إن أول ما افتتحت به "سورة: الزمر" هو إثبات صفة العلو والفوقية - للباري جل وعلا - وذلك في خمس آيات منها:
قال تعالى ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ. إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللهِ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ .
وقال تعالى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ . ففي هذه الآيات الخمس دلالة واضحة على إثبات علو الله - تعالى - وأنه فوق المخلوقات جميعها، لأن نزول الشيء يكون من أعلى إلى أسفل.
فالآية الأولى: من تلك الآيات المتقدمة هي قوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ فيها إخبار منه - تعالى - بأن مبدأ تنزيل القرآن كائن منه - جل وعلا - ومن عنده ﵎.
وأما الآية الثانية: فهي قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ﴾ الآية.
[ ٢٩ ]
أخبر تعالى بأنه أنزل الكتاب الذي هو القرآن على نبيه ﷺ من عنده بالحق الذي لا مرية فيه ولا شك.
وأما الآية الثالثة فهي قوله تعالى: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ الآية فقد دلت على علو الله - تعالى - لأن التنزيل يكون من أعلى إلى أسفل كما تضمنت وصف القرآن المنزل من عنده - تعالى - بثلاثة صفات هي: كونه متشابهًا أي: يشبه بعضه بعضًا في الكمال والجودة ويصدق بعضه بعضًا في المعنى ويماثله وكونه "مثاني" حيث ثنى الله فيه الأنباء والأخبار والقضاء والأحكام.
قال قتادة١ "ثنى الله فيه الفرائض والقضاء والحدود"٢.
وكونه تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم أي: تقشعر منه جلود الأبرار الذين يخشون ربهم لما يفهمون منه من الوعد والوعيد والتخويف والتهديد.
وأما الآية الرابعة فهي قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ ﴾ الآية.
فقد بين تعالى بأنه أنزل كتابه على رسوله من عنده - تعالى - فالآية دلت على علوه - تعالى - كما دلت أيضًا: أنه - تعالى - أنزل هذا الكتاب لجميع الخلق من الجن والإنس لينذرهم به، وأن من اهتدى منهم فإنما يعود نفع ذلك إلى نفسه، ومن ضل فإنما يعود وبال ضلاله عليه، وأن الرسول ﷺ ليس بموكل على هدايتهم، وإنما هو نذير عليه البلاغ، وعلى الله الحساب.
وأما الآية الخامسة: وهي قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ الآية.
فقد تضمنت أمرًا من الله - جل وعلا - لجميع عباده بأن يتبعوا ما أمرهم به - تعالى - في كتابه الذي أنزله على رسوله ﷺ، وبذلك دليل على علوه - سبحانه ـ.
_________________
(١) هو: قتادة بن دعامة السدوسي من أئمة التفسير، كان من أحفظ أهل البصرة. ولد سنة إحدى وستين، وتوفي سنة ثماني عشرة ومائة هجرية. أنظر ترجمته في: "تذكرة الحفاظ" ١/١٢٢ وما بعدها، "اللباب في تهذيب الأنساب" ٢/١٠٨، التهذيب ٨/٣٥١.
(٢) جامع البيان ٢٣/٢١٠.
[ ٣٠ ]
قال العلامة ابن جرير١: "فإن قال قائل: ومن القرآن شيء أحسن من شيء قيل له: القرآن كله حسن وليس معنى ذلك ما توهمت، وإنما معناه: واتبعوا مما أنزل إليكم ربكم من الأمر والنهي والخبر والمثل والقصص والجدل والوعد والوعيد أحسنه، وأحسنه أن تأتمروا لأمره وتنتهوا عما نهى عنه، لأن النهي مما أنزل في الكتاب، فلو عملوا بما نهوا عنه كانوا عاملين بأقبحه - أي العمل - فذلك وجهه" أ. هـ٢.
فهذه الآيات الخمس من الآيات المحكمة التي أثبتت علو - الباري سبحانه - على جميع خلقه وأنه ﷻ في السماء أي: "العلو" لا كما يزعمه أهل الباطل من الجهمية المعطلة من أنه - تعالى - في أسفل الأرضين، بل هو - تعالى - في السماء كما أخبر بذلك عن نفسه في مواضع كثيرة من كتابه، وأكد ذلك رسوله ﷺ في سنته المطهرة.
قال ابن خزيمة٣ - رحمه الله تعالى ـ: "إن الرب - جل وعلا - في السماء لا كما قالت الجهمية المعطلة أنه في أسفل الأرضيين فهو في السماء" أ. هـ٤.
وقد وردت آيات كثيرة في الكتاب العزيز كلها تدل دلالة قطعية على إثبات علوه - تعالى - على خلقه وأنه ليس تحت الأرض ولا في كل مكان كما يزعم ذلك أهل الزيغ والباطل ومن تلك الآيات ما يلي:
أحدها: أنه ﷾ صرح بفوقيته المقترنة بأداة "من" المعينة للفوقية بالذات. قال تعالى: ﴿وَللهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ. يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ٥.
_________________
(١) هو: محمد بن جرير بن يزيد الطبري، أبو جعفر، المؤرخ المفسر الإمام، ولد في آمل طبرستان، واستوطن بغداد وتوفي بها. ولد سنة أربع وعشرين ومائتين وتوفي سنة عشر وثلاثمائة. انظر ترجمته في: "تذكرة الحفاظ ٢/٧١٠، وفيات الأعيان ١/٤٥٦، البداية والنهاية ١١/١٦٣ - ١٦٥، وانظر الأعلام ٦/٢٩٤.
(٢) جامع البيان ٢٤/١٧ - ١٨.
(٣) هو: محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي أبو بكر، إمام نيسابور في زمنه. كان فقيهًا مجتهدًا عالمًا بالحديث. ولد سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وتوفي سنة إحدى عشرة وثلاثمائة هجرية. له مؤلفات كثيرة: لقب بإمام الأئمة. انظر ترجمته في: "تذكرة الحفاظ" ٢/٧٢٠ وما بعدها، طبقات الحفاظ للسيوطي ص٣١٣ - ٣١٤، البداية والنهاية ١١/١٦٧
(٤) كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب ص ١١٠.
