لقد ذكر في السورة بعض صفات أهل النار، وكما هو معلوم أنه ينبغي للمسلم أن يكون على علم ومعرفة لصفاتهم حتى يجتنبها ويبتعد عن التخلق بها حتى لا يقع فيها دون أن يدري ومن صفات أهل النار التي ذكرت في السورة:
أـ شدة ظلمهم واختلاقهم الكذب على الله والإفتراء عليه بنسبة الولد إليه، أو يجعلون له الأنداد والشركاء، أو يعبدون معه غيره من المخلوقين بدعوى أنه يقربهم إلى الله زلفى.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكَافِرِينَ﴾ .
فهذه الآية من السورة إلى جانب أنها بينت صفات يتخلق بها أهل النار إلا أنها أيضًا:
تضمنت التحذير والإخبار بأنه لا أظلم ممن كذب على ربه بنسبته إلى ما لا يليق بجلاله، أو بادعاء النبوة أو الإخبار بأنه - تعالى - قال: كذا: أو أخبر بكذا: وهو كاذب فهذا يدخل في عموم قوله - تعالى - ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ١ إن كان جاهلًا أما إن كان عالمًا فهو أشنع وأفظع.
كما بينت أن من يرد الحق المؤيد بالبينات بتكذيبه فإنه ظلم عظيم لأنه رد للحق بعد تبينه، والذي يجمع بين الكذب على الله والتكذيب بالصدق كان ظلمًا على ظلم، وجزاء من يتسم بذلك جهنم ولذلك ختم الله الآية بقوله: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكَافِرِينَ﴾ فهي مقام ومستقر كل ظالم وكافر ينال جزاءه على عمله بها.
_________________
(١) سورة الأعراف آية: ٣٣.
[ ٦٣٨ ]
وجاء في زاد المسير: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ﴾ بأن ادعى له ولدًا وشريكًا ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ وهو التوحيد والقرآن ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكَافِرِينَ﴾ أي: مقام للجاحدين وهذا استفهام بمعنى التقرير يعني إنه كذلك اهـ١.
وقال ابن كثير: حول قوله - تعالى - ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ .
يقول ﷿ مخاطبًا للمشركين الذين افتروا على الله وجعلوا معه آلهة أخرى وادعوا أن الملائكة بنات الله وجعلوا لله ولدًا - تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا ـ، ومع هذا كذبوا بالحق إذ جاءهم على ألسنة رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ولهذا قال ﷿ ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ أي لا أحد أظلم من هذا لأنه جمع بين طرفي الباطل كذب على الله وكذّب رسول الله ﷺ قالوا: الباطل وردوا الحق ولهذا قال جلت عظمته متوعدًا لهم: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكَافِرِينَ﴾؟ وهم الجاحدون المكذبون" اهـ٢
ب - ومن صفات أهل النار القبيحة التي ورد ذكرها في السورة.
أنهم حينما يذكر - الباري جل وعلا - تشمئز قلوبهم، وتتقزز نفوسهم وتنقبض صدورهم، وينفرون من التذكير لأنهم لا يؤمنون بالمعاد ولا يخافون سوء الحساب.
قال تعالى مبينًا هذه الصفة الذميمة: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ .
فهذه الآية الكريمة من السورة أوضحت أن أهل النار حينما يذكر عندهم الباطل وأهله من الأصنام والطواغيت فإنهم يبتهجون ويفرحون وتطفح وجوههم بالبشر والسرور والبهجة، وتجدهم يغضبون على من يتنقصها وينتقمون منه بأنواع الإيذ اء.
قال ابن جرير رحمه الله تعالى حول هذه الآية:
"يقول تعالى ذكره: وإذا أفرد الله جل ثناؤه بالذكر، فدعي وحده وقيل "لا إله إلا الله" اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالمعاد والبعث بعد الممات وعنى بقوله ﴿اشْمَأَزَّتْ﴾:
_________________
(١) ٧/١٨٢.
(٢) تفسير القرآن العظيم ٦/٩٢ - ٩٣.
[ ٦٣٩ ]
نفرت من توحيد الله ﴿وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ يقول: وإذا ذكر الآلهة التي يدعونها من دون الله مع الله فقيل: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتها لترتجى١ إذا الذين لا يؤمنون بالآخرة يستبشرون بذلك ويفرحون" اهـ٢.
