لقد دلت السورة على إثبات صفة الحكمة - للباري جل وعلا - في أول آية منها:
قال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ فاسمه - تعالى - "الحكيم" دل على صفة الحكمة - للرب ﷻ، واسمه - تعالى - "الحكيم" مأخوذ من الحكمة وله معنيان:
أحدهما: بمعنى القاضي العدل الحاكم بين خلقه بأمره الديني الشرعي وأمره الكوني القدري وله الحكم في الدنيا والآخرة.
الثاني: أنه المحكم للأمر كي لا يتطرق إليه الفساد١.
قال ابن القيم رحمة الله عليه:
الحكمة حكمتان علمية، وعملية فالعلمية الإطلاع على بواطن الأشياء ومعرفة ارتباط الأسباب بمسبباتها خلقًا وأمرًا وقدرًا، أو شرعًا.
والعملية: وضع الشيء في موضعه"٢.
قال الزجاج٣: الحاكم والحكم واحد كالواسط، والوسط وأصل الحكم المنع،
_________________
(١) النهاية لابن الأثير ١/٤١٨-٤١٩.
(٢) مدارج السالكين ٢/٤٧٨ - ٤٧٩.
(٣) هو: أبو إسحاق إبراهيم بن السري بن سهل الزجاج النحوي كان من أهل العلم بالأدب، والدين كان يخرط الزجاج في بغداد وإليه نسبته، ولد سنة إحدى وأربعين ومائتين وتوفي سنة إحدى عشرة وثلاثمائة للهجرة. انظر ترجمته في "وفيات الأعيان ١/١١، وله ترجمة في أول كتابه "أسماء الله الحسنى" تحقيق أحمد يوسف الدقاق.
[ ٧٨ ]
ومنه الحكمة لأنها تمنع الفرس من التمرد، وكذا الحكمة تمنع الرجل عن السفاهة، ومنه الحكم لأنه يمنع الخصمين عن التعدي ومنه قولهم "في بيته يؤتى الحكم"١.
فاسمه - تعالى - الحكيم من لوازمه ثبوت الغايات المحمودة المقصودة له بأفعاله ووضعه الأشياء في مواضعها وإيقاعها على أحسن الوجوه فإنكار ذلك إنكار لهذا الإسم ولوازمه، وكذلك سائر أسمائه الحسنى"٢.
"فأسماء - الرب ﵎ دالة على صفات كماله فهي مشتقة من الصفات فهي أسماء وهي أوصاف وبذلك كانت حسنى إذ لو كانت ألفاظًا لا معاني فيها لم تكن حسنى ولا كانت دالة على مدحٍ ولا كمال، ولساغ وقوع أسماء الإنتقام والغضب في مقام الرحمة والإحسان وبالعكس فيقال: "اللهم إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت المنتقم واللهم أعطني فإنك أنت الضار والمانع ونحو ذلك"٣.
فصفة الحكمة من صفاته - تعالى - القائمة به كسائر صفاته الأخرى من السمع، والبصر والقدرة، والإرادة والعلم، والحياة والكلام وهذه الحكمة هي التي أمر لأجلها وخلق لأجلها، وقدر لأجلها ﷾.
والحكمة نوعان:
أحدهما: حكمة في خلقه وهي نوعان: الأول: إحكام هذا الخلق وإيجاده في غاية الإحكام والإتقان.
الثاني: صدوره لأجل غاية محمودة مطلوبة له - جل وعلا - وهي التي أمر لأجلها، وخلق لأجلها.
النوع الثاني: الحكمة في شرعه وهي تنقسم إلى قسمين أيضًا:
الأول: كونها في غاية الإحسان والإتقان.
الثاني: صدورها لغاية مطلوبة وحكمة عظيمة يستحق عليها الحمد.
_________________
(١) تفسير أسماء الله الحسنى ص٤٣.
(٢) مدارج السالكين ١/٣١.
(٣) المصدر السابق ١/٢٨.
