لقد جاء في السورة ذكر أبواب جهنم مجملة، دون تحديد لعددها كما دلت على أن أبوابها تكون مغلقة، وأنها لا تفتح إلا عند مجيء أهلها إليها يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ .
فالمراد بالأبواب المذكورة في هذه الآية هي أبواب جهنم السبعة.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ ١.
قال ابن جرير: "يقول تعالى ذكره لإبليس: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ﴾ لموعد من تبعك أجمعين ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ يقول: لجهنم سبعة أطباق، لكل طبق منهم يعني من أتباع إبليس جزء، يعني قسمًا ونصيبًا مقسومًا" اهـ٢.
وقال ابن كثير: "وقوله ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي: جهنم موعد جميع من اتبع إبليس، كما قال عن القرآن ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ ٣ ثم أخبر أن لجهنم سبعة أبواب ﴿لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ أي: قد كتب لكل باب منها جزء من أتباع إبليس يدخلونه لا محيد لهم عنه، أجارنا الله منها، وكل يدخل من باب بحسب عمله، ويستقر في درك بقدر عمله" اهـ٤.
وقال أبو عبد الله القرطبي: "قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يعني
_________________
(١) سورة الحجر آية: ٤٣ - ٤٤.
(٢) جامع البيان ١٤/٣٥.
(٣) سورة هود آية: ١٧.
(٤) تفسير القرآن العظيم ٤/١٦٢ - ١٦٣.
[ ٦٢٠ ]
إبليس ومن اتبعه ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ أي: أطباق، طبق فوق طبق ﴿لِكُلِّ بَابٍ﴾ أي: لكل طبقة ﴿مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ أي: حظ معلوم"اهـ١.
وكما جاء في الكتاب العزيز أن لجهنم سبعة أبواب، كذلك ورد في السنة المطهرة أن أبوابها سبعة كذلك روى الترمذي بإسناده إلى ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "لجهنم سبعة أبواب، باب منها لمن سل السيف على أمتي - أو قال على أمة محمد ـ" ثم قال الترمذي رحمه الله تعالى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث مالك بن مغول٢.
وقد فسر السلف الصالح قوله تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ ٣ بأن أبواب جهنم طبقات بعضها فوق بعض.
فقد أخرج ابن جرير بإسناده إلى علي ﵁ أنه قال: هل تدرون كيف أبواب النار؟ قالوا: كنحو هذه الأبواب قال: لا ولكن هكذا ووصف بعضها فوق بعض.
وقال أيضًا ﵁: "أبواب جهنم سبعة بعضها فوق بعض فيمتلئ الأول، ثم الثاني، ثم الثالث، ثم تمتلئ كلها".
وقال عكرمة: في قوله: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ قال: لها سبعة أطباق. وقال ابن جريج: في قوله ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ قال: أولها جهنم، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية، والجحيم فيها أبو جهل.
وقال قتادة: في قوله ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ هي: والله منازل بأعمالهم٤.
وقد جاء في بعض الآيات القرآنية أن أبواب جهنم تكون مغلقة على أهل النار.
قال تعالى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ ٥ أي: مطبقة مغلقة.
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن ١٠/٣٠.
(٢) سنن الترمذي ٤/٣٥٩ - ٣٦٠.
(٣) سورة الحجر آية: ٤٤.
(٤) جامع البيان ١٤/٣٥ - ٣٦، وانظر تفسير ابن كثير ٤٣/١٦٣.
(٥) سورة الهمزة آية: ٨.
[ ٦٢١ ]
وقال تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ ١.
قال عبد الله بن عباس ﵄: مغلقة الأبواب.
وقال مجاهد: أصد الباب بلغة قريش أي: أغلقه٢.
وقال قتادة: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ أي: مطبقة، أطبقها الله عليهم فلا ضوء فيها ولا فرج، ولا خروج منها آخر الأبد.
وقال الضحاك: ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ مغلقة عليهم٣.
