قال شارح الطحاوية رحمه الله تعالى: "وأما الإيمان بمحمد ﷺ فتصديقه واتباع ما جاء به من الشرائع إجمالًا وتفصيلًا" أ. هـ١.
فيجب علينا أن نؤمن بأن محمد بن عبد الله ﷺ نبي الله ورسوله وعبده وصفيه فلم يعبد صنمًا ولم يشرك بالله طرفة عين٢.
وقال ابن قدامة رحمه الله تعالى: "ومحمد رسول الله ﷺ خاتم النبيين وسيد المرسلين لا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته ويشهد بنبوته ولا يقضي بين الناس في يوم القيامة إلا بشفاعته، ولا تدخل الجنة أمة إلا بعد دخول أمته، صاحب لواء الحمد والمقام المحمود والحوض المورود وهو إمام النبيين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم، أمته خير الأمم"٣.
فيجب على الإنسان أن يؤمن بأنه خاتم الأنبياء لقوله - تعالى - ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ الله وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ٤ فالآية نصت على أنه لا نبوة بعده ﷺ وكل من ادعاها بعده فهو كذاب لقوله ﷺ: "وأنه سيكون في أمتي ثلاثون كذابون كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي" ٥.
_________________
(١) ص٣٤٩.
(٢) الفقه الأكبر مع شرحه لملا على القاري ص٩٦.
(٣) لمعة الاعتقاد ص٢٥.
(٤) سورة الأحزاب آية: ٤٠.
(٥) صحيح مسلم ٤/٢٢٤٠، سنن أبي داود ٢/٤١٤، سنن الترمذي ٣/٣٣٨، المسند ٥/٤١.
[ ٤٧٣ ]
كذلك يجب الإعتقاد الجازم بأنه ﵊ إمام المتقين الذي يقتدى به في الخير كله وأنه وحده الجدير بأن يقتدى ويتأسى به دون سواه.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ ١.
ويجب الإيمان بأنه خليل الرحمن، وأن له أعلى مراتب محبة الله ﷿ فقد قال ﵊ "لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا ولكنه أخي وصاحبي وقد اتخذ الله ﷿ صاحبكم خليلًا"٢. ويجب الاعتقاد الجازم بأنه عليه الصلاة السلام مبعوث إلى عامة الورى بالحق والهدى قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ ٣ وقد حكى الله عن الجن أنهم قالوا: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ٤ قال شارح الطحاوية: "وكونه ﷺ مبعوثًا إلى الناس كافة معلوم من دين الإسلام بالضرورة"أ. هـ٥.
ويجب على كل مسلم أن يقدم محبته ﵊ على الوالد والولد والنفس لقوله ﷺ "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين" ٦.
ويجب الإيمان بأن الله - تعالى - أجرى على يديه ﷺ معجزات باهرات، وآيات بينات إذا تأملها من يريد الحق دلته على أنها شهادة صادقة من قبل الله ﷿ لرسوله ﷺ بأنه رسول الله حقًا. ومعجزاته ﷺ كثيرة جدًا ألفت فيها مؤلفات مستقلة، وتناولها علماء التوحيد والتفسير، والحديث والتاريخ، بالشرح والبيان، ومن تلك المعجزات التي دلت على صدقه ﷺ ما يأتي:
١ـ المعجزة العظمى:
من أعظم المعجزات التي أعطيها رسولنا ﷺ القرآن الكريم - الذي يخاطب النفوس والعقول، وهو الآية الباقية الدائمة إلى يوم الدين لا يعتريه التغيير والتبديل ﴿وَإِنَّهُ
_________________
(١) سورة آل عمران آية:٣١.
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي ١٥/١٥٢ من حديث ابن مسعود ﵁.
(٣) سورة سبأ آية:٢٨.
(٤) سورة الأحقاف آية:٣١.
(٥) شرح الطحاوية ص١٧٨.
(٦) صحيح البخاري ١/١٢، صحيح مسلم ١/٦٧ من حديث أنس ﵁.
[ ٤٧٤ ]
لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ١. وقد تحدى الله بهذا الكتاب أرباب الفصاحة، وقادة البلاغة من العرب، فقد كانت البلاغة والفصاحة وجودة القول هي بضاعتهم وقد تصدوا لمعاداة دعوة الإسلام ورسول الإسلام ﷺ ولكن رغم فصاحتهم وبلاغتهم تحداهم الله عن أن يأتوا بشيء من مثله، ولكنهم عجزوا عن ذلك قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ٢.