[ ٧٩ ]
وقد أشار إلى هذه الأنواع العلامة ابن القيم حيث قال:
والحكمة العليا على نوعين أيضًا حصلا بقواطع البرهان
إحداهما في خلقه سبحانه نوعان أيضًا ليس يفترقان
إحكام هذا الخلق إذ إيجاده في غاية الإحكام والإتقان
وصدوره من أجل غايات له وله عليها حمد كل لسان
والحكمة الأخرى فحكمة شرعه أيضًا وفيها ذلك الوصفان
غاياتها اللاّتي حمدن وكونها في غاية الإتقان والإحسان١
وأوجد كل شيء على أدق نظام، وأحكم إتقان، خلق فسوى وقدر فهدى، وخلق الإنسان في أحسن تقويم، وخلق سبع سموات طباقًا ما ترى في خلقه من تفاوت ولا فطور زين السماء الدنيا بمصابيح وجعلها رجومًا للشياطين وأنبت من الأرض نباتًا يسقى بماء واحد، ويحيط به جو واحد، وتحتضنه تربة واحدة، ولكن منه الحلو اللذيذ السائغ والمر الكريه الذي تتقزز منه النفوس، خلق من الماء كل شيء حي. ونوع الأحياء المتفقة في أصلها أنواعًا لا يدركها حصر ولا يحصيها عد، وفي كل شيء في السماء والأرض آية بينة شاهدة على إتقانه - سبحانه - لما صنع ويكفينا آية أنه خلق هذا الإنسان الذي ألهمه اختراع الكثير من الآيات والأجهزة الدقيقة، وغير ذلك من الأمور المخترعة - فسبحان ربنا - إنه هو الحكيم العليم.
وإذا نظرنا إلى تفسير اسمه - تعالى - "الحكيم" بمعنى ذي الحكمة الذي بعلمه وحكمته يضع الأشياء في مواضعها فقد وضع - الحكيم العليم سبحانه - كل شيء في الموضع الذي لا يصلح إلا له، ولا يليق إلا به، ولو اجتمع علماء الدنيا بأسرها على اختلاف تخصصهم في العلوم على أن يضعوا شيئًا مما وضعه أحكم الحاكمين في مكان خير من مكانه لضل سعيهم وباؤوا بالخسران في مسعاهم، فليفكر الإنسان في كل أعضائه فهل يجد لعضو من أعضائه مكانًا خيرًا من المكان الذي وضعه فيه أحسن الخالقين؟.
كما عليه أن يفكر في أن الله وضع للحيوان الذي يعيش في البحر أعضاء توائم حياته في الماء ووضع لحيوان البر ما يناسبه ولطير الهواء ما يلزمه، ولحشرات الأرض ما به تتم
_________________
(١) القصيدة النووية مع شرحها توضيح المقاصد وتصحيح القواعد ٢/٢٢٦.
[ ٨٠ ]
حياتها، وليس المقصود هنا حصر مظاهر حكمة الله فيما خلق من المخلوقات، وإنما نقصد بهذا أن نلفت نظر القائلين بأن الله لم يخلق الخلق لحكمة - تعالى الله - عن ذلك علوًا كبيرًا، ومن أراد الإطلاع بتوسع على مظاهر حكمة الله في خلقه "فليقلب" كتاب مفتاح دار "السعادة" لابن القيم فإنه جمع فيه من مظاهر حكمة الله في خلقه ما لا يتسع له هذا المقام. وإذا نظرنا إلى تفسير اسمه - تعالى - "الحكيم" من حكم على الشيء بأنه كذا، أو ليس كذا، فإنه لا يستطيع أحد أن يحكم على الأشياء بخواصها ومميزاتها، ومنافعها، ومضارها إلا الله - تعالى - لأنه - وحده العليم - بظواهر الأشياء وبواطنها ومزاياها ومثالبها لأنه خالقها، والعليم بأسرارها، الخبير بخفاياها فحكمه - تعالى - عليها أصدق الحكم قال تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ١.
فصفة الحكمة أثبتها الله - تعالى - لنفسه في أكثر من ثمانين موضعًا في كتابه الدال عليها اسمه - تعالى - الحكيم وهي كما قدمنا قريبًا قائمة به ﷾ كسائر صفاته الأخرى وهذا ما يجب اعتقاده في هذه الصفة.
قال تعالى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ ٢.
قال العلامة ابن كثير: أي: "العليم بكل شيء الحكيم في خلقك وأمرك، وفي تعليمك ما تشاء، ومنعك ما تشاء لك الحكمة في ذلك والعدل التام"٣.
وقال تعالى مثبتًا لنفسه صفة الحكمة المقرونة بصفة العزة: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾ ٥.
_________________
(١) سورة الملك، آية: ١٤.
(٢) سورة البقرة، آية: ٣٢.
(٣) تفسير القرآن العظيم: ١/١٢٨.