(٥) سورة النحل آية: ٤٩ - ٥٠.
[ ٣١ ]
ففي الآية الثانية إعلام من الله - تعالى - بأنه فوق ملائكته، وفوق ما في السموات وما في الأرض من دابة، وأخبرنا بأن ملائكته يخافون ربهم الذي فوقهم والمعطلة يزعمون أن المعبود - سبحانه - تحت الملائكة تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
ثانيًا: ذكره تعالى الفوقية مجردة عن الأداة:
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ ١ وهذه الآية فيها الإخبار منه - تعالى - بأنه فوق جميع عباده من الجن والإنس والملائكة الذين هم سكان السموات.
ثالثًا: إخباره تعالى بعروج الملائكة والروح إليه.
قال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ ٢ فقد أخبرنا - تعالى - في هذه الآية بأن الملائكة تعرج إليه، والعرج يكون من الأسفل إلى الأعلى.
رابعًا: التصريح منه - تعالى - بالصعود إليه:
قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ٣.
والمفهوم من هذه الآية أن الرب ﷻ فوق من يتكلم بالكلمة الطيبة فتصعد إلى الله كلمته، لا كما تزعمه المعطلة الجهمية أنه تهبط إليه الكلمة الطيبة كما تصعد إليه وتأويلهم هذا يدل على تردي عقولهم وسوء فهمها لكتاب الله - تعالى ـ.
خامسًا: تصريحه تعالى برفع بعض المخلوقات إليه كرفعه لعيسى ﵊.
قال تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ٤ فمن المستحيل أن يهبط الإنسان من ظهر الأرض إلى بطنها، أو إلى أي مكان أخفض وأنزل فيقال: رفعه الله إليه، لأن الرفع في لغة العرب الذين بلغتهم خاطبنا الله لا يكون إلا من أسفل إلى أعلى وفوق.
سادسًا: تصريحه - تعالى - بعلوه المطلق الدال على جميع مراتب العلو ذاتًا، وقدرًا، وقهرًا قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ ٥.
_________________
(١) سورة الأنعام آية: ١٨.
(٢) سورة المعارج آية: ٤.
(٣) سورة فاطر آية: ١٠.
(٤) سورة النساء آية: ١٥٨.
(٥) سورة البقرة آية: ٢٥٥.
[ ٣٢ ]
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ١.
وقوله - عزَّ شأنه - ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ . ٢
فالعلي: هو الذي له العلو المطلق من جميع الوجوه.
علو الذات: كونه فوق جميع المخلوقات.
علو القدر: فله من كل صفات الكمال أعلاها.
علو القهر: فهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير٣.
"وإذا كانت صفة العلو والفوقية صفة كمال لا نقص فيها ولا تستلزم نقصًا ولا توجب محذورًا ولا تخالف كتابًا ولا سنة ولا إجماعًا فنفي حقيقتها يكون عين الباطل، والمحال الذي لا تأتي به شريعة أصلًا فكيف إذا كان لا يمكن الإقرار بوجوده وتصديق رسله والإيمان بكتابه وبما جاء به رسوله إلا بذلك فكيف إذا انضم إلى ذلك شهادة العقول السليمة والفطرة المستقيمة، والنصوص الواردة المتنوعة المحكمة الدالة على علو الله على خلقه وكونه فوق عباده"٤.
سابعًا: تخصيصه بعض المخلوقات بأنها عنده وأن بعضها أقرب إليه من بعض.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ ٥.
وقال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ ٦ ففرَّق - سبحانه - في هاتين الآيتين بين من له عمومًا وبين من عنده من ملائكته وعبيده خصوصًا.
ثامنًا: تصريحه تعالى بأنه في السماء:
_________________
(١) سورة سبأ آية: ٢٣.
(٢) سورة الأعلى آية: ١.
(٣) مدارج السالكين ١/٣١.
(٤) شرح الطحاوية ٣١٨ - ٣١٩.
(٥) سورة الأعراف آية: ٢٠٦.
(٦) سورة الأنبياء آية: ١٩.
[ ٣٣ ]
قال تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ ١.
فهاتان الآيتان صريحتان في أن الله - تعالى - في السماء فلا تقبلان جدلًا ولا تأويلًا لأن "من" فيهما لا يمكن أن يراد بهما سوى - الرب جل شأنه - لا ملكه ولا أمره كما يزعم ذلك المعطلة النفاة.
وفي في الآيتين إما أن تكون بمعنى الظرفية، ويكون المراد بالسماء العلو.
وإما أن يراد بها معنى "على" ويكون المراد بالسماء المبنية.
وليس في هذا خلاف عند أهل الحق من أهل السنة والجماعة، ولا يجوز الحمل على غير ذلك.
تاسعًا: تصريحه تعالى بأنه يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه. قال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ ٢.
واللغة العربية التي خاطبنا الله بها وفهمها العرب الفصحاء تبين بأن تدبير أمر السماء إلى الأرض إنما يدبره المدبر وهو في السماء لا في الأرض والمعروف عند العرب أن المعارج هي المصاعد.
عاشرًا: إخباره - تعالى - عن فرعون أنه حاول الصعود إلى السماء ليطلع إلى إله موسى فيكذبه فيما أخبره به ممن أنه - سبحانه - فوق السموات قال تعالى حكاية عن فرعون: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ ٣.
فالذي ينفي العلو من الجهمية فهو فرعوني، والذي أثبته فهو موسوي محمدي.
قال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي:
"ففي هذه الآية بيان بين، ودلالة ظاهرة أن موسى كان يدعو فرعون إلى معرفة الله بأنه
_________________
(١) سورة الملك، آية: ١٦، ١٧.
(٢) سورة السجدة، آية: ٥.
(٣) سورة غافر، آية: ٣٦، ٣٧.
[ ٣٤ ]
فوق السماء فمن أجل ذلك أمر ببناء الصرح ورام الإطلاع وكذلك نمروذ فرعون إبراهيم، اتخذ التابوت والنسور ورام الإطلاع إلى الله لما كان يدعو إبراهيم إلى معرفته في السماء"١.