جـ - ومن صفات أهل النار التي ذكرت في السورة الإستكبار عن الإيمان بآيات الله والترفع عنها، وعدم الإذعان والإنقياد لها.
قال تعالى: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ * وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ .
وهاتان الآيتان من السورة بين الله - تعالى - فيهما أن الإستكبار عن الحق، والتكبر على الخلق من موجبات النار.
قال ابن رجب ﵀ تعالى ـ: "وأما المستكبر فهو الذي يتعاطى الكبر على الناس والتعاظم عليهم، وقد قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ اهـ٣.
فقوله - تعالى ـ: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ تضمنت ثلاث صفات كلها بلغت النهاية في القبح، وتدل على شناعة الإستكبار، فالمستكبر يقع بين أقبح الجرائم على الإطلاق، وهما التكذيب بآيات الله وهو كفر، ثم الكفر الصريح دل على ذلك قوله تعالى ﴿وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ .
وأما قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ .
فقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ﴾ كلمة شاملة يدخل فيها من كذب على الله بادعاء الولد، أو الشريك، أو الصاحبة، أو المعبود الذي يزعمون أنه يقرب إلى الله أو يشفع عنده، أو يزعم أن الله حرم شيئًا، أو أحل شيئًا - خلاف ما جاء به دينه الحنيف كتحريم البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحامي التي كان يفتريها المشركون على الله بغير علم.
_________________
(١) كأنه يشير إلى قصة الغرانيق وهي قصة باطلة انظر كتاب "نصب المنجانيق لنسف قصة الغرانيق" للألباني.
(٢) جامع البيان ٢٤/١٠.
(٣) التخويف من النار ص١٩٨.
[ ٦٤٠ ]
قال أبو عبد الله القرطبي: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ أي: مما أحاط بهم من غضب الله ونقمته١.
فوجوه أهل النار يوم القيامة تسود وتكون مغطاة بالسواد كما قال تعالى في موضع آخر: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ٢.
وكقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ٣.
وقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ بين - سبحانه - أن الكبر من أقبح الصفات الذميمة التي تجعل من جهنم مثوى ومستقرًا لمن تخلق به وقد بين النبي ﷺ معنى الكبر بقوله: "الكبر بطر الحق وغمط الناس" ٤.
قال النووي: "بطر الحق: دفعه ورده على قائله، وغمط الناس: احتقارهم" اهـ٥.
وصفات أهل النار التي تقدم ذكرها كما قلنا سابقًا إنما هي بعض صفاتهم التي وردت في السورة، وإلا فلهم صفات أخرى ذكرت في غيرها من سور القرآن وفي السنة المطهرة. مثل النفاق فإنه صفة من صفات أهل النار.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا﴾ ٦.
ومثل ترك الصلاة وعدم إطعام المساكين والتكذيب بالرجوع إلى الله - تعالى - ولقد أخبر - تعالى - أن أهل الجنة يسألون أهل النار عن السبب الذي دخلوا به النار بقوله تعالى:
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن ١٥/٢٧٥.
(٢) سورة آل عمران آية: ١٠٦.
(٣) سورة يونس آية: ٢٧.
(٤) رواه مسلم في صحيحه ١/٩٣ من حديث ابن مسعود ﵁.
(٥) رياض الصالحين ص٢٨٥.
(٦) سورة النساء آية: ١٤٥.
[ ٦٤١ ]
﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ١.
ومثل الطغيان، وحب الدنيا وإيثارها على الآخرة، فإن ذلك من صفات أهل النار.
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ ٢. إلى غير ذلك من الصفات الذميمة الكثيرة التي يصعب حصرها هنا، وكما بين القرآن صفات أهل النار كذلك بين النبي ﷺ صفاتهم، فقد قال ﵊ "وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زبر له، الذين هم فيكم تبعًا لا يتبعون أهلًا ولا مالًا، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك" وذكر البخل أو الكذب و"الشنظير الفحاش"٣. ففي هذا الحديث قسم النبي ﷺ أهل النار خمسة أصناف.
الصنف الأول:
الضعيف الذي لا زبر له، ويعني بالزبر القوة والحرص على ما ينتفع به صاحبه في الآخرة من التقوى والعمل الصالح.
