص٣٥.
(٣) انظر مختصر الصواعق المرسلة ٢/١٧١.
[ ١٧٤ ]