الحادي عشر: من الأدلة الدالة على علوه تعالى إخباره - تعالى - بأنه استوى على عرشه الذي هو أعلى مخلوقاته وقد ذكر هذه الصفة في كتابه في مواضع سبعة من كتابه، ومن العجيب أن الله - تعالى - ما يذكر هذه الصفة إلا وهي مقرونة بما ببهر العقول من صفات جلاله وكماله فهي صفة من صفات المدح التي مدح الله بها نفسه - سبحانه - وإليك المواضع التي ذكرت فيها صفة الاستواء الدالة على علوه - تعالى ـ.
١ـ قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢.
فهل لأحد أن يتجرأ وينفي هذه الصفة التي دلت على الجلال والكمال اللهم إلا من كان من أهل الزيغ والضلال.
٢ـ قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ ٣.
٣ـ قال تعالى: ﴿الله الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمّىً﴾ ٤.
٤ـ قال تعالى: ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى * تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٥.
٥ - قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ
_________________
(١) الرد على الجهمية ص٢١.
(٢) سورة الأعراف، آية: ٥٤.
(٣) سورة يونس، آية: ٣.
(٤) سورة الرعد، آية: ٢.
(٥) سورة طه آية: ١ - ٥.
[ ٣٥ ]
عِبَادِهِ خَبِيرًا * الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ ١.
٦ - وقال تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ٢.
٧ - وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٣.
فهذه سبعة مواضع في كتاب الله - تعالى - أثبت الله - تعالى - لنفسه فيها صفة الاستواء، وهي تدل دلالة واضحة وصريحة على علوه تعالى فوق جميع مخلوقاته، كما تدل على أنه - تعالى - مستو على عرشه استواءً يليق بجلاله من غير تكييف، ولا تمثيل، ولا تحريف ولا تعطيل.
قال العلامة ابن القيم٤ رحمه الله تعالى: " واستواءه وعلوه على عرشه سلام من أن يكون محتاجًا إلى ما يحمله، أو يستوي عليه، بل العرش محتاج إليه، وحملته محتاجون إليه فهو الغنى عن العرش وعن حملته وعن كل ما سواه، فهو استواء وعلو لا يشوبه حصر ولا حاجة إلى عرش ولا غيره ولا إحاطة شيء به - سبحانه - وتعالى، بل كان - سبحانه - ولا عرش، ولم يكن به حاجة إليه وهو الغني الحميد بل استواؤه على عرشه واستيلاؤه على خلقه من موجبات ملكه وقهره من غير حاجة إلى عرش ولا غيره بوجه ما"٥. أ. هـ
_________________
(١) سورة الفرقان، آية: ٥٨، ٥٩.
(٢) سورة السجدة، آية: ٤.
(٣) سورة الحديد، آية: ٤.
(٤) هو: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي أبو عبد الله شمس الدين من أركان الإصلاح الإسلامي وأحد كبار علماء الدين، ولد سنة إحدى وتسعين وستمائة وتوفي سنة إحدى وخمسين وسبعمائة هجرية. له مؤلفات عديدة في مختلف العلوم والفنون. انظر ترجمته: في الدرر الكامنة ٣/٤٠٠، البداية والنهاية ١٤/٢٠٢ - ٢٠٤ ط. المتوسط - بيروت - لبنان، بدون تاريخ.
(٥) بدائع الفوائد ٢/١٣٦.
[ ٣٦ ]
وقال عثمان بن سعيد الدارمي بعد أن ساق كثيرًا من الآيات الدالة على علو الله - تعالى - رادًا على الجهمية ومبينًا بطلان مذهبهم في إنكار صفة العلو: " أقرت هذه العصابة - يعني الجهمية - بهذه الآيات بألسنتها وادعوا الإيمان بها، ثم نقضوا دعواهم بدعوى غيرها، فقالوا: الله في كل مكان لا يخلو منه مكان قلنا قد نقضتم دعواكم بالإيمان باستواء الرب على عرشه إذا ادعيتم أنه في كل مكان فقالوا: تفسيره عندنا: أنه استولى عليه وعلاه. قلنا فهل من مكان لم يستول عليه ولم يعله حتى خص العرش من بين الأمكنة بالاستواء عليه؟.
وكرر ذكره في مواضع كثيرة من كتابه فأي معنى إذًا لخصوص العرش إذا كان عندكم مستويًا على جميع الأشياء وكاستوائه على العرش ﵎ هذا محال وباطل في الكلام"١. أ. هـ.
فلو كان - الباري ﷾ في كل مكان على حسب زعم الجهمية لجعل كل شيء دكًا فإنه حين سأله كليمه موسى ﵇ أن يريه ينظر إليه قال له: ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٢.
قال ابن خزيمة في معنى هذه الآية "أفليس العلم محيطًا يا ذوي الألباب أن الله ﷿ لو كان في كل موضع ومع كل بشر وخلق كما زعمت - الجهمية - المعطلة لكان متجليًا لجميع أرضه سهلها ووعرها وجبالها وبراريها ومفاوزها ومدنها وقراها وعمارتها وخرابها وجميع ما فيها من نبات وبناء لجعلها دكًا كما جعل الله الجبل الذي تجلى له دكًا" أ. هـ٣.
وبالجملة فظاهر القرآن يدل على إثبات علو الله ﵎ وأنه على عرشه الذي هو أعلى المخلوقات وهو - سبحانه - بائن من خلقه ويغنينا في ذلك التنزيل ولا حاجة لنا إلى تأويل المكذبين به في أنفسهم ويتسترون عن ذلك باسم التأويل وليس هو تأويلًا، وإنما هو تحريف وتعطيل وتبديل.
_________________
(١) الرد على الجهمية ص١٨.
(٢) سورة الأعراف، آية: ١٤٣.
(٣) كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب ص١١٢.
