أولًا - ما يجب للرسل:
لقد دلت السورة على وجوب تصديق الأنبياء والرسل وحذرت أشد تحذير من تكذيبهم فيما جاؤوا به عن الله - تعالى - وجعلت تكذيبهم أبلغ النهاية في الظلم وبينت أن جزاء من يفعل ذلك أن النار مسكنه ومأواه إذ هو من عداد الكافرين.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكَافِرِينَ * وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ .
هاتان الآيتان من السورة دلتا على واجب واحد من الواجبات التي تجب للرسل على المبعوثين إليهم وهو وجوب تصديقهم فيما أخبروا به.
فالآية الأولى دلت على أنه لا أحد أظلم ولا أعظم فرية ممن كذب على الله بادعاء أن له ولدًا وصاحبة أو أنه حرم ما لم يحرمه من المطاعم، ولا أحد أظلم ممن كذب بالقرآن الذي نزل على الرسول ﷺ وابتعثه الله به رسولًا فعارض ما جاء به منكرًا قول "لا إله إلا الله"، ومن كذب بالقرآن وأنكر "لا إله إلا الله" فقد كذب الرسول ﷺ ومن كذب الرسول ﷺ فقد كذب سائر الأنبياء والمرسلين إذ المرسِل لهم واحد وهو الله - تعالى - لغاية واحدة وهي عبادة الله وحده لا شريك له.
ومن اعتقد تكذيب الرسول ﷺ وامتنع عن متابعته فيما يدعو إليه مما أتى به من عند الله من التوحيد وحكم القرآن فالنار مقامه ومستقره لأنه آثر الكفر على الإيمان بتكذيبه رسول ربه - جل وعلا - وعلى هذا دلت الآية على أن من حق المرسلين على من سواهم ممن بعثوا إليهم اعتقاد صدقهم فيما جاؤوا به من الوحي الإلهي الرباني.
[ ٤٨١ ]
وأما الآية الثانية: وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ فهي شهادة قاطعة من الله - تعالى - لرسله بأنهم صادقون فيما قالوه عن الله - تعالى - كما اشتملت على الثناء والمدح للذين صدقوهم وآمنوا بهم - بأنهم متقون - بقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ الذين اتقوا الله بتوحيده، والبراءة من الأوثان والأنداد فأدوا الفرائض واجتنبوا المعاصي فخافوا عقابه.
وقد وردت آيات كثيرة على غرار قوله - تعالى - ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ وكلها تدل على صدق رسل الله وأنبيائه ووجوب تصديقهم قال تعالى: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ ١.
وقال تعالى في شأن خليله إبراهيم ﵇: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ ٢ وقال تعالى في شأن إسماعيل ﵇ ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ ٣ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن رسل الله وأنبياءه هم أكمل البشرية صدقًا على الإطلاق، فيجب على كل مؤمن ومؤمنة اعتقاد صدق جميع أنبياء الله ورسله، ويجب الإعتقاد الجازم أنهم أدوا الأمانة وبلغوا الرسالة على الوجه الأكمل وبينوا بيانًا واضحًا شافيًا كافيًا. لا حاجة إلى بيان سواه، ويجب على العباد طاعتهم وعدم مخالفتهم لأن ذلك من طاعة الله، وأنهم أكمل البرية خلقًا وعملًا وأنهم مختصون بفضائل لا يصل إليها أحد سواهم، وأنهم معصومون من الكذب والخيانة والكتمان والتقصير في التبليغ وعن الكبائر كلها دون الصغائر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تعالى - "القول بأن الأنبياء معصومون من الكبائر دون الصغائر هو قول أكثر علماء الإسلام وجميع الطوائف حتى إنه قول أكثر أهل الكلام كما ذكر أبو الحسن الآمدي أن هذا القول قول أكثر الأشعرية وهو أيضًا قول أهل التفسير والحديث والفقهاء بل لم ينقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول " أ. هـ٤.
ويجب الإيمان بأن جميع الأنبياء والمرسلين كانوا رجالًا من بني آدم وليسوا من
_________________
(١) سورة يس آية: ٥٢.
(٢) سورة مريم آية: ٤١.
(٣) سورة مريم آية: ٥٤.
(٤) مجموع الفتاوى ٤/٣١٩.
[ ٤٨٢ ]
الملائكة ولم يبعث الله أنثى قط. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ ١ وقد دعا القرآن الكريم إلى الإيمان بالرسل وحذر من الكفر بهم، أو التفريق بينهم.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ ٤. فهذه الآية فيها الوعيد الشديد للكافرين بالله ورسله من اليهود والنصارى حيث فرقوا بين الله ورسله في الإيمان فآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض بمجرد التشهي والعادة وما ألفوا عليه آباءهم لا عن دليل قادهم إلى ذلك بل بمجرد الهوى والعصبية فاليهود عليهم لعائن الله آمنوا بالأنبياء إلا عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، والنصارى آمنوا بالأنبياء وكفروا بخاتمهم وأشرفهم محمد ﷺ والمقصود أن من كفر بنبي من الأنبياء فقد كفر بسائر الأنبياء فإن الإيمان واجب بكل نبي بعثه الله إلى أهل الأرض فمن رد نبوته للحسد أو العصبية أو التشهي تبين أن إيمانه بمن آمن به من الأنبياء ليس إيمانًا شرعيًا، وإنما هو عن غرض وهوى وعصبية"٥ فمن آمن ببعض الرسل وكفر ببعضهم أو كلهم لا غبار على وضوح كفره لأن كفره بالرسل كفر بالله تعالى.
