لقد دلت السورة على أبدية الجنة وخلود أهلها فيها ودوام نعيمها في قوله - تعالى ـ: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ .
فقوله - تعالى - في هذه الآية ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ فيه دلالة واضحة على أن أهل الجنة خالدون فيها بلا انقطاع.
قال ابن كثير: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ أي: ماكثين فيها أبدًا لا يبغون عنها حولًا. اهـ١.
وقد أكد - تعالى - خلود أهل الجنة وأبديتها ودوام نعيمها في مواضع أخرى كثيرة في القرآن الكريم.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًاّ ظَلِيلًا﴾ ٢.
قال ابن كثير بعد هذه الآية: "هذا إخبار عن مآل السعداء في جنات عدن التي تجري فيها الأنهار في جميع فجاجها، ومحالها وأرجائها حيث شاؤوا، وأين أرادوا وهم خالدون فيها أبدًا لا يحولون ولا يزولون ولا يبغون عنها حولًا" اهـ٣.
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم ٦/١١٦.
(٢) سورة النساء آية: ٥٧.
(٣) تفسير القرآن العظيم ٢/٣١٩.
[ ٦٩٦ ]
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ ١.
أخبر - تعالى - في هاتين الآيتين بأنه أعد لعباده السعداء وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات الفردوس نزلًا - "والنزل: هو ما يهيأ من الإكرام للضيف أو القادم ومعنى قوله - تعالى ـ: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ أي: خالدين في جنات الفردوس لا يبتغون عنها حولًا أي: تحولًا إلى منزل آخر، لأنها لا يوجد منزل أحسن منها يرغب في التحول إليه عنها بل هم خالدون فيها دائمًا من غير تحول ولا انتقال"٢.
قال ابن كثير: "وفي قوله: ﴿لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ تنبيه على رغبتهم فيها وحبهم لها، مع أنه قد يتوهم فيمن هو مقيم في المكان دائمًا أنه قد يسأمه، أو يمله، فأخبر أنهم مع هذا الدوام والخلود السرمدي لا يختارون عن مقامهم ذلك متحولًا ولا انتقالًا ولا ظعنًا ولا رحلة ولا بدلًا"اهـ٣.
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلًا﴾ ٤.
هذه الآية بين الله فيها أن الذين صدقوا الله ورسوله وأقروا له بالوحدانية ولرسوله ﷺ بالنبوة، وأدوا مع ذلك فرائض الله التي فرضها عليهم، فإن جزاءهم أن يدخلهم يوم القيامة إذا صاروا إلى الله جنات يعني: بساتين تجري من تحتها الأنهار ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ أي: باقين في هذه الجنات التي هذا وصفها أبدًا دائمًا"٥.
وقال تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ٦.
_________________
(١) سورة الكهف آية: ١٠٨.
(٢) أضواء البيان ٤/١٩٧.
(٣) تفسير القرآن العظيم ٤/٤٣١.
(٤) سورة النساء آية: ١٢٢.
(٥) جامع البيان ٥/٢٨٧.
(٦) سورة المائدة آية: ١١٩.
[ ٦٩٧ ]
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ١.
بشّر الله - تعالى - "عباده المؤمنين الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيله برحمة منه لهم، وأنه قد رحمهم من أن يعذبهم، وبرضوان منه لهم، بأنه قد رضي عنهم بطاعتهم إياه، وأدائهم ما كلفهم، وجنات يعني: بساتين لهم فيها نعيم مقيم لا يزول ولا يبيد، ثابت دائم أبدًا لهم لا نهاية لذلك ولا حد"٢.
وقال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ ٣.
بين الله - تعالى - في هاتين الآيتين أنه يُخرج ما في صدور المتقين من عداوة وبغضاء وحقد من بعضهم لبعض، ويجعلهم إخوانًا على سرر متقابلين، وأنه لا يمسهم في الجنة تعب، ولا يخرجون من الجنة ونعيمها وما أعطاهم الله فيها من النعيم بل ذلك دائم أبدًا.
وقال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ ٤.
هذه الآيات نوه الله - تعالى - فيها بأصحاب اليمين، وأن شأنهم عظيم وحالهم جسيم، كما نوّه بما يؤولون إليه من النعيم من فواكه لذيذة، وظل ظليل، وكثير من العيون والأنهار السارحة والمياه المتدفقة، ثم بين - تعالى - أن فاكهة الآخرة ليست كفاكهة الدنيا تنقطع في وقت من الأوقات وتكون ممتنعة متعسرة على مبتغيها بل هي على الدوام موجودة وجناها قريب يتناوله العبد على أي حال كان.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ
_________________
(١) سورة التوبة آية: ٢٠ - ٢٢.
(٢) جامع البيان ١٠/٩٧.
(٣) سورة الحجر آية: ٤٧ - ٤٨.
(٤) سورة الواقعة آية: ٢٧ - ٣٤.
[ ٦٩٨ ]
وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ ١.
وهذه الآيات بين الله - تعالى - فيها أن المتقين في الجنة خالدون، لا يذوقون فيها الموت أبدًا، ولا يخرجون من الجنة أبدًا.
ويكفينا من الآيات ما تقدم في الإستدلال على أبدية الجنة ودوامها، وأما الأدلة من السنة على ذلك فكثيرة جدًا.
ومنها قوله ﷺ: "من يدخل الجنة ينعم ولا يبأس٢ لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه" ٣.
ومنها حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ عن النبي ﷺ قال: "ينادي مناد إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبتئسوا أبدًا فذلك قوله ﷿ ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ " ٤.
ومنها ما رواه الشيخان وغيرهما من حديث أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح" ٥