[ ٣٧ ]
والقاري للكتب التي ألفت في أسباب نزول آيات القرآن يجد أن الصحابة الذين فسروا كتاب الله - تعالى - وبينوا أحكامه، وفرائضه وحدوده، يقولون: نزلت آية كذا في كذا، ونزلت سورة كذا في مكان كذا ولم ينقل عن أحد منهم أنه قال: طلعت من تحت الأرض، ولا جاءت من أمام، ولا من خلف بل كل الآيات والسور يذكرون أنها نزلت من فوق لا من تحت الأرض، ولا خرجت منها.
وقد بين النبي ﷺ في أحاديث كثيرة أن الله - تعالى - متصف بصفة العلو والفوقية ومن تلك الأحاديث ما يلي:
١ - حديث معاوية بن الحكم السلمي قال: "كانت لي غنم بين أحد والجوانية١ فيها جارية لي، فأطلعتها ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب منها بشاة - وأنا رجل من بني آدم - فصككتها، فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فعظَّم ذلك عليّ فقلت يا رسول الله أفلا أعتقها؟ قال: ادعها: فدعوتها فقال لها أين الله؟ قالت في السماء. قال: من أنا؟ قالت: رسول الله. قال: اعتقها فإنها مؤمنة"٢.
فهذا الحديث من أنصع الأدلة وضوحًا على إبطال مذهب الجهمية وهو صفعة قوية لأهل التعطيل على رؤوسهم حيث شهد الرسول ﷺ للجارية بالإيمان حين وجّه لها سؤالين اختبر بهما إيمانها، ولما نجحت في الإجابة عليهما، وبالأخص السؤال الأول حيث أجابت بأن الله - تعالى - في السماء فرضي ﵊ إجابتها وأقرها عليها وشهد لها بالإيمان، وفي الحقيقة أن إجابة تلك الجارية لا يستطيع أن يجيب بها جهمي، ومن يدور في ركابه لما حل في قلبه من الإعتقاد الفاسد لأنه يعتقد أن الله - جل وعلا - في كل مكان ولو سألت معطلًا وقلت له أين الله؟ لقال: لا يسأل عن الله بأين. قال عثمان بن سعيد الدارمي بعد سياقه لحديث معاوية بن الحكم السلمي:"ففي حديث رسول الله ﷺ هذا دليل على أن الرجل إذا لم يعلم أن الله في السماء دون الأرض فليس بمؤمن ولو كان عبدًا فأعتق لم يجز في رقبة مؤمنة إذ لا يعلم أن الله في السماء"٣. أ. هـ.
لو كان الله في الأرض كما يدعيه ضلال الجهمية لأنكر عليها الرسول ﷺ وعلّمها،
_________________
(١) الجوانية: موضع شمالي المدينة بقرب أحد. "شرح النووي على مسلم ٥/٢٣".
(٢) صحيح مسلم ١/٣٨٢، وانظر: الرد على الجهمية للدارمي ص٢٢، كتاب التوحيد لابن خزيمة ص١٢١.
(٣) الرد على الجهمية ص٢٢.
[ ٣٨ ]
ولكنها علمت به فصدقها وشهد لها بالإيمان، ولو كان الله في الأرض لم يتم لها إيمان حتى تعرفه في الأرض كما عرفته في السماء.
٢ـ ما رواه البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "جاء زيد بن حارثة يشكو فجعل النبي ﷺ يقول: "اتق الله وأمسك عليك زوجك" قال أنس: لو كان رسول الله ﷺ كاتمًا شيئًا لكتم هذه قال: فكانت زينب تفخر على أزواج النبي ﷺ تقول: زوجكن أهاليكن وزوجني الله تعالى من فوق سبع سموات"١.
وهذا دليل واضح وصريح في أن الله - تعالى - عالٍ فوق سمواته وعلى جميع مخلوقاته وعلى هذا تلقت أم المؤمنين زينب ﵂ عقيدتها من النبي ﷺ.
٣ـ ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ في قسمة الذهب الذي بعث به علي ابن أبي طالب من اليمن قال النبي ﷺ: "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني الوحي صباحًا ومساءًا" ٢.
فقد بين ﷺ بأنه أمين من في السماء والذي في السماء والمشار إليه إنما هو الله - تعالى - لو كان الجهمية يعلمون، ولربهم ينزهون، ولقد تتلمذ الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - على رسول الله ﷺ في دينهم وعقيدتهم، ونطقوا بما نطق به الكتاب والسنة من أن الله تعالى في السماء وأقوالهم في أن الله - تعالى - في السماء كثيرة جدًا٣، واعتقادهم في أنه - تعالى - في السماء إنما تلقوا ذلك عن الرسول ﷺ وبلغوه إلى من وراءهم من التابعين لهم بإحسان فقد كان القول بأن الله - تعالى - في السماء متداولًا بينهم موقنين به.
قال الحافظ ٤ وأخرج البيهقي بسند جيد عن الأوزاعي٥ قال: كنا والتابعون
_________________
(١) ٤/٢٨١.
(٢) ١/١٦١ - ١٦٢.
(٣) انظر أقوال الصحابة في كتاب" العلو للذهبي" ص٦٢ وما بعدها.
(٤) هو: أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني، أبو الفضل شهاب الدين ابن حجر، من أئمة العلم والتاريخ أصله من عسقلان. له مؤلفات عديدة في مختلف الفنون والعلوم. ولد سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة، وتوفي سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة هجرية. انظر ترجمته في: "البدر الطالع للشوكاني ١/٨٧، الأعلام ١/١٧٣".
(٥) هو: عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الأوزاعي، أبو عمرو عالم أهل الشام في زمانه. ولد سنة ثمان وثمانين، وتوفي سنة سبع وخمسين ومائة هجرية. انظر ترجمته في: "وفيات الأعيان ١/٢٧٥، حلية الأولياء ٦/١٣٥ - ١٤٩، الأعلام ٤/٩٤".
[ ٣٩ ]
متوافرون نقول: إن الله ﷿ فوق عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته"١.