ثانيًا - ما يجوز عليهم:
قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ .
هذه الآية إخبار مؤكد من الله - تعالى - لنبيه ﷺ بأنه سيموت عن قريب وأن
_________________
(١) سورة الأنبياء آية: ٧.
(٢) سورة النساء آية: ١٣٦.
(٣) سورة البقرة آية: ٢٨٥.
(٤) سورة النساء آية: ١٥٠ - ١٥١.
(٥) تفسير ابن كثير ٢/٤٢٥.
[ ٤٨٣ ]
المكذبين به من قومه المؤمنين منهم ميتون كذلك، وإذا كان أشرف الخلق وأحبهم إلى الله - تعالى - قد ذاق الموت فكذلك غيره من إخوانه الأنبياء والرسل قد ذاقوه من قبله.
قال عماد الدين ابن كثير ﵀ تعالى ـ"هذه الآية من الآيات التي استشهد بها الصديق ﵁ عند موت الرسول ﷺ حتى تحقق الناس موته مع قوله ﷿ ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ﴾ ومعنى هذه الآية أنكم ستنقلون من هذه الدار لا محالة وستجتمعون عند الله - تعالى - في الدار الآخرة وتختصمون فيما أنتم فيه في الدنيا من التوحيد والشرك بين يدي الله ﷿ فيفصل بينكم"١.
وهذه الآية دلت على أن الرسل يموتون ويقتلون كما يموت غيرهم من الخلق ويقتلون.
قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ ٢ قال ابن جرير ﵀ تعالى - "يقول تعالى ذكره: لنبيه محمد ﷺ: وما خلدنا أحدًا من بني آدم يا محمد قبلك في الدنيا فنخلدك فيها ولا بد لك من أن تموت كما مات من قبلك من رسلنا" أ. هـ٣.
"وكونه ﷺ قد ذاق الموتة الأولى التي هي موتة الدنيا لا ينافي حياته البرزخية حيث أخبرنا الله - تعالى - في كتابه بأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون ولم ينالوا ذلك إلا بمتابعتهم وإيمانهم بهم الإيمان الصادق، وحياة الأنبياء البرزخية تفوق حياة الشهداء إذ هم أفضل الخلق على الإطلاق"٤.
وروى أبو داود في سننه بسند صحيح من حديث أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: "وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم "٥.
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم ٦/٩٠، والآية رقم ١٤٤ من سورة آل عمران.
(٢) سورة الأنبياء آية: ٣٤.
(٣) جامع البيان ١٧/٢٤.
(٤) فتح الباري ٦/٤٨٨.
(٥) ٢/٤٧١.
[ ٤٨٤ ]
فالسورة ذكرت أمرًا واحدًا مما يجوز على الرسل وهو أنهم يموتون كما يموت غيرهم من المخلوقات وهناك أمور أخرى تجوز على الرسل ذكرت في غير هذه السورة وبعضها دلت عليها السنة المطهرة فيجب على الإنسان أن يؤمن الإيمان الجازم بأن الله - تعالى - لم يخص أنبياءه ورسله بطبائع غير طبائع البشر، وإنما كان اختيارهم من الرجال الذين يأكلون ويشربون ويمشون في الأسواق وينامون ويجلسون ويضحكون ولهم أزواج وذرية وتمتد إليهم أيدي الظلمة، وينالهم الاضطهاد ويقتلون بغير حق ويتألمون ويصيبهم المرض وسائر الأعراض البشرية التي لا تؤدي إلى نقص في مراتبهم العلية بين الخلق وكل هذه الأمور منصوص عليها في القرآن الكريم وبعضها نصت عليه السنة المطهرة.
ومن هنا يجب على المرء أن يعتقد بأن الرسل لا يملكون شيئًا من خصائص الألوهية فليس لهم التصرف في الكون ولا يملكون لأحد نفعًا ولا ضرًا وليس لهم تأثير على إرادة الباري ﷾ ولا يعلمون الغيب إلا ما أطلعهم الله عليه، وقد خصهم - الباري سبحانه - بمؤهلات من المزايا والفضائل والأخلاق التي أهلتهم لأن يتلقوا الوحي عن الله - تعالى - وليقوموا بأعباء الرسالة ليكونوا الأسوة المثلى والقدوة الحسنة للناس يقتدون بهم في أمور الدنيا والدين.
[ ٤٨٥ ]