٢ـ انشقاق القمر:
ومن المعجزات التي أيد الله بها نبيه ﷺ انشقاق القمر فقد سأل أهل مكة الرسول ﵊ آية فانشق القمر شقين حتى رأوا حراء بينهما، وقد كان القمر حين انشقاقه بدرًا، وقد ذكر الله هذه الآية العظيمة في كتابه فقال ﷿: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ ٣.
وقد نقل العلامة ابن كثير: "إجماع المسلمين على وقوع هذه الآية، كما ذكر أنه قد وردت أحاديث متواترة من طرق متعددة في انشقاق القمر"٤.
وقد شاهد هذه المعجزة الناس في أرجاء الجزيرة العربية، فإن أهل مكة لم يصدقوا وقالوا: سحرنا محمد، ولكنهم استدركوا قائلين: انظروا ما يأتيكم به المسافرون فإن محمدًا لا يستطيع أن يسحر الناس جميعهم وفي اليوم الثاني سألوا من وفد إليهم، من خارج مكة، فأخبروهم أنهم قد رأوه.
وقد شاهد الناس انشقاق القمر في خارج جزيرة العرب. قال ابن كثير: "وشوهد انشقاقه في كثير من بقاع الأرض، ويقال إنه أرخ ذلك في بعض بلاد الهند، وبني بناء في تلك الليلة وأرخ بليلة انشقاق القمر"٥.
_________________
(١) سورة فصلت آية:٤١ - ٤٢.
(٢) سورة البقرة آية:٢٣ - ٢٤.
(٣) سورة القمر آية:١ - ٢.
(٤) البداية والنهاية /١٣٠.
(٥) البداية والنهاية ٣/١٣٢.
[ ٤٧٥ ]
٣ـ تسليم الحجر:
ومن المعجزات التي أيد الله بها نبيه ﷺ أنه كان حجر بمكة يسلم على النبي ﷺ قبل بعثته.
فقد روى مسلم بإسناده إلى جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن" ١.
٤ـ حنين الجذع:
جاء في صحيح البخاري من حديث ابن عمر ﵄: كان النبي ﷺ يخطب إلى جذع فلما اتخذ المنبر تحول إليه فحن الجذع فأتاه فمسح يده عليه. وفي رواية أخرى عنه: فلما صنع له المنبر فكان عليه فسمعنا لذلك الجذع صوتًا كصوت العشار٢.
٥ـ نبع الماء من بين أصابعه:
وفي صحيح البخاري من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: عطش الناس يوم الحديبية والنبي ﷺ بين يديه ركوة - ظرف للماء - فتوضأ فجهش الناس٣ نحوه فقال: "مالكم؟ " قالوا: ليس عندنا ما نتوضأ ولا نشرب إلا ما بين يديك فوضع يده في الركوة فجعل الماء يثور بين أصابعه كأمثال العيون وتوضأنا قلت: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا كنا خمس عشرة مائة" ٤.
٦ـ تكثير القليل من الطعام:
من ذلك ما رواه أنس بن مال قال: قال أبو طلحة لأم سليم: لقد سمعت صوت رسول الله ﷺ ضعيفًا أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ قالت: نعم فأخرجت أقراصًا من شعير، ثم أخرجت خمارًا لها فلفت الخبز ببعضه ثم دسته تحت يدي ولاثتني٥
_________________
(١) صحيح مسلم ٤/١٧٨٢.
(٢) صحيح البخاري مع "الفتح" ٦/٦٠١ - ٦٠٢.
(٣) فجهش الناس: أي: أسرعوا لأخذ الماء.
(٤) صحيح البخاري مع الفتح ٦/٥٨١.
(٥) المراد أنها لفت بعضه على رأسه، وبعضه على إبطه "الفتح" ٦/٥٨٩.