فالصحابة والتابعون أجمعوا على أن الله - تعالى - عالٍ على عرشه فوق سمواته وعلمه في كل مكان لا يخلو منه شيء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية٢ - رحمه الله تعالى ـ: قال أبو عمر بن عبد البر - رحمه الله تعالى - في التمهيد:
"وعلماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل قالوا: في تأويل قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ ٣ هو على العرش وعلمه في كل مكان وما خالفهم في ذلك من يحتج به"٤ أ. هـ.
فابن عبد البر ينقل إجماع الصحابة والتابعين على أنه ﷾ عالٍ على جميع خلقه ولم يحدث القول بأن الله في كل مكان إلا الجهمية وقولهم لا قيمة له لأنه لا عبرة بخلافهم ولا يحتج بقولهم لأنهم ضلال مارقون.
ولذلك كفرهم الأئمة الأربعة وضللوهم، وبدعوهم، وحكموا عليهم بالكفر إن لم يرجعوا عن دعواهم بأن الله - تعالى - ليس في السماء.
فقد جاء عن أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي قال: سألت أبا حنيفة٥ عمن
_________________
(١) الفتح ١٣/٤٠٦، الأسماء والصفات للبيهقي ص٤٠٨، الذهبي في العلو ص١٠٢، الحموية ص٢٣.
(٢) هو: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الخضر النمريري الحراني الدمشقي الحنبلي أبو العباس تقي الدين ابن تيمية الإمام، شيخ الإسلام كان آية في التفسير والأصول، فصيح اللسان برز في جميع الفنون جاهد المنحرفين عن الدين بقلمه، ولسانه، وسيفه. ولد سنة إحدى وستين وستمائة، وتوفي سنة ثمان وعشرين وسبعمائة هجرية. انظر ترجمته في: "الدرر الكامنة ١/١٤٤، البداية والنهاية ١٤/١٢٥، النجوم الزاهرة ٩/٢٧١، فوات الوفيات ١/٧٤- ٨٠، الأعلام ١/١٤٠".
(٣) سورة المجادلة، آية: ٧.
(٤) العقيدة الحموية الكبرى ص٥١.
(٥) هو: النعمان بن ثابت التيمي بالولاء الكوفي، أبو حنيفة إمام الحنفية، الفقيه، المجتهد، المحقق أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة. ولد سنة ثمانين وتوفي سنة خمسين ومائة هجرية. انظر ترجمته في: "تاريخ بغداد ١٣/٣٢٣ - ٤٥٤، وفيات الأعيان ٢/١٦٣، النجوم الزاهرة ٢/١٢، البداية ١٠/١٠٧.
[ ٤٠ ]
يقول: لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض فقال: قد كفر لأن الله - تعالى - يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ١ وعرشه فوق سمواته فقلت: إنه يقول: أقول على العرش استوى ولكن لا يدري العرش في السماء أو في الأرض قال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر ٢.
وقال الإمام مالك بن أنس "الله في السماء وعلمه في كل مكان" ٣
وروى اللالكائي٤ في كتاب "السنة" عن جعفر بن عبد الله: جاء رجل إلى مالك بن أنس ٥ فقال: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٦.
كيف استوى؟ قال: فما رأيت مالكًا وجد من شيء كموْجدته من مقالته وعلاه الرّحضاء٧ قال: وأطرق القوم وجعلوا ينظرون ما يأتي منه فيه قال: فسري عن مالك فقال: الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، فإني أخاف أن تكون ضالًا وأمر به فأخرج"٨.
وأما الإمام الشافعي٩ فقد أثر عنه أنه قال: "السنة التي أن عليها ورأيت عليها
_________________
(١) سورة طه، آية: ٥.
(٢) ذكره عنه الذهبي في " العلو للعلي الغفار" ص١٠١.
(٣) المصدر السابق: ص١٠٣.
(٤) هو هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري الرازي أبو القاسم اللالكائي. حافظ، للحديث، من فقهاء الشافعية من أهل طبرستان. توفي سنة ثماني عشرة وأربعمائة هجرية. انظر ترجمته في "الكامل لابن الأثير ٩/٣٦٤، شذرات الذهب ٣/٢١١، تذكرة الحفاظ ٣/١٠٨٣، وما بعدها، الأعلام ٩/٥٧.
(٥) هو مالك بن أنس بن مالك الأصبحي الحميري أبو عبد الله إمام دار الهجرة وأحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة وإليه تنسب المالكية. كان صلبًا في دينه، بعيدًا عن الأمراء والملوك. ولد سنة ثلاث تسعين، وتوفي سنة تسع وسبعين ومائة هجرية. انظر ترجمته في: "الديباج المذهب ص١٧ - ٣٠، وفيات الأعيان ١/٤٣٩، تهذيب التهذيب ١٠/٥، صفوة الصفوة ٢/٩٩".
(٦) سورة طه، آية: ٥.
(٧) الرحضاء العرق.
(٨) ٣/٣٩٨، وانظر "كتاب العلو" للذهبي ص١٠٣، فتح الباري ١٣/٤٠٧".
(٩) هو: محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع الهاشمي القرشي المطلبي أبو عبد الله أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة وإليه تنسب الشافعية. ولد سنة خمسين ومائة، وتوفي سنة أربع ومائتين هجرية. انظر ترجمته في: "تذكرة الحفاظ ١/٣٦١، تهذيب التهذيب ٩/٢٥، وفيات الأعيان ١/٤٤٧، صفوة الصفوة ٢/١٤٠، تاريخ بغداد ٢/٥٦.
[ ٤١ ]
الذين رأيتهم مثل سفيان ومالك وغيرهما إقرار بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن الله على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء، وينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء"١.
وأما الإمام أحمد بن حنبل فقد قال عنه يوسف بن موسى القطان شيخ أبي بكر الخلال قال: قيل لأبي عبد الله فوق السماء السابعة على عرشه بائن من خلقه، وقدرته وعلمه بكل مكان؟ قال: "نعم هو على عرشه لا يخلو شيء من علمه"٢، وكلام الأئمة وغيرهم في إثبات صفة العلو للباري - جل وعلا - كثير، وكلهم مجمعون على القول بعلو الله وفوقيته على جميع خلقه اتباعًا لكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وإجماع الصحابة والتابعين.
