لقد دلت السورة على أن من أسمائه - تعالى - "الوكيل".
قال تعالى: ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ .
جاء في النهاية: "في أسماء الله - تعالى - "الوكيل" هو القيم الكفيل بأرزاق العباد. وحقيقته أنه يستقل بأمر الموكول إليه، وقد تكرر ذكر "التوكل" في الحديث يقال: توكل بالأمر إذا ضمن القيام به، ووكلت أمري إلى فلان: أي ألجأته إليه واعتمدت فيه عليه ووكل فلان فلانًا إذا استكفأه أمره ثقة بكفايته، أو عجزًا عن القيام بأمر نفسه"١.
جاء في المفردات لغريب القرآن: "وكل" التوكيل: أن تعتمد على غيرك وتجعله نائبًا عنك والوكيل "فعيل" بمعنى المفعول قال تعالى ﴿وَكَفَى بِالله وَكِيلًا﴾ ٢ أي اكتف به أن يتولى أمرك ويتوكل لك وعلى هذا ﴿حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ٣ ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ٤ أي: بموكل وحافظ لهم كقوله تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ ٥ فعلى هذا قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ ٦ أي من يتوكل عنهم والتوكل يقال على وجهين:
_________________
(١) ٥/٢٢١.
(٢) سورة الأحزاب آية: ٣.
(٣) سورة آل عمران آية: ١٧٣.
(٤) سورة الأنعام آية: ١٠٧.
(٥) سورة الغاشية آية: ٢٢.
(٦) سورة الفرقان آية: ٤٣.
[ ١٥٣ ]
يقال: توكلت لفلان بمعنى توليت له، ويقال: وكلته فتوكل لي، أو توكلت عليه بمعنى اعتمدته قال ﷿: ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ١ إلى أن قال: وربما فسر الوكيل بالكفيل والوكيل أعم لأن كل كفيل وكيل وليس كل وكيل كفيل" أ. هـ٢.
وجاء في القاموس: وكل بالله يكل وأوكل واتكل استسلم إليه ووكل إليه الأمر وكلًا ووكولًا سلمه وتركه أ. هـ٣.
والذي نستفيد من هذه التعاريف اللغوية لاسم الله - تعالى ـ: "الوكيل" أنه من تُوْكَلُ إلى علمه وقدرته وحكمته أمور الخلق وشئونهم التي يعجزون عن القيام بها بأنفسهم على الرغم بما قد منحوا به من قوى محدودة الأثر، فالله - تعالى - يتوكل لهم بها ويتولاها وقد وكل - سبحانه - إلى نفسه أمر الخلق فخلق السموات والأرض ما بينهما بالحق وتكفل بذلك فأوجده على أبدع نظام وأحسن إتقان، وتكفل بما يحتاجه خلقه من المصالح التي لا طاقة لهم بالعيش إلا بوجودها وقد سبقت إرادته - سبحانه - بأنه يخلق على هذه الأرض كائنات حية لا تعيش إلا بالماء والهواء فتوكل لها من قبل أن يخلقها، بالهواء والماء كما أنه - سبحانه - توكل بجعل أجهزة محكمة للأجسام الحية وجعل كل جهاز يؤدي وظيفة خاصة ليحفظ بذلك حياة الإنسان، وتوكل - سبحانه - بالرزق للأحياء جميعًا من العاقل وغير العاقل، من المؤمن والكافر كما توكل بحفظ حياتهم ولو وكلهم إلى أنفسهم طرفة عين لهلكوا ولقد يغفل الناس عن هذه الحقيقة ويسيرون في هذه الحياة والغفلة تغشاهم حتى إذا ما نزل بهم الضر استيقظوا من غفلتهم تلك ورجعوا إلى ربهم "الوكيل" يكلون إلى قدرته ورحمته وحكمته ما عجزوا عنه من دفع البلاء عن أنفسهم.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ٤.
وما الدعاء المذكور، والمنوه عنه في هذه الآية إلا ثمرة اليقين بأن لهم ربًا قادرًا رحيمًا يكلون إليه كل ما عجزوا عن تدبيره بأنفسهم ويتوكلون عليه فيما أعجزهم أمره وأعيتهم الحيلة فيه، والإنسان مهما أوتي من القوة والعقل والذكاء والفطنة، فإنه عاجز عن
_________________
(١) سورة التغابن آية: ١٣.
(٢) ص ٥٣١.
(٣) ٤/٦٧.
(٤) سورة لقمان آية: ٣٢.
[ ١٥٤ ]
إدراك ما يخفى عليه من أمور الغيب التي استأثر الله بعلمها لا يدري كيف يقدر الله الأرزاق ولا كيف يسوق الخير ولا كيف يدفع الشر.