[ ٤٧٦ ]
ببعضه، ثم أرسلتني إلى رسول الله ﷺ قال فذهبت به فوجدت رسول الله ﷺ في المسجد ومعه الناس فقمت عليهم فقال لي رسول الله ﷺ: "آرسلك أبو طلحة؟ " فقلت: نعم. قال: "بطعام؟ " قلت: نعم. فقال رسول الله ﷺ لمن معه: "قوموا" فانطلق وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته فقال أبو طلحة: يا أم سليم قد جاء رسول الله ﷺ بالناس وليس عندنا ما نطعمهم فقالت: الله ورسوله أعلم، فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله ﷺ فأقبل رسول الله ﷺ وأبو طلحة معه فقال رسول الله ﷺ: "هلمي يا أم سليم ما عندك؟ فأتت بذلك الخبز فأمر به رسول الله ﷺ ففت وعصرت أم سليم عكة١ فأدمته ثم قال رسول الله ﷺ فيه ما شاء أن يقول: ثم قال: "إئذن لعشرة" فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: "إئذن لعشرة" فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: "إئذن لعشرة" فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: "إئذن لعشرة" فأكل القوم كلهم حتى شبعوا والقوم سبعون رجلًا، أو ثمانون رجلًا٢.
٧ـ نطق ذراع الشاة الذي قدم له ليأكله بأنه مسموم:
روى أبو داود بإسناده إلى جابر بن عبد الله ﵄ أنه كان يحدث أن يهودية من أهل خيبر سمت شاة مصلية٣ ثم أهدتها لرسول الله ﷺ فأخذ رسول الله ﷺ الذراع فأكل منها، وأكل رهط من أصحابه معه، ثم قال لهم رسول الله ﷺ: "ارفعوا أيديكم" وأرسل رسول الله ﷺ إلى المرأة فدعاها فقال لها: "أسممت هذه الشاة؟ " قالت اليهودية: من أخبرك؟ قال: "أخبرتني هذه التي في يدي" وهي الذراع قالت نعم قال: "فما أردت بذلك؟ " قالت: إن كنت نبيًا فلن تضرك، وإن لم تكن نبيًا استرحنا منك فعفا عنها رسول الله ﷺ ولم يعاقبها الحديث. وفي رواية أخرى: عن أبي سلمة: "فأمر بها رسول الله ﷺ فقتلت" ٤.
٨ـ كف الأعداء عنه:
من ذلك أن أبا جهل حلف باللات والعزى أنه لو رأى الرسول ﷺ يصلي في
_________________
(١) العكة: إناء من جلد مستدير يجعل فيه السمن غالبًا والعسل. انظر الفتح ٦/٥٩٠.
(٢) صحيح البخاري مع الفتح ٦/٥٨٦ - ٥٨٧.
(٣) أي: مشوية.
(٤) سنن أبي داود ٢/ ٤٨٢، وانظر صحيح البخاري مع الفتح ٥/٢٣٠.
[ ٤٧٧ ]
المسجد حيث مجامع قريش أن يطأ على رقبته، أو ليعفرن وجهه في التراب فلما رأى الرسول ﷺ ساجدًا أراد أن يفعل ما أقسم عليه، فلما اقترب منه ما فاجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقي بيديه، فقيل له: ما لك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار وهولًا وأجنحة فقال رسول الله ﷺ: "لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا" ١.
وفي معركة حنين انهزم المسلمون وثبت الرسول ﷺ في هذه الغزوة وأحاط الأعداء وأتوه من كل جانب فلما رأى ذلك ﵊ نزل عن بغلته، ثم قبض قبضة من تراب من الأرض، ثم استقبل به وجوههم فقال "شاهت الوجوه" قال سلمة بن الأكوع: فما خلق الله منهم إنسانًا إلا ملأ الله عينيه ترابًا بتلك القبضة فولوا مدبرين،. فهزمهم الله ﷿ وقسم رسول الله ﷺ غنائمهم بين المسلمين٢.
٩ـ ما كان من شأن شاة أم معبد حين مسح بيده المباركة على ضرعها:
ومضمون هذه القصة أنه ﵊ عندما خرج مهاجرًا إلى المدينة هو وأبو بكر وعامر بن فهيرة ودليلهم عبد الله بن أريقط الليثي فمروا بخيمتي أم معبد٣ الخزاعية، وكانت أم معبد امرأة برزة جلدة تحتبي وتجلس بفناء الخيمة فتطعم وتسقي فسألوها هل عندها لحم، أو لبن يشترونه منها؟ فلم يجدوا عندها شيئًا من ذلك، وقالت: لو كان عندي شيء ما أعوزكم القرى، وإذا القوم مرملون مسنتون، فنظر رسول الله ﷺ فإذا شاة في كسر خيمتها فقال: "ما هذه الشاة يا أم معبد؟ " فقالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم قال: "فهل بها من لبن؟ " قالت: هي أجهد من ذلك، قال: "تأذنين لي أن أحلبها؟ " قالت: إن كان بها حلب فاحلبها، فدعا رسول الله ﷺ بالشاة فمسحها وذكر اسم الله ومسح ضرعها، وذكر اسم الله، ودعا بإناء لها يربض الرهط٤ فتفاجت٥ واجترت، فحلب فيه ثجًا حتى ملأه وأرسله إليها فسقاها وسقى أصحابه فشربوا عللًا بعد نهل حتى إذا رووا شرب
_________________
(١) صحيح مسلم ٤/٢١٥٤ من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) صحيح مسلم ٣/١٤٠٢ من حديث إياس بن سلمة عن أبيه.