وكما تقرر إثبات علو الله تعالى وفوقيته على خلقه بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، كذلك دلت الفطرة والعقل على علوه - تعالى - وفوقيته.
"أما الفطرة فإنه قد تقرر في فطر بني آدم علمائهم وجهالهم، أحرارهم ومماليكهم ذكورهم وإناثهم، بالغيهم وأطفالهم، وحتى الكفار منهم يعلمون يقينًا بأنه - تعالى - عالٍ على جميع المخلوقات إذ كل من دعى الله منهم فإنما يرفع رأسه إلى السماء ويمد يديه إلى العلي الأعلى لا إلى أسفل"٣.
وكم من إنسان إذا أراد جلب ما ينفعه، أو كشف ما يضره شخص ببصره إلى السماء إضافة إلى رفع يديه إلى جهة العلو إلى من يعلم السر وأخفى فيتوجه إليه بقلبه لعلمه أن المعبود - سبحانه - فوقه، وأنه إنما يدعى من أعلى لا من أسفل، وليس الإنسان وحده فحسب هو الذي عرف أن الله يدعى من أعلى لا من أسفل بل الحيوانات قد عرفت أن الله - تعالى - في السماء أي - جهة العلو - ولذلك فإنها ترفع رأسها عند الجدب والقحط تستمطر ربها وفي هذا إبطال لقول الجهمية أن الله في كل مكان فقد أخرج الحاكم بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "خرج نبي من الأنبياء يستسقي فإذا هو
_________________
(١) العلو للذهبي ص١٢٠، عون المعبود ١٣/٤١، الفتوى الحموية الكبرى ص٢٤.
(٢) ذكره الذهبي في "كتابه العلو" ص١٣٠.
(٣) انظر كتاب التوحيد لابن خزيمة ص١١٠، الفتوى الحموية الكبرى ص٢٩، شرح الطحاوية ص٣٢٥.
[ ٤٢ ]
بنملة رافعة بعض قوائمها إلى السماء فقال ارجعوا فقد استجيب لكم من أجل شأن النملة" ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه١ وأقره الذهبي٢ وفي "كتاب الزهد" للإمام أحمد "خرج سليمان بن داود ﵉ يستسقي فإذا هو بنملة مستلقية على ظهرها رافعة قوائمها إلى السماء تقول: اللهم إنا خلق من خلقك ليس بنا غنى عن سقياك فقال: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم"٣.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "وأحرى بهذه النملة وأخواتها من النمل أن يكونوا أعرف بالله من الجهمية"٤
وفي هذا بيان واضح أن الحيوانات تعرف أن الله ﷿ إنما يدعى من أعلى كما يعرف ذلك المؤمنون، وهذا ما فطر الله عليه خلقه أجمعين وهذه ضرورة يحس بها الإنسان والحيوان.
ذكر محمد بن طاهر المقدسي أن الشيخ أبا جعفر الهمذاني حضر مجلس الأستاذ أبي المعالي الجويني المعروف بإمام الحرمين وهو يتكلم في نفي صفة العلو ويقول: كان الله ولا عرش، وهو الآن على ما كان!! فقال الشيخ أبو جعفر:
"أخبرنا يا أستاذ عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا؟ فإنه ما قال عارف قط: يا الله إلا وجد في قلبه ضرورة طلب العلو لا يلتفت يمنة، ولا يسرة فكيف ندفع بهذه الضرورة عن أنفسنا قال: فلطم أبو المعالي على رأسه ونزل! وأظنه قال: وبكى وقال: حيَّرني الهمذاني حيرني! أراد الشيخ أن هذا أمر فطر الله عليه عباده من غير أن يتلقوه من المرسلين يجدون في قلوبهم طلبًا ضروريًا يتوجه إلى الله ويطلبه في العلو"٥.
_________________
(١) المستدرك ١/٣٢٥ - ٣٢٦.
(٢) هو: محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي، شمس الدين أبو عبد الله. حافظ، مؤرخ، علامة، محقق. ولد سنة ثلاث وسبعين وستمائة، وتوفي سنة ثمان وأربعين وسبعمائة. انظر ترجمته في "شذرات الذهب ٦/١٥٣، الدرر الكامنة ٣/٣٣٦، النجوم الزاهرة ١٠/١٨٢".
(٣) كتاب الزهد ص٨٧ إلا أن في إسناد أحمد زيد العمي وهو ضعيف. انظر "ميزان الإعتدال ٢/١٠٢، وانظر التقريب ١/٢٧٤".
(٤) اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية ص١٣٣.
(٥) منهاج السنة النبوية ١/٢٦٣، شرح الطحاوية ص٣٢٥ـ ٣٣٦.
[ ٤٣ ]
وقال أبو الحسن الأشعري١: بعد أن ساق كلامًا كثيرًا يريد منه إثبات أن الله - تعالى - مستو على عرشه فوق سمواته قال ﵀: "ورأينا المسلمين جميعًا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء لأن الله ﷿ مستو على العرش الذي هو فوق السموات فلولا أن الله ﷿ على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش كما لا يحطونها إذا دعوا إلى الأرض"٢.
وأما دلالة العقل على ذلك فنقول: إن العقل قد دل على أن الله عال على جميع خلقه من وجو:
أحدها: العلم البديهي القاطع بأن كل موجودين، إما أن يكون أحدهما ساريًا في الآخر قائمًا به كالصفات، وإما أن يكون قائمًا بنفسه بائنًا من الآخر.
الثاني: أنه - تعالى - لما خلق العالم فإما أن يكون خلقه في ذاته أو خارجًا عن ذاته والأول باطل.
أما أولًا: فبالاتفاق، وأما ثانيًا: فلأنه يلزم أن يكون محلًا للخسائس، والقاذورات - تعالى الله - عن ذلك علوًا كبيرًا.
والثاني: يقتضي كون العالم واقعًا خارج ذاته، فيكون منفصلًا فتعينت المباينة لأن القول بأنه غير متصل بالعالم، وغير منفصل عنه غير معقول.