ولقد منح الله - تعالى - الإنسان من القوى ما يستطيع به أن يدبر الأمور الظاهرة التي تبلغها مداركه وتنالها قوته. أما ما وراء ذلك مما لا تناله قوى البشر، ولا تصل إليه مداركهم فعليهم أن يكلوه إلى "الوكيل" - سبحانه ـ.
ولذلك وجه الله نبيه محمدًا ﷺ بأن يتخذه وكيلًا يتوكل له بين أمور الرسالة وهداية الناس ودفع أذاهم عنه، ونشر الدعوة وإزالة العوائق من طريقها بما يعجز عنه ﷺ بقوة البشرية التي منحه الله إياها.
قال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ ١.
ولما أكثر المنافقون من الدس والكيد والرياء أمره الوكيل - سبحانه - أن يتوكل عليه ليكفيه أمرهم ويدفع عنه أذاهم وكل ما لا يقدر على دفعه بنفسه.
قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا﴾ ٢.
ولما حاول الكافرون فتنة الرسول ﷺ عن بعض ما أنزل الله إليه وساعدهم المنافقون على ذلك وأرادوا أن يخدعوه بقولهم إنه لو أجابهم إلى بعض ما يطلبون لآمنوا به واتبعوه نهاه "الوكيل" - سبحانه - وهو العليم بنياتهم الخبير ببواطن أمورهم - أمره باتباع الوحي الذي أنزل عليه وأن يتوكل عليه ليكفيه أمر فتنتهم ويبصره بما خفي من أمورهم العدوانية.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا. وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا﴾ ٣.
ولقد أخبرنا الله - تعالى - في كتابه الكريم أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين حين أخبرهم المنافقون بأن الكفار يجمعون لهم الناس ليحاربوهم ولينكلوا بهم لم يبالوا
_________________
(١) سورة المزمل آية: ٩.
(٢) سورة النساء آية: ٨١.
(٣) سورة الأحزاب آية: ١ - ٣.
[ ١٥٥ ]
ولم يكترثوا بل ازدادوا إيمانًا على إيمانهم بأن الله ناصرهم ومؤيدهم على طاغوت الكفر، وأيقنوا بأنهم منتصرون على عدوهم ويفوزون عليه لأنهم قد اتخذوا الله وكيلًا يتولى شؤونهم ويدبر أمر انتصارهم على كل من ناوأهم وناوأ العقيدة الإسلامية التي هي دين الله الذي لا يرتضي دينًا سواه قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ١.
ومعنى الآية: "أنهم لم يفشلوا لما سمعوا ذلك ولا التفتوا إليه بل أخلصوا لله وازدادوا طمأنينة ويقينًا. وفيه دليل على أن الإيمان يزيد وينقص. وقوله: ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ حسب مصدر حسبه: أي كفاه وهو بمعنى الفاعل: أي: محسب بمعنى كافي" أ. هـ٢.
وقال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي: عند قوله - تعالى ـ: ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ . " والشاهد من هذا أن الله - تعالى - أخبر عن نفسه الكريمة أنه خالق لجميع العالم العلوي والسفلي، وأنه على كل شيء وكيل والوكالة التامة لا بد فيها من علم الوكيل بما كان وكيلًا عليه وإحاطته بتفاصيله ومن قدرة تامة على ما هو وكيل عليه ليتمكن من التصرف فيه ومن حفظ لما هو وكيل عليه ومن حكمة ومعرفة بوجوه التصرفات ليصرفها ويدبرها على ما هو الأليق فلا تتم الوكالة إلا بذلك كله، فما نقص من ذلك فهو نقص فيها ومن المعلوم المتقرر أن الله - تعالى - منزه عن كل نقص في أي صفة من صفاته، فإخباره بأنه على كل شيء وكيل يدل على إحاطة علمه بجميع الأشياء وكمال قدرته على تدبيرها وكمال تدبيره، وكمال حكمته التي يضع بها الأشياء مواضعها" أ. هـ٣.
وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ ٤.
ففي هذه الآية الكريمة إخبار من الله - جل وعلا - بأنه الإله الحق وحده لا شريك له وهو الذي خلق كل شيء وهو الوكيل على كل شيء والوكيل كما تقدم هو من توكل إليه
_________________
(١) سورة آل عمران آية: ١٧٣.
(٢) فتح القدير للشوكاني ٢/١٦١.
(٣) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ٧/٤٢.
(٤) سورة الأنعام آية: ١٠٢.
[ ١٥٦ ]
الأمور فنعم الموكول إليه أمرنا وهو الذي يستحق أن يعبد ويقر له بالوحدانية وأنه لا إله إلا هو وأنه لا ولد له، ولا والد ولا صاحبة له ولا نظير ولا عديل ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ بمعنى حفيظ ورقيب يدبر كل ما سواه ويرزقهم ويكلؤهم بالليل والنهار.