(٤) سورة البقرة، آية: ٢٠٩.
(٥) سورة آل عمران، آية: ٦.
[ ٨١ ]
وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ١.
ففي هذه الآية شهد - تعالى - لنفسه بالألوهية والوحدانية، ثم بين بأنه موصوف بالعزة والحكمة.
وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ٣.
وفي هاتين الآيتين أخبر - تعالى - عن نفسه بأنه موصوف بصفة الحكمة والعلم.
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ٤.
وفي هذه الآية الكريمة وصف الله نفسه بأنه العلي على جميع خلقه الحكيم في خلقه وتدبيره وأمره ونهيه.
والآيات الواردة في إثبات صفة الحكمة كثيرة فهو - سبحانه - حكيم في خلقه وتدبيره وأمره ونهيه وشرعه، وقدره، وأهل السنة مجمعون على أنه - تعالى - موصوف بالحكمة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى ـ:
" أجمع المسلمون على أن الله - تعالى - موصوف بالحكمة، ولكن تنازعوا في تفسير ذلك فقالت طائفة: الحكمة ترجع إلى علمه بأفعال العباد وإيقاعها على الوجه الذي أراده ولم يثبتوا إلا العلم والإرادة والقدرة.
وقال الجمهور من أهل السنة وغيرهم: بل هو حكيم في خلقه وأمره والحكمة ليست مطلق المشيئة إذ لو كان كذلك لكن كل مريد حكيمًا، ومعلوم أن الإرادة تنقسم إلى محمودة ومذمومة بل تتضمن ما في خلقه وأمره من العواقب المحمودة، والغايات المحبوبة
_________________
(١) سورة آل عمران، آية: ١٨.
(٢) سورة الأنعام، آية: ٨٣.
(٣) سورة الممتحنة، آية: ١٠.
(٤) سورة الشورى، آية: ٥١.
[ ٨٢ ]
والقول بإثبات هذه الحكمة ليس هو قول المعتزلة ومن وافقهم من الشيعة١ فقط بل هو قول جماهير طوائف المسلمين من أهل التفسير والفقه والحديث والتصوف والكلام وغيرهم فأئمة الفقهاء متفقون على إثبات الحكمة والمصالح في أحكامه الشرعية وإنما تنازع في ذلك طائفة من نفاة القدر وغير نفاته، وكذلك ما في خلقه من المنافع والحكم والمصالح لعباده معلوم" أ. هـ ٢.
وقد أنكر - سبحانه - على من نسب إلى حكمته التسوية بين المختلفين فقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ٤.
هاتان الآيتان: دلتا على أن التسوية بين المختلفين حكم سيء ينزه - الباري جل وعلا - عنه ولم ينكره - تعالى - من جهة أنه لا يكون، وإنما أنكره من جهة قبحه في نفسه، وأنه حكم سيء يتعالى ويتنزه عنه لمنافاته لحكمته وغناه وكماله، ووقوع أفعاله كلها على السداد والصواب والحكمة، فلا يليق به أن يجعل البر كالفاجر، ولا المحسن كالمسيء، ولا المؤمن كالمفسد في الأرض فدل على أن هذا قبيح في نفسه - تعالى الله - عن فعله، ومن هذا أيضًا: إنكاره - سبحانه - على من جوز أن يترك عباده سدى فلا يأمرهم ولا ينهاهم، ولا يثيبهم، ولا يعاقبهم، وإن هذا الحسبان باطل، والله متعال عنه لمنافاته لحكمته، وكماله كما قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ ٥
_________________
(١) الشيعة: هم الذين شايعوا عليًا ﵁ على الخصوص، وقالوا بإمامته وخلافته نصًا ووصية، إما جليًا، وإما خفيًا، واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج من أولاده، وإن خرجت فبظلم يكون من غيره، أو بتقية من عندهم، وقالوا: ليست الإمامة قضية مصلحية تناط باختيار العامة وينتصب الإمام بنصبهم بل هي قضية أصولية وهم فرق متعددة بعضهم يميل في الأصول إلى الإعتزال، وبعضهم إلى السنة وبعضهم إلى التشبيه. انظر: "الملل والنحل" ١/١٤٦، وانظر: "مقالات الإسلاميين" ١/٦٥ وما بعدها.