الثالث: أن كونه - تعالى - لا داخل العالم ولا خارجه يقتضي نفي وجوده بالكلية لأنه غير معقول فيكون موجودًا، إما داخله وإما خارجه، والأول باطل، فتعيّن الثاني فلزمت المباينة٣.
وللجهمية في إنكارهم صفات الله ﷿ وقولهم أن الله ﷿ في كل
_________________
(١) هو: أبو الحسن الأشعري علي بن إسماعيل بن إسحاق من نسل الصحابي أبي موسى الأشعري. كان من الأئمة المجتهدين. ولد في البصرة سنة ستين ومائتين، وتوفي سنة أربع وعشرين وثلاثمائة هجرية. انظر ترجمته في: "طبقات الشافعية ٣/٣٤٧، البداية والنهاية ١١/٢١٠، اللباب ١/٦٤، شجرة النور الزكية في طبقات المالكية ص٧٩".
(٢) الإبانة في أصول الديانة ص٣٠ـ٣١.
(٣) شرح الطحاوية ص٣٢٥.
[ ٤٤ ]
مكان شبه أجاب عنها أهل السنة ووضحوا بطلانها من ذلك استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ ١. على أنه - تعالى - في كل مكان ولا يخلو منه مكان فهو استدلال باطل وتفسير لكتاب الله - تعالى - بغير المراد منه فالآية: معناها إله من في السموات، وإله من في الأرض وهو على عرشه، وعلمه محيط بالعرش وما دون العرش، ولا يخلو مكان من علم الله ﷾ ولا يمكن أن يكون علمه في مكان دون مكان بل إنه - تعالى - قد أحاط بكل شيء علمًا فهذا هو المعنى الصحيح للآية.
قال الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - مبينًا بطلان استدلالهم بالآية السابقة على أن الله في كل مكان.
فقلنا لما أنكرتم أن يكون الله على العرش وقد قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٢؟ فقالوا: هو تحت الأرض السابعة كما هو على العرش فهو على العرش، وفي السموات، وفي الأرض، وفي كل مكان، ولا يخلو منه مكان، وتلوا آية من القرآن ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ فقلنا: قد عرف المسلمون أماكن كثيرة ليس فيها من عظمة - الرب - شيء فقالوا: أي مكان؟ فقلنا: أجسامكم وأجوافكم، وأجواف الخنازير والحشوش والأماكن القذرة ليس فيها من عظمة - الرب - شيء وقد أخبرنا أنه في السماء إلى أن قال - رحمه الله تعالى ـ: أليس تعلمون أن إبليس مكانه والشياطين مكانهم فلم يكن الله ليجتمع هو وإبليس في مكان واحد، وإنما معنى قول الله - جل ثناؤه - ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ ٣ يقول: هو إله من في السموات وإله من في الأرض وهو على العرش، وقد أحاط علمه بما دون العرش، ولا يخلو من علم الله مكان، ولا يكون علم الله في مكان دون مكان فذلك قوله ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ ٤.
_________________
(١) سورة الأنعام، آية: ٣.
(٢) سورة طه، آية: ٥.
(٣) سورة الأنعام، آية: ٣.
(٤) الرد على الجهمية والزنادقة ص١٣٥ـ ١٣٦ وآية رقم ١٢ من سورة الطلاق.
[ ٤٥ ]
وقال ابن كثير١: حول الآية: ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ اختلف مفسرو هذه الآية على أقوال بعد اتفاقهم على إنكار قول الجهمية.. القائلين - تعالى - عن قولهم علوًا كبيرًا بأنه في كل مكان حيث حملوا الآية على ذلك فالأصح من الأقوال أنه المدعو الله في السموات وفي الأرض أي يعبده ويوحده ويقر له بالإلهية من في السموات ومن في الأرض ويسمونه الله، ويدعونه رغبًا ورهبًا إلا من كفر من الجن والإنس، وهذه الآية على هذا القول كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ ٢.
ومن الآيات التي احتج بها الجهمية على أن الله في كل مكان قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٣.
ويقال لهم: إن معنى الآية ليس كما فهمتم منها بل معناها المراد منها أنه - تعالى - حاضر كل نجوى، ومع كل أحد من فوق عرشه بعلمه لأن علمه - سبحانه - محيط بجميع خلقه، وبصره نافذ فيهم لا يحجب علمه وبصره شيء ولا يستطيعون التواري منه بشيء وهو عالٍ على عرشه بائن من خلقه ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ ٤ لأنه - سبحانه - لا يبعد عليه شيء ولا تخفى عليه خافية في السموات ولا في الأرض فهو - سبحانه - رابعهم وخامسهم وسادسهم بعلمه المحيط بكل شيء كما بينت الآية ذلك بفاتحتها وخاتمتها"٥.
قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "إذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله حين زعم أن الله في كل مكان، ولا يكون في مكان دون مكان فقل: أليس الله كان ولا شيء؟ فيقول: نعم فقل له: حين خلق الشيء خلقه في نفسه أو خارجًا من نفسه فإنه يصير إلى ثلاثة أقوال لا بد له من واحد منها":
_________________
(١) هو: إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوّ بن درع القرشي البصري ثم الدمشقي أبو الفداء عماد الدين. حافظ، مؤرخ. فقيه. ولد سنة واحد وسبعمائة وتوفي سنة أربع وسبعين وسبعمائة هجرية. انظر ترجمته في: "طبقات المفسرين ١/١١١ـ١١٣، الدرر الكامنة١/٣٧٣، شذرات الذهب ٦/٢٣١، البدر الطالع ١/١٥٣.
(٢) تفسير القرآن العظيم ٣/٧ وآية: ٨٤ من سورة الزخرف، وانظر أضواء البيان ٢/١٦٢.
(٣) سورة المجادلة، آية: ٧.
(٤) سورة طه، آية: ٧.
(٥) الرد على الجهمية للدارمي ص١٩ مع التصرف في بعض ألفاظه.
[ ٤٦ ]
١ـ إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه كفر حين زعم أن الجن والإنس والشياطين في نفسه.