وقد بين موسى ﵊ أن الله شهيد وحفيظ فلا يستطيع أحد أن يعمل عملًا مَّا سواء كان ذلك العمل صالحًا أو سيئًا إلا والله رقيب وشهيد عليه.
قال تعالى حاكيًا عنه ذلك بشأن العقد الذي أبرم بينه وبين صهره على رعي غنمه ثماني حجج ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ ١.
فهو - سبحانه - الموكل بالعدل بين المتعاقدين الشهيد عليهما والعليم بعقدهما وما اتفق عليه بينهما.
فهذه الآيات التي قدمنا ذكرها كلها تدل دلالة صريحة واضحة على أن الله - تعالى - هو الحفيظ لعباده يكلؤهم بحفظه آناء الليل وأطراف النهار، كما دلت على أنه رقيب وشهيد على أعمال عباده لا يخفى عليه من عملهم شيء فعلى العباد أن يتنبهوا لهذا ويفهموه علَّهم يبتعدون عما يقربهم من سخط الله - تعالى - وغضبه ويفزعون إلى ما يقربهم من رضوان الله ورحمته.
وبعد أن أوردنا الكثير من الآيات القرآنية الكريمة التي أثبتت اسمه - تعالى - "الوكيل" وبينا أنها دلت على إثبات ذلك الإسم والصفة التي تضمنها صراحة لا تقبل المراء ولا الجدال لوضوح النصوص في ذلك من الكتاب والسنة، ورغم كثرة النصوص الواردة من قرآن وسنة في إثبات اسمه - تعالى - "الوكيل" فإنه قد وجد من أهل البدع من منع إطلاقه على الله - تعالى ـ،
قال أبو الحسن الأشعري - رحمه الله تعالى ـ:
"واختلف المعتزلة في "الباري" هل يقال إنه وكيل وإنه لطيف؟ على مقالتين:
١ - فمنهم من زعم أن البارئ لا يقال: إنه وكيل وأنكر قائل هذا القول أن يقول
_________________
(١) سورة القصص آية: ٢٨.
[ ١٥٧ ]
﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ١ من غير أن يقرأ القرآن وأنكر أيضًا: أن يقال "لطيف" دون أن يوصل ذلك فيقال: لطيف بالعباد والقائل بهذا القول "عباد بن سليمان".
٢ - ومنهم من أطلق "وكيل" وأطلق "لطيف" وإن لم يقيد اهـ٢.
ونقول: للجهمية والمعتزلة إن اسمه - تعالى - "الوكيل" وما دل عليه من صفة للباري - جل وعلا - فإنه قد ثبت ذلك بالكتاب والسنة وإجماع السلف من هذه الأمة وقد أطلق الله على نفسه اسمه "الوكيل" في محكم كتابه في مواضع كثيرة من كتابه وقد قدمنا طرفًا منها، كما أطلقه عليه رسوله الكريم ﷺ في سنته المطهرة ولا يجوز القول بأن هذا الاسم لا يطلق على الله إلا عند قراءة القرآن فهذا الإسم يطلق على الله دون تقييد.
روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄ قال: ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين: ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ٣.
وروى البخاري أيضًا: عن ابن عباس قال: كان آخر قول إبراهيم حين ألقي في النار "حسبي الله ونعم الوكيل"٤.
فيقال للمعتزلة إن الرسول ﷺ وكذلك إبراهيم الخليل أطلقا اسم "الوكيل" على الله ﷾ فإبراهيم خليل الرحمن ﵊ كان آخر قوله حين ألقي في النار: "حسبي الله ونعم الوكيل" والرسول ﷺ قالها عندما أرسل أبو سفيان ناسًا فأخبروا النبي ﷺ أن أبا سفيان وأصحابه يقصدونهم فقال: "حسبنا الله ونعم الوكيل" ولم يقل: لا يطلق اسم الوكيل على الله إلا في القرآن كما قال بذلك بعض المعتزلة ولكن الآراء التي تصدر عن هوى وعن العقل السقيم غالبًا ما تلقي بأصحابها في الأخطاء التي تعارض النصوص الظاهرة المشهورة نسأل الله العافية من ذلك.
_________________
(١) جزء من الآية رقم ١٧٣ من سورة آل عمران.
(٢) مقالات الإسلاميين ١/٢٧١ - ٢٧٢.
(٣) صحيح البخاري ٣/١١٤.
(٤) المصدر السابق ورواه أحمد في مسنده ٦/٨٣، ٢١٧.
[ ١٥٨ ]