(٢) منهاج السنة النبوية ١/٣٤ - ٣٥، وانظر: الرسالة الثامنة "الإرادة والأمر ضمن مجموعة الرسائل الكبرى" ١/٣٣١ - ٣٣٢.
(٣) سورة ص، آية: ٢٨.
(٤) سورة الجاثية، آية: ٢١.
(٥) سورة القيامة، آية: ٣٦.
[ ٨٣ ]
وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: "أي مهملًا لا يؤمر ولا ينهى"١.
وقال غيره: لا يثاب ولا يعاقب، والقولان واحد لأن الثواب والعقاب غاية الأمر والنهي فهو - سبحانه - خلقهم للأمر والنهي في الدنيا والثواب في الآخرة.
فأنكر - سبحانه - على من زعم أنه يترك سدى إنكار من جعل في العقل استقباح ذلك واستهجانه وأنه لا يليق أن ينسب ذلك إلى أحكم الحاكمين، ومثله قوله - تعالى ـ: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ ٢.
فنزه نفسه - سبحانه ـ: "وباعدها عن هذا الحسبان، وأنه يتعالى عنه ولا يليق به لقبحه ولمنافاته لحكمته وملكه وإلهيته" أ. هـ٣.
فالله تعالى - لا يخلق شيئًا إلا لحكمة بالغة قد تغيب عن فهم الإنسان وقد يعييه إدراكها:
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوات وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ ٥.
وللناس في صفة الحكمة آراء ثلاثة:
١ - زعم الأشاعرة٦ والفلاسفة أن الله - تعالى - لا يفعل شيئًا لغرض وليس له غاية
_________________
(١) الأم للشافعي: ٧/٢٧١.
(٢) سورة المؤمنون، آية: ١١٥ - ١١٦.
(٣) مفتاح دار السعادة: ٢/١١ - ١٢.
(٤) سورة الدخان، آية: ٣٨ - ٣٩.
(٥) سورة ص، آية: ٢٧.
(٦) هم المنتسبون إلى أبي الحسن الأشعري، وأبو الحسن هذا مر بأطوار ثلاثة حيث نشأ في أول أمره على الإعتزال، وقد تتلمذ فيه على "أبي علي الجبائي" ثم أيقظ الله بصيرته، وهو في منتصف عمره تقريبًا وبداية نضجه، فأعلن رجوعه عن طريقة الإعتزال، ثم سلك طريقًا وسطًا بين طريقة الجدل والتأويل، وطريقة السلف، ثم محض طريقته وأخلصها لله بالرجوع الكامل إلى طريقة السلف ومن الإنصاف أن لا ينسب إليه الأشعرية، وإنما ينسبون إليه على اعتبار طوره الثاني إذن فالأشعرية غير الأشعري. أنظر في شأن الأشعرية "الملل والنحل" ١/٩٤ وما بعدها.
[ ٨٤ ]
يقصدها تكون باعثة له على فعله بل كل ما يصدر عنه - تعالى - إما بإرادة قديمة اقتضت وقوع هذا العالم على هذا النحو دون غيره وهذا قول الأشاعرة.
وإما أن يكون بتمثل النظام الكلي في علمه - تعالى - السابق مع وقته الواجب اللائق عند الفلاسفة١.
والفرق بين قول الأشاعرة والفلاسفة واضح وهو أن الفلاسفة ينفون عن الله - تعالى - القصد إلى الفعل، ويقولون بأن كل فاعل بالقصد مستكمل به وله غرض في فعله.
وأما الأشاعرة: فيقولون: بالقصد ولا يقولون بأنه مستلزم للغرض لأنهم يجوزون ترجيح القادر المختار لأحد مقدوريه بدون مرجح أصلًا ٢.
وحجة الفريقين: الفلاسفة والأشاعرة على نفي الغرض في أفعاله ﷾ بأنه لو خلق الخلق لعلة لكان ناقصًا بدونها مستكملًا بها، فإنه إما أن يكون وجود تلك العلة وعدمها بالنسبة إليه سواء، أو يكون وجودها أولى به.
فإن كان الأول امتنع أن يفعل لأجلها، وإن كان الثاني ثبت أن وجودها أولى به فيكون مستكملًا بها فيكون قبلها ناقصًا٣.
قال ابن سيناء ٤:
"تنبيه: اعلم أن الشيء الذي إنما يحسن به أن يكون عنه شيء آخر، ويكون ذلك أولى به، وأليق من أن لا يكون فإنه إذا لم يكن ما هو أولى وأحسن به مطلقًا وأيضًا لم يكن ما هو أولى وأحسن به مضافًا فهو مسلوب كمال ما يفتقر فيه إلى الكسب"٥.
