لقد بينت السورة أن المتقين هم الذين يرثون أرض الجنة، وأنهم ينزلون منها حيث يشاؤون ويسكنون منها منازل حيث يحبون ويشتهون وأنهم عندما يشاهدون الجنة وما فيها من النعيم يحمدون ربهم ويثنون عليه، وينوهون بصدق وعده لهم.
قال تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لله الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ .
فالمراد بالأرض في قوله ﴿وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ﴾ هي: أرض الجنة.
قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ﴾ قال: أرض الجنة وبهذا قال السدي وابن زيد وقتادة وأبو العالية١ وأبو صالح٢.
وقال البغوي: ﴿وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ﴾ أي: أرض الجنة وهو قوله ﷿: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ ٣.
"وقال ابن قتيبة٤: " ﴿وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ﴾ أي: "أرض الجنة"٥.
_________________
(١) أبو العالية: رفيع بن مهران الرياحي البصري عالم بالقرآن توفي سنة إحدى عشرة ومائة هجرية. انظر ترجمته في: "طبقات الحفاظ للسيوطي ص٢٩، تذكرة الحفاظ للذهبي ١/٦١، تهذيب التهذيب ٣/٢٨٤".
(٢) جامع البيان ٢٤/٣٧، تفسير القرآن العظيم ٦/١١٦.
(٣) تفسير البغوي على حاشية تفسير الخازن ٦/٧٢ والآية رقم ١٥٠ من سورة الأنبياء.
(٤) هو عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري أبو محمد من أئمة الأدب، ومن المصنفين المكثرين. ولد ببغداد وسكن الكوفة، ثم ولي قضاء الدينورة مدة فنسب إليها. ولد سنة ثلاث عشرة ومائتين وتوفي سنة ست وسبعين ومائتين هجرية. انظر ترجمته في: وفيات الأعيان ١/٢٥١، الميزان ٢/٥٠٣، الأعلام ٤/٢٨٠.
(٥) تفسير غريب القرآن ص ٣٨٤.
[ ٦٧٠ ]
وقال القرطبي: ﴿وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ﴾ أي: أرض الجنة١.
وبعض أهل العلم يرى أن المراد بالأرض أرض الجنة التي كانت لأهل النار لو دخلوها.
وقال ابن جرير ﴿وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ﴾ يقول: "وجعل أرض الجنة التي كانت لأهل النار لو كانوا أطاعوا الله في الدنيا فدخلوها ميراثًا لنا"٢.
ولعل مستندهم في حمل الآية على هذا قوله ﷺ: "ما منكم من أحد إلا له منزلان: منزل في الجنة، ومنزل في النار فإذا مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزله، فذلك قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ ٣.
قال الحافظ بعد أن ذكر هذا الحديث: "وقال جمهور المفسرين: في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لله الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ﴾ الآية. المراد بأرض الجنة التي كانت لأهل النار لو دخلوا الجنة وهو موافق لهذا الحديث"٤.
أقول:
كون الحديث دل على أن لكل أحد منزلًا في الجنة ومنزلًا في النار هذا مما لا نزاع فيه بل يجب على كل امرئ الإيمان بذلك إلا أن حمل الآية عليه غير صواب لأن أهل الجنة يرثون من الجنة منازلهم المعدة لهم بسبب أعمالهم وتقواهم كما قال ﷿: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون﴾ ٥.
وعلى سبيل الفرض أن أهل الجنة يرثون منازل أهل النار وأن قصر الآية على ذلك يوهم أنهم ليس لهم في الجنة إلا ما أورثوا من منازل أهل النار والواقع من خلال النصوص يخالف ذلك. قال تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ ٦.
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن ١٥/٢٨٧.
(٢) جامع البيان ٢٤/٣٧.
(٣) رواه ابن ماجة من حديث أبي هريرة ﵁ ٢/١٤٥٣.
(٤) الفتح ١١/٤٤٢.
(٥) سورة الأعراف آية: ٤٣.
(٦) سورة مريم آية: ٦٣.
[ ٦٧١ ]
وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ١.
فهذه صفات وشروط الإرث للفردوس الأعلى فمن أحرز هذه الصفات وتمثل بها كان من سكانها بعد رحمة الله تعالى.
وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٢.
فهذه الآيات وأشباهها بينت أن سبب إرث أهل الجنة للجنة هو تقواهم لربهم وما قدموا من الأعمال الصالحة في دنياهم ومما ينبغي أن يعلم أن العمل لا يكفي مستقلًا في دخول الجنة بل لابد من رحمة الله - تعالى - بعد ذلك.
روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لن يدخل أحدًا منكم عمله الجنة" قالوا: ولا أنت يا رسول الله. قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه بفضله ورحمته".
وفيه أيضًا: من حديث عائشة ﵂ أنها كانت تقول: قال رسول الله ﷺ: "سددوا وقاربوا وأبشروا فإنه لن يدخل الجنة أحدًا عمله" قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمة، واعلموا إن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قلّ".
ومن حديث جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يدخل أحدًا منكم عمله الجنة ولا يجيره من النار ولا أنا إلا برحمة من الله" ٣.
فهذه الأحاديث تدل على أن العمل لا يكفي وحده لدخول الجنة بل الدخول فيها يكون برحمة الله - تعالى - وفضله مع مراعاة جانب العمل.
_________________
(١) سورة المؤمنون آية: ١ - ١٠.
(٢) سورة الزخرف آية: ٧٢.
(٣) انظر هذه الأحاديث الثلاثة في "صحيح مسلم" ٤/٢١٧٠ - ٢١٧١.
[ ٦٧٢ ]
قال النووي: "وفي ظاهر هذه الأحاديث دلالة لأهل الحق أنه لا يستحق أحد الثواب والجنة بطاعة وأما قوله - تعالى - ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ١ ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٢ ونحوهما من الآيات الدالة على أن الأعمال يدخل بها الجنة فلا يعارض هذه الأحاديث بل معنى الآيات أن دخول الجنة بسبب الأعمال، ثم التوفيق للأعمال والهداية للإخلاص فيها وقبولها برحمة الله - تعالى - وفضله فيصح أنه لم يدخل بمجرد العمل وهو مراد الأحاديث، ويصح أنه دخل بالأعمال أي: بسببها وهي من الرحمة والله أعلم"٣.
وقال العلامة ابن القيم ﵀ تعالى ـ: "الأعمال أسباب لا أعواض وأثمان والذي نفاه النبي ﷺ في الدخول بالعمل هو نفي استحقاق العوض ببذل عوضه فالمثبت باء السببية والمنفي باء المعاوضة والمقابلة وهذا فصل الخطاب في هذه المسألة" اهـ٤.
وهكذا جمع أهل العلم بين الآيات القرآنية التي ظاهرها أن الإنسان يدخل الجنة بعمله وبين الأحاديث التي دلت على أن الجنة لا يدخلها أهلها إلا برحمة الله وبمعرفة هذا الجمع بين الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة يتضح الرد على القدرية النفاة الذين يثبتون الأحكام بالعقل، ويوجبون على الله ثواب الأعمال، كما يوجبون أن يفعل الأصلح للعباد، ويمنعون خلاف هذا، وقولهم هذا صادر عن اختراعاتهم الباطلة التي مضمونها نبذ نصوص الشرع وراء ظهورهم وتحكيمهم عقولهم الفاسدة٥.
كما يتضح من الجمع السابق الرد على القدرية الجبرية الذين يلغون دور العمل في دخول الجنة، وينكرون أن يكون سببًا في النجاة من النار وكلا القولين باطلان بشهادة النقل والعقل والفطرة، وقول كل من الطائفتين مشتمل على خطأ وصواب.
فالقدرية النفاة: أصابوا في إثبات السببيّة وحالفهم الخطأ في إثبات المعاوضة.
_________________
(١) سورة النحل آية: ٣٢.
(٢) سورة الزخرف آية: ٧٢.
(٣) شرح النووي على صحيح مسلم ١٧/١٦٠ - ١٦١.
(٤) مفتاح دار السعادة ٢/٩٢، وانظر حادي الأرواح ص ٦١.
(٥) انظر المغني لعبد الجبار بن أحمد ١٤/١٧٢ وما بعدها، وانظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١٧/١٦٠، وانظر مفتاح دار السعادة لابن القيم ٢/٩٢.
[ ٦٧٣ ]
وأما القدرية الجبرية: فقد أصابوا في نفي المعاوضة ولازمهم الخطأ في نفي السببية والحق في هذه المسألة بين ذلك وهو أن المثبت في الآيات باء السببية والمنفي في الأحاديث باء المعاوضة والمقابلة كما تقدم في كلام ابن القيم ﵀ تعالى - فقد وفق الله أهل السنة لما اختلف فيه من الحق بإذنه حيث جمعوا ما مع الطائفتين من الحق والصواب فكانوا أسعد بالحق منهما وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم١.
وبعد هذا الاستطراد اليسير الذي تحتم الإتيان به هنا ليتناسب مع الآيات والأحاديث التي تقدم ذكرها نعود إلى ما نحن بصدد البحث حوله من بيان صفة أرض الجنة التي يرثها عباد الله المتقون فنقول: إنه لا يستطيع أحد أن يصفها لنا كما هي عليه إلا رسول الله ﷺ ولنستمع إلى ما جاء عنه في ذلك.
روى الشيخان في صحيحيهما من حديث أنس أن النبي ﷺ قال في حديث الإسراء "ثم انطلق بي جبرائيل حتى أتى سدرة المنتهى فغشيها ألوان لا أدري ما هي قال: ثم أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ٢ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك"٣.
وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن ابن صياد سأل النبي ﷺ عن تربة الجنة؟ فقال: "درمكة بيضاء مسك خالص"٤.
قال النووي: "قوله في تربة الجنة "هي درمكة بيضاء مسك خالص" قال العلماء: معناه أنها في البياض درمكة وفي الطيب مسك والدرمك هو الدقيق الحواري الخالص البياض" اهـ٥.
وروى الإمام أحمد وغيره من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: قلنا يا رسول الله حدثنا عن الجنة ما بناؤها؟ قال: "لبنة ذهب، ولبنة فضة، وملاطها٦ المسك
_________________
(١) مستفاد من كتاب مفتاح دار السعادة ٢/٩٢.
(٢) جنابذ اللؤلؤ: قباب اللؤلؤ شرح النووي ٢/٢٢٢، فتح الباري ١/٤٦٣ - ٣٦٤.
(٣) صحيح البخاري ٢/٢٣٢، صحيح مسلم ١/١٤٩.
(٤) ٤/٢٢٤٣.
(٥) شرح النووي ١٨/٥٢.
(٦) الملاط: الطين الذي يجعل بين ساقي البناء يملط به الحائط. أي يخلط" اهـ النهاية لابن الأثير ٤/٣٥٧.
[ ٦٧٤ ]
الأذفر وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت وترابها الزعفران من يدخلها ينعم ولا يبأس، ويخلد ولا يموت، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه"١.
وفي المصنف لابن أبي شيبة٢ أن ابن عمر قال: قيل يا رسول الله كيف بناء الجنة؟ قال: "لبنة من فضة ولبنة من ذهب ملاطها مسك وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت وترابها الزعفران" ٣.
وفي سنن الترمذي من حديث جابر أن النبي ﷺ قال لناس من اليهود: "ما تربة الجنة؟ " قال: فسكتوا هنيهة ثم قالوا: خبزة يا أبا القاسم فقال النبي ﷺ: "الخبز من الدرمك" ٤.
والحاصل من الأحاديث المتقدمة في صفة أرض الجنة وتربتها أن بعضها أفاد أن ترابها الزعفران، والبعض الآخر أفاد أن ترابها المسك ولا تعارض بينهما إذ يجوز أن تكون تربتها متضمنة للنوعين، ويجوز أن يكون التراب من زعفران فإذا عجن بالماء صار مسكًا، والطين يسمى ترابًا ويدل على هذا قوله ﷺ: "ملاطها المسك" ٥ والملاط الطين.
"ويحتمل أن يكون زعفرانًا باعتبار اللون ومسكًا باعتبار الرائحة وهذا من أحسن شيء يكون البهجة والإشراق لون الزعفران، والرائحة رائحة المسك، وكذلك ورد تشبيهها بالدرمكة، وهي الخبزة الصافية التي يضرب لونها إلى الصفرة مع لينها ونعومتها"٦ والله أعلم.
_________________
(١) المسند ٢/٣٠٥، سنن الترمذي ٤/٧٩ - ٨٠.
(٢) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة العبسي مولاهم، الكوفي أبو بكر حافظ للحديث له فيه كتب منها: "المصنف". انظر ترجمته في: "تذكرة الحفاظ" ٢/٤٣٢، تهذيب التهذيب ٦/٢، تاريخ بغداد ١٠/٦٦.
(٣) المصنف ١٣/٩٥ - ٩٦.
(٤) ٥/١٠٢ قال في مجمع الزوائد "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير مجالد ووثقه غير واحد ١٠/٣٩٩.
(٥) تقدم تخريجه قريبًا.
(٦) انظر حادي الأرواح ص ٩٤.
[ ٦٧٥ ]