(٣) اسمها: عاتكة بنت خلف بن معبد بن ربيعة بن أصرم "البداية والنهاية ٣/٢٠٩".
(٤) أي: يشبع الجماعة حتى يربضوا.
(٥) أي: فرجت بين رجليها.
[ ٤٧٨ ]
آخرهم وقال: "ساقي القوم آخرهم" ثم حلب فيه ثانيًا عودًا على بدء فغادره عندهم ثم ارتحلوا١.
١٠ـ استجابة الله - سبحانه - لدعائه ﵊:
من ذلك ما جاء عن أبي هريرة ﵁ قال: كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة فدعوتها يومًا فأسمعتني في رسول الله ﷺ ما أكره، فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكي قلت: يا رسول الله إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى علي فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة فقال رسول الله ﷺ "اللهم أهد أم أبي هريرة" فخرجت مستبشرًا بدعوة نبي الله ﷺ، فلما جئت فصرت إلى الباب فإذا هو مجاف٢ فسمعت أمي خشف٣ قدمي فقالت: مكانك يا أبا هريرة، وسمعت خضخضة٤ الماء قال فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها ففتحت الباب، ثم قالت: يا أبا هريرة أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله قال فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأتيته وأنا أبكي من الفرح قال قلت: يا رسول الله أبشر قد استجاب الله دعوتك وهدى أم أبي هريرة فحمد الله وأثنى عليه وقال خيرًا الحديث٥.
ومن معجزاته ﵊ إخباره بالمغيبات التي وقعت كما أخبر بها ﷺ، وكذلك عصمته من القتل فقد عصمه الله من أعدائه وهم الجمع الغفير، والعدد الكثير وهم على أتم حنق عليه، وأشد طلب لنفسه، وهو بينهم مسترسل ولهم مخالط ومكاثر، ترمقه أبصارهم شذرًا وترتعد عنه أيديهم ذعرًا، وقد هاجر عنه أصحابه حذرًا حتى استكمل مدته فيهم ثلاث عشرة سنة، ثم خرج عنهم سليمًا لم يكلم في نفس ولا جسد، وما كان ذاك بعصمة إلهية وعده الله تعالى بها فحققها حيث يقول: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ ٦ فعصمه منهم٧ "ومعجزاته ﵊ كثيرة
_________________
(١) انظر دلائل النبوة للبيهقي ١/٢٧٨، والوفاء بأحوال المصطفى ١/٢٤٢، البداية والنهاية ٣/٢١١.
(٢) أي: مغلق.
(٣) أي: صوتهما في الأرض.
(٤) خضخضة الماء صوت تحريكه.
(٥) رواه مسلم في صحيحه ٤/١٩٣٨.
(٦) سورة المائدة آية:٦٧.
(٧) أعلام النبوة للماوردي ص٧٦.
[ ٤٧٩ ]
جدًا لا نستطيع إحصاءها هاهنا وإنما ذكرنا ما تقدم منها كنماذج فقط، وإلا فمعجزاته ﷺ الحسية جاءت بها أخبار كثيرة بعضها متواتر، وكثير منها مشهور وهي في جملتها تفيد العلم اليقيني بوقوع تلك المعجزات أولًا: وبصدقه ﷺ ثانيًا"١.
وللعلماء في معجزاته ﷺ تصانيف مستقلات٢.
_________________
(١) انظر الوفاء بأحوال المصطفى ١/٣٣٩.
(٢) مثل "دلائل النبوة للبيهقي"، "دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني"، "أعلام النبوة للماوردي"، "شمائل الرسول" لابن كثير.
[ ٤٨٠ ]