وقال مقاتل: في قوله تعالى ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ يعني: أبوابها مطبقة عليهم لا يفتح لها باب ولا يخرج منها غم ولا يدخل فيها روح آخر الأبد٤.
وقد بين ابن رجب ﵀ تعالى - أن هذه الأطباق نوعان:
أحدهما:
إطباق خاص وهو لمن يدخل في النار، أو من يريد الله التضييق عليه أجارنا الله من ذلك.
الثاني:
إطباق عام وهو إطباق النار على أهلها المخلدين فيها وقد قال سفيان وغيره في قوله تعالى: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ﴾ ٥ قالوا: "هو إطباق النار على أهلها"اهـ٦.
وقد قلنا فيما تقدم أن الآية التي صدرنا بها هذا المبحث وهي قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ فيها دلالة على أن أبواب جهنم لا تفتح إلا عند مجيء أهلها إليها يوم القيامة، وذلك ليفجأهم عذابها، وليكون ذلك أعظم في نكايتهم، وزيادة في حسرتهم وندامتهم.
_________________
(١) سورة البلد آية: ٢٠.
(٢) تفسير ابن كثير ٧/ ٢٩٨، وانظر الجامع لأحكام القرآن ٢٠/١٨٥.
(٣) جامع البيان عن تأويل آي القرآن ٣٠/٢٠٧.
(٤) ذكره ابن رجب في كتابه "التخويف من النار" ص٦٠.
(٥) سورة الأنبياء آية: ١٠٣.
(٦) "التخويف من النار" ص٦١.
[ ٦٢٢ ]
وقد ورد حديث صحيح دل على أن أبواب جهنم مفتوحة وأنها تغلق في رمضان.
روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين ومردة الجن" ١.
قال القاضي عياض حول هذا الحديث: "يحتمل أنه على ظاهره وحقيقته، وأن تفتيح أبواب الجنة وتغليق أبواب جهنم وتصفيد الشياطين علامة لدخول الشهر وتعظيم لحرمته ويكون التصفيد ليمتنعوا من إيذاء المؤمنين والتهويش عليهم.
قال: ويحتمل أن يكون المراد المجاز ويكون إشارة إلى كثرة الثواب والعفو وأن الشياطين يقل إغواؤهم وإيذاؤهم حتى يصيروا كالمصفدين ويكون تصفيدهم عن أشياء دون أشياء ولناس دون ناس.
قال: ويحتمل أن يكون فتح أبواب الجنة عبارة: عما يفتحه الله - تعالى - لعباده من الطاعات في هذا الشهر التي لا تقع في غيره عمومًا كالصيام والقيام وفعل الخيرات والإنكفاف عن كثير من المخالفات، وهذه أسباب لدخول الجنة، وأبواب لها وكذلك تغليق أبواب النار وتصفيد الشياطين عبارة عما ينكفون عنه من المخالفات" اهـ٢.
والأولى حمل الحديث على الحقيقة، ولا ضرورة تدعو إلى صرف الحديث عن ظاهره، ولا منافاة بين الآية والحديث، فقد تكون أبواب الجنة والنار مفتوحة في بعض الأحيان، وتكون مغلقة في أوقات أخرى، فمن هنا لا تعارض بين الآية والحديث وينبغي الإبتعاد عن تأول الحديث بالتأويلات والاحتمالات التي ليس لها أية دلالة من اللفظ النبوي الشريف تؤيدها.
والذي نخلص إليه مما تقدم من الآيات وبعض الأحاديث أنه يجب على كل مسلم الإيمان بأن لجهنم سبعة أبواب كما نطق بذلك كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وأن تلك الأبواب سيدخل منها أهل الكفر والشرك والجحود والنفاق على حسب أعمالهم وذنوبهم التي تلبسوا بها واقترفوها في الحياة الدنيا.
_________________
(١) صحيح البخاري ١/٣٢٥، صحيح مسلم ٢/٧٥٨ واللفظ له.
(٢) شرح النووي على مسلم ٧/١٨٨، وانظر "الفتح" ٤/١١٤.
[ ٦٢٣ ]