وهذه الحجة التي رددها الفلاسفة والأشاعرة قام بتفنيدها شيخ الإسلام ابن تيمية وبين بطلانها ونقضها من وجوه عدة:
_________________
(١) انظر الإشارات لابن سيناء ٣/١٣١.
(٢) غاية المرام للآمدي ص٢٢٤، وانظر شرح حديث النزول ص١٧٤.
(٣) المحصل للرازي ص١٤٩، وانظر "مجموعة الرسائل الكبرى" الرسالة الثامنة الإرادة والأمر ١/٣٢٧.
(٤) هو أبي علي الحسين بن عبد الله بن سيناء المتوفى في سنة ٤٢٧ هـ.
(٥) الإشارات ٣/١٢٢.
[ ٨٥ ]
الوجه الأول: أن قولهم لو خلق الخلق لعلة لكان ناقصًا بدونها مستكملًا بها منقوض بنفس ما يفعله من المفعولات، فإنه يمكن أن يقال: فيها أيضًا إما أن يكون وجودها وعدمه بالنسبة إليه سواء أو لا يكون، فإن كان الأول امتنع صدورها عنه، وإن كان الثاني كان مستكملًا بها فما كان جوابًا في المفعولات كان جوابًا عن هذا ونحن لا نعقل في الشاهد فاعلًا إلا مستكملًا بفعله.
الوجه الثاني: أن مقتضى الكمال أن يكون - الباري - لا يزال قادرًا على الفعل بحكمة فلو قدر كونه غير قادر على ذلك لكان نقصًا.
الوجه الثالث: قول القائل إنه مستكمل بغيره باطل، فإن ذلك إنما حصل بقدرته ومشيئته لا شريك له في ذلك فلم يكن في ذلك محتاجًا إلى غيره، وإذا قيل كمل بفعله الذي لا يحتاج فيه إلى غيره كان كما قيل: كمل بذاته، أو صفاته فهو مثلًا إذا فرح بتوبة عبده التائب وأحب من تقرب إليه بالنوافل ورضي عن السابقين الأولين، ونحو ذلك لم يجز أن يقال: إنه مفتقر في ذلك إلى غيره، أو مستكمل بسواه، فإنه هو الذي خلق هؤلاء وهداهم وأقدرهم حتى فعلوا ما يحبه ويرضاه ويفرح به.
الوجه الرابع: قول القائل كان قبل ذلك ناقصًا إن أراد به عدم ما تجدد، فلا نسلم أن عدمه قبل ذلك الوقت الذي اقتضت الحكمة وجوده فيه، يكون ناقصًا، وإن أراد بكونه ناقصًا معنى غير ذلك فهو ممنوع بل يقال عدم الشيء في الوقت الذي لم تقتض الحكمة وجوده فيه كمال أيضًا، فليس عدم كل شيء نقصًا، بل عدم ما لا يصلح وجوده وهو النقص كما أن وجود ما لا يصلح وجوده نقص، فتبين أن وجود هذه الأمور حين اقتضت الحكمة عدمها هو النقص لا أن عدمها هو النقص١ فهذه حجة الفلاسفة والأشعرية قد نقضها شيخ الإسلام ابن تيمية وهي حجة فلسفية بحتة سرعان ما انهارت أمام مناقشتها بما أورد عليها من الوجوه القوية التي تبين أن الله - تعالى - موصوف بالحكمة.
٢ - المذهب الثاني: مذهب المعتزلة: وهم يثبتون لله - تعالى - الحكمة في خلقه وفي أمره غير أنهم لا يقولون إنها صفة قائمة بذاته - تعالى - بل يقولون: إنها مخلوقة منفصلة عنه، فيزعمون مثلًا أن الحكمة في وجود الخلق هو الإحسان إليهم والحكمة في
_________________
(١) مجموعة الرسائل والمسائل: ٥/١٦٢ـ ١٦٣.