الصنف الثاني:
الخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه، أي يعني لا يقدر على خيانة ولو كانت حقيرة يسيرة إلا بادر إليها واغتنمها، ويدخل في ذلك التطفيف في المكيال والميزان وكذلك الخيانة في الأمانات القليلة كالودائع وأموال اليتامى وغير ذلك وهو خصلة من خصال النفاق، ويدخل في الخيانة من خان الله ورسوله في ارتكاب المحارم سرًا مع إظهار اجتنابها.
الصنف الثالث:
المخادع الذي دأبه صباحًا ومساءًا مخادعة الناس على أهليهم وأموالهم، والخداع
_________________
(١) سورة المدثر آية: ٤٢ - ٤٦.
(٢) سورة النازعات آية: ٣٧ - ٣٩.
(٣) رواه مسلم في صحيحه من حديث عياض بن حمار المجاشعي ٤/٢١٩٨ - ٢١٩٩.
[ ٦٤٢ ]
من أوصاف المنافقين كما وصفهم الله - تعالى - بذلك، والخداع معناه إظهار الخير وإضمار الشر لفصد التوصل إلى أموال الناس وأهاليهم والانتفاع بذلك، وهو من جملة المكر والحيل المحرمة، بنص الشارع.
الصنف الرابع:
الكذب والبخل، ولم يحفظ الراوي ما قال النبي ﷺ في هذا حفظًا جيدًا، والكذب والبخل خصلتان.
والكذب والبخل كلاهما ينشأ عن الشح، والشح هو شدة حرص الإنسان على ما ليس له من الوجوه المحرمة، وينشأ عنه البخل وهو إمساك الإنسان ما في يده والامتناع عن إخراجه في وجوهه التي أمر بها، فالمخادع الذي سبق ذكره هو الشحيح وهذا الصنف هو البخيل، فالشحيح أخذ المال بغير حقه والبخيل منعه من حقه، وينشأ عن الشح أيضًا: الكذب والمخادعة، والتحيل على ما لا يستحقه الإنسان بالطرق الباطلة المحرمة قال ﷺ: "إن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار" ١.
وفي مسند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو قال: سئل النبي ﷺ ما عمل أهل النار؟ قال: "الكذب، إذا كذب - العبد - فجر، وإذا فجر كفر، وإذا كفر دخل النار" ٢.
الصنف الخامس:
الشنظير: وقد فسر بالسيء الخلق، والفحاش هو الفاحش المتفحش وفي حديث عائشة عن النبي ﷺ قال: "إن من شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من تركه الناس اتقاء فحشه"٣.
وروى الترمذي عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ "إن الله ليبغض الفاحش البذيء" ٤.
والبذيء الذي يجري لسانه بالسفه ونحوه من لغو الكلام.
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه ٤/٦٥، ورواه مسلم أيضًا في صحيحه ٤/٢٠١٣، كلاهما من حديث ابن مسعود.
(٢) ٢/١٧٦.
(٣) رواه البخاري في صحيحه ٤/٧٠، ومسلم ٤/٢٠٠٢، كلاهما من حديث عائشة ﵂.
(٤) السنن ٣/٢٤٤.
[ ٦٤٣ ]
وروى الإمام أحمد في مسنده عن النبي ﷺ قال: "حسب الرجل أن يكون فاحشًا بذيئًا بخيلًا جبانًا" ١ فالفاحش هو الذي يفحش في منطقه ويستقبل الرجال بقبيح الكلام من السب ونحوه ويأتي في كلامه بالسخف وما يفحش ذكره"اهـ٢.
ومن صفات أهل النار التي وضحها النبي ﷺ مخالفتهم الحق بعد معرفتهم له، وقد يأمرون به ولا يفعلونه، ويرتكبون المنكر وهم يعرفون أنه منكر، وقد ينهون عنه مراءاة للناس وتعمية لأفعالهم روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أسامة بن زيد رضي الله - تعالى - عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقوله: "يجاء برجل فيطرح في النار فيطحن فيها كما يطحن الحمار برحاء فيطيف به أهل النار فيقولون: أي فلان ألست كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: كنت آمر بالمعروف ولا أفعله، وأنهى عن المنكر وأفعله" ٣.
وفيهما من حديث حارثة بن وهب عن النبي ﷺ قال: "ألا أخبركم بأهل النار كل عتل جواظ مستكبر" ٤.
قال النووي: العتل: الغليظ الجافي، والجواظ: هو الجموع المنوع وقيل: الضخم المختال في مشيته، وقيل: القصير البطين. أ. هـ٥.
وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "قال الله ﷿ العز إزاره والكبرياء رداؤه فمن ينازعني عذبته" ٦.
فالمستكبر يعرض نفسه للذل والهوان فالذي يتعالى على الناس ويتعاظم عليهم فعاقبة عمله ذلك أنه يذل ويهان بسبب تعاظمه وتعاليه على الناس، ومنازعته ربّه فيما
_________________
(١) ٤/١٤٥ من حديث عقبة بن عامر رضي الله - تعالى عنه ـ.
(٢) التخويف من النار لابن رجب ص٢٠٤.
(٣) صحيح البخاري مع الفتح ١٣/٤٨، ومسلم ٤/٢٢٩٠ - ٢٢٩١.
(٤) صحيح البخاري مع الفتح ٨/ ٦٦٢، ومسلم ٤/٢١٩٠.
(٥) رياض الصالحين ص: ١٣١.
(٦) ٤/٢٠٢٣.
[ ٦٤٤ ]
يختص به من الصفات كما قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ ١.
هذه عقوبة المتكبر الشنيعة التي يجازى بها بعد الرجوع إلى الله - جل وعلا ـ.
ومن صفات أهل النار التي بينها النبي ﷺ اتباعهم الشهوات روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "حجبت الجنة بالمكاره وحجبت النار بالشهوات" ٢.
وعند مسلم "حفت الجنة بالمكاره وحجبت النار بالشهوات" ٣.
"المكاره كل ما يشق على النفس فعله ويصعب عليها عمله كالطهارة في السبرات وغيرهما من أعمال الطاعات، والصبر على المصائب وجميع المكروهات.
"والشهوات كل ما يوافق النفس ويلائمها وتدعو إليه ويوافقها وأصل الحفاف الدائر بالشيء المحيط به الذي لا يتوصل إليه إلا بعد أن يتخطى فمثّل ﷺ المكاره والشهوات بذلك، فالجنة لا تنال إلا بقطع مفاوز المكاره، والصبر عليها، والنار لا ينجو منها إلا بترك الشهوات وفطام النفس عنها" ٤.
وروى الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "تحاجت الجنة والنار فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم" ٥.
قال الله ﷿ للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي وقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي ولكل واحدة منكما ملؤها.
وأما النار فلا تمتلئ حتى يضع عليها رجله فتقول: "قط٦، قط، فهنالك تمتلئ
_________________
(١) سورة الأحقاف آية: ٢٠.
(٢) صحيح البخاري مع الفتح ١١/٣٢٠.
(٣) ٤/٢١٧٤.
(٤) التذكرة للقرطبي ص٣٥٩ - ٣٦٠.
(٥) سقطهم: أي ضعفاؤهم والمحتقرون منهم. شرح النووي ١٧/١٨١.
(٦) قط قط: بمعنى: حسب وتكرارها للتأكيد. النهاية لابن الأثير ٤/٧٨.
[ ٦٤٥ ]
ويزوي بعضها إلى بعض، ولا يظلم من خلقه أحدًا، وأما الجنة فإن الله ينشىء لها خلقًا"١.
وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت٢ المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا" ٣.
وأعمال أهل النار وصفاتهم كثيرة جدًا وقد استوفى الكثير منها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى٤.
_________________
(١) صحيح البخاري مع الفتح ١٣/٤٣٤، صحيح مسلم ٤/٢١٨٦، واللفظ له.
(٢) معناه: "أنهن يعظمن رؤوسهن بالخمر والعمائم وغيرها مما يلف على الرأس حتى تشبه أسنمة الإبل البخت" شرح النووي ١٧/١٩١.
(٣) صحيح مسلم ٤/٢١٩٢.
(٤) مجموع الفتاوى ١٠/٤٢٣ - ٤٢٤.
[ ٦٤٦ ]