٢ـ وإن قال: خلقهم خارجًا من نفسه ثم دخل فيهم كان هذا كفرًا أيضًا حين زعم أنه دخل في مكان وحش وقذر رديء.
٣ـ وإن قال: خلقهم خارجًا من نفسه، ثم لم يدخل فيهم رجع عن قوله أجمع وهو قول أهل السنة. أ. هـ١.
كذلك استدلوا على أنه - تعالى - في كل مكان:
بما رواه الترمذي٢ في سننه من حديث الحسن٣ عن أبي هريرة ﵁ قال: "بينما نبي الله جالس في أصحابه إذ أتى عليهم سحاب فقال نبي الله ﷺ: هل تدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال هذا العنان٤ هذه روايا الأرض يسوقها الله إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه" والحديث طويل وفيه: لو أنكم دلّيتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبطتم على الله ثم قرأ ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٥. قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه، ويروى عن أيوب ويونس بن عبيد وعلي بن زيد قالوا: لم يسمع الحسن من أبي هريرة٦.
هذا الحديث أفاض البحث حوله العلامة ابن القيم وبين أن العلماء انقسموا فيه إلى طائفتين.
_________________
(١) الرد على الجهمية والزنادقة ص١٣٩.
(٢) هو: محمد بن عيسى بن سورة السلمي البوغي الترمذي أبو عيسى من أئمة علماء الحديث وحفاظه من أهل ترمذكان يضرب به المثل في حفظ الحديث. ولد سنة تسع ومائتين وتوفي سنة تسع وسبعين ومائتين هجرية. انظر ترجمته في: "التهذيب" ٩/٣٨٧، والتذكرة ٢/٦٣٣ـ٦٣٥، وفيات الأعيان ١/٤٨٤، الأعلام ٧/٢١٣.
(٣) هو: الحسن بن يسار البصري أبو سعيد تابعي، كان إمام أهل البصرة وحبر الأمة في زمنه وهو أحد العلماء الفقهاء الفصحاء الشجعان النساك. ولد سنة إحدى وعشرين، وتوفي سنة عشر ومائة هجرية. انظر ترجمته في: "تهذيب التهذيب" ٢/٢٦٣، حلية الأولياء ٢/١٣١ـ١٦١، الأعلام ٢/٢٤٢.
(٤) العنان: السحاب. النهاية ٣/٣١٣.
(٥) سورة الحديد، آية: ٣.
(٦) سنن الترمذي ٥/٧٧ـ٧٨.
[ ٤٧ ]
طائفة: قبلت الحديث على اعتبار أن سنده ثابت إلى الحسن.
وطائفة ثانية: رفضت الحديث بالكلية على اعتبار أن الحديث منقطع وأن الحسن لم ير أبا هريرة فضلًا عن أن يسمع منه، واكتشفوا فيه علة أخرى وهو أن عبد الرزاق بن همام الصنعاني رواه عن معمر عن قتادة عن النبي ﷺ فكان الحديث على هذا مرسلًا، والذين قبلوا الحديث اختلفوا في معناه على قولين:
قيل: إن المعنى يهبط على علم الله وقدرته وسلطانه إلى ما تحت التحت فلا يعزب عنه شيء وهذا القول حكاه الترمذي عن بعض أهل العلم١.
وقالت طائفة أخرى: بل هذا المعنى اسمه - تعالى - المحيط، واسمه الباطن فإنه - سبحانه - محيط بالعالم كله، وأن العالم العلوي والسفلي في قبضته كما قال تعالى: ﴿وَاللهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ ٢، وإحاطته - تعالى - تقتضي علوه وفوقيته على جميع خلقه بالذات فلو دلي بحبل لسقط في قبضته وهو فوق عرشه والحديث لم ينص على أنه يهبط على جميع ذاته فهذا لم يقله أحد البتة.
والتأويل الأول: الذي ذكره الترمذي بيّن ابن القيم أنه من تصرفات الجهمية.
قال ﵀: قال شيخنا٣: "هو ظاهر الفساد من جنس تأويلات الجهمية، بل بتقدير ثبوته، فإنما يدل على الإحاطة، والإحاطة ثابتة عقلًا ونقلًا وفطرة"٤.
فالجهمية لا دليل لهم على دعواهم التي مضمونها التنقيص لله - جل وعلا - لا من الكتاب ولا من السنة.
وإن استدلوا بآيات من القرآن فإنهم يفسرونها بغير المراد منها، وإن أتوا بأحاديث تكون غير صحيحة، وأحيانًا تكون لا وجود لها في كتب الحديث المعتمدة بالكلية، وحاصل ما تقدم أن علو الله - تعالى - على خلقه ثابت بنص الكتاب العزيز والسنة المطهرة، بل نطقت بذلك جميع الكتب السماوية المنزلة على رسله، وجميع أهل
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) سورة البروج، آية: ٢٠.
(٣) هو: شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
(٤) مختصر الصواعق المرسلة ٢/٢٧٢ - ٢٧٥. وانظر: "مجموعة الرسائل والمسائل" ٤/١٤٢.
[ ٤٨ ]
السموات ومؤمنو أهل الأرض من الجن والإنس، أتباع الرسل، وشهدت بذلك الفطر السليمة والقلوب المستقيمة التي لم تجتلها الشياطين عن دينها، كما فعلت بطائفة الجهمية الذين اتبعوا غير سبيل المؤمنين فأطاعوا الشيطان وابتعدوا عما يريده الرحمن، فجميع الخلق إلا من خذله الله يشهدون بأن خالقهم وفاطرهم، ومعبودهم الذي يألهونه، ويفزعون إليه ويدعونه رغبًا ورهبًا هو فوق كل شيء عالٍ على جميع خلقه، مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، وهو يعلم أحوالهم، ويسمع أقوالهم، ويرى حركاتهم وسكناتهم وجميع تقلباتهم، وما هم عليه لا يخفى منه خافية، ومن لم يعتقد ذلك فهو ضال عن سواء السبيل.
[ ٤٩ ]