[ ٨٦ ]
تكليفهم هو أنهم يعرضون للثواب ويقولون: إن الإحسان إلى الغير حسن محمود في العقل فخلق الله الخلق لهذه الحكمة من غير أن يعود عليه هو من ذلك مصلحة١ وهذا المذهب المعتزلي بين شيخ الإسلام بأنه متناقض لأن الإحسان إلى الغير إنما كان محمودًا لكونه يعود منه إلى فاعله حكم يحمد لأجله إما لتكميل نفسه بذلك، وإما لرقة وألم يجده في نفسه يدفع بذلك الإحسان الألم، وإما لالتذاذه وسروره وفرحه بالإحسان فإن نفس الكريمة تفرح وتسر وتلتذ بالخير الذي يحصل منها إلى غيرها، فالإحسان إلى الغير محمود لكون المحسن يعود إليه من فعله هذه الأمور حكم يحمد لأجله.
أما إذا قدر أن وجود الإحسان وعدمه بالنسبة إلى الفاعل سواء لم يعلم أن هذا الفعل يحسن منه، بل مثل هذا يعد عبثًا في عقول العقلاء وكل من فعل فعلًا ليس لنفسه لذة ولا مصلحة ولا منفعة بوجه من الوجوه لا عاجلة ولا آجلة كان عبثًا، ولم يكن محمودًا على هذا. ولذلك لم يأمر الله - تعالى - ولا رسوله ﷺ ولا أحد من العقلاء أحدًا بالإحسان إلى غيره ونفعه إلا لما في ذلك من المنفعة والمصلحة وإلا فأمر الفاعل بفعل لا يعود إليه منه لذة ولا سرور، ولا منفعة ولا فرح بوجه من الوجوه لا في العاجل ولا في الآجل لا يستحسن من الآمر ٢.
٣ - المذهب الثالث: مذهب عبد الله بن كلاب٣ وأتباعه:
فهذا الرجل وأتباعه يثبتون حكمة وغاية قائمة بذاته - تعالى - ولكنهم يقولون: بأنها قديمة غير ملازمة للمفعول، ويزعمون أن إرادة الله وحبه ورضاه وغضبه وسخطه ورحمته وكرمه وغير ذلك قديم فهو - سبحانه - لم يزل راضيًا عمن علم أنه يموت مؤمنًا، ولم يزل ساخطًا على من مات كافرًا.
وهذا القول باطل: لأن الله - تعالى - إذا كان راضيًا في أزله ومحبًا وفرحًا بما يحدثه قبل أن يحدثه، فإذا أحدثه هل حصل له بإحداثه حكمة يحبها ويرضاها ويفرح بها، أو لم
_________________
(١) مجموعة الرسائل والمسائل ٥/٢٩١. ط: دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان - المحصل للرازي ص٢٠٥ - ٢٠٦.
(٢) مجموعة الرسائل الكبرى" الرسالة الثامنة الإرادة والأمر" ١/٣٣٢.
(٣) هو: عبد الله بن سعيد التميمي البصري رأس الطائفة الكلابية توفي سنة أربعين ومائتين هجرية، انظر ترجمته في: "طبقات الشافعية الكبرى" لابن السبكي ٢/٢٩٩.
[ ٨٧ ]
يحصل إلا ما كان في الأزل فإن قالوا إنه لم يحصل إلا ما كان في الأزل، قبل ذلك كان حاصلًا بدون ما أحدثه من المفعولات فامتنع أن تكون المفعولات قد فعلت لكي يحصل ذاك فقولهم: "هذا يتضمن أن المفعولات تحدث بلا سبب يحدثه الله، كذلك يتضمن أن الله يفعلها بلا حكمة يحبها ويرضاها"١.
فهذه المذاهب الثلاثة كما رأينا ليس عند أصحابها أدلة قوية تثبت أقوالهم في صفة الحكمة، بل كلها انتحالات فلسفية مبنية على شفا جرف هاوٍ كلها انهارت بما أورد عليها من مناقشات صارمة فلم يبق إذن إلا المذهب الحق الصحيح وهو ما عليه أهل السنة الذي شهدت له النصوص الكثيرة من أن لله - تعالى - حكمة تتعلق به يحبها ويرضاها ويفعل لأجلها فهو - سبحانه - وتعالى يفعل ما يفعل لحكمة يعلمها وهو يعلِّم العباد أو بعضهم من حكمته ما يطلعهم عليه وقد لا يعلمون ذلك والأمور العامة التي يفعلها تكون لحكمة عامة ورحمة عامة كإرساله محمدًا ﷺ فإنه كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ٢ ولو قال إنسان: ما رسالة النبي ﷺ تضررت منها طوائف كثيرة من الناس كالذين كذبوه من أهل الكتاب والمشركين فالرد على هذا أنهم انتفعوا بحسب الإمكان حيث أضعف شرهم الذي كانوا يعملونه ولولا الرسالة بإظهار الحجج القاطعة، والآيات البينة التي زلزلت ما في قلوبهم، وبالجهاد والجزية صاروا أذلاء صاغرين لكان شرهم أشد وأعظم والضرر الذي حصل لهم شيء يسير بجانب ما حصل لهم من النفع الكثير، ومثل ذلك كنزول المطر الذي يعم نفعه البلاد والعباد، ويحصل منه خراب بعض البيوت، أو حبس بعض المسافرين والمكتسبين فما كان نفعه ومصلحته عامة كان خيرًا مقصودًا ورحمة محبوبة ولو تضرر به بعض الناس فكل ما حدث في الوجود من الضرر لا بد أن يكون فيه حكمة كما قال - سبحانه - ﴿صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ٣، وكما قال - سبحانه ـ: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ ٤ والضرر الذي تحصل به حكمة مطلوبة لا يكون شرًا مطلقًا، وإن كان شرًا بالنسبة إلى من تضرر به، ولهذا لا يأتي في كلام الله وكلام رسوله إضافة الشر وحده إلى الله وإنما يذكر على أحد وجوه ثلاثة:
_________________
(١) مجموعة الرسائل والمسائل ٥/١٦٤.
(٢) سورة الأنبياء، آية: ١٠٧.
(٣) سورة النمل، آية: ٨٨.
(٤) سورة السجدة، آية: ٧.
[ ٨٨ ]
الوجه الأول: أن يكون داخلًا في عموم المخلوقات فإذا دخل في العموم أفاد عموم القدرة والمشيئة والخلق وتضمن ما اشتمل عليه من حكمة تتعلق بالعموم وذلك مثل قول الله - تعالى - ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ١.
الوجه الثاني: أن يكون مضافًا إلى السبب كقوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ ٣.
الوجه الثالث: أن يحذف فاعله ومثال ذلك قول الجن ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ ٤ولم ينكر صفة الحكمة بالكلية إلا الجهمية فإنهم أصروا على قولهم بأنه - تعالى - خلق المخلوقات وأمر بالمأمورات لا لعلة ولا لداع ولا لباعث بل فعل ذلك لمحض المشيئة وصرف الإرادة، قال العلامة ابن القيم مبينًا مذهبهم الفاسد.
وكذلك قالوا ما له من حكمة هي غاية للأمر والإتقان
ما ثم غير مشيئة قد رجحت مثلًا على مثل بلا رجحان٥
والنافون للحكمة والتعليل ليس معهم دليل من كتاب أو سنة، أو إجماع فنفيهم صفة الحكمة مخالف للكتاب والسنة والإجماع والعقل الصحيح والفطرة المستقيمة.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "وجمهور الأمة يثبت حكمته - سبحانه - والغايات المحمودة في أفعاله فليس مع النفاة سمع ولا عقل ولا إجماع بل السمع والعقل والإجماع والفطرة تشهد ببطلان قولهم والله الموفق للصواب وجماع ذلك أن كمال - الرب - وجلاله وحكمته وعدله ورحمته وقدرته وإحسانه وحمده ومجده وحقائق أسمائه الحسنى تنفي ذلك وتشهد ببطلانه"٦.
_________________
(١) سورة الرعد، آية: ١٦.
(٢) سورة الفلق، آية: ٢.
(٣) سورة آل عمران، آية: ١٦٥.
(٤) مجموعة الرسائل الكبرى ١/٣٣٥ - ٣٣٧ والآية رقم: ١٠ من سورة الجن.
(٥) القصيدة النونية مع شرحها "توضيح المقاصد وتصحيح القواعد" ١/٦٤ - ٦٥.
(٦) شفاء العليل ص٢٠٤.
[ ٨٩ ]
والذي نخلص إليه مما تقدم أن الله - تعالى - موصوف بالحكمة وأن كل شيء خلقه أو أمر به فيه حكمة عظيمة، وحتى ما ينزل بالمخلوق من الشر لا يخلو من حكمة الله التي تبهر العقول وتزيد المؤمن إيمانًا كما تبين صدق ما أخبر به الله - تعالى - ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ ١.
_________________
(١) سورة فصلت، آية: ٥٣.
[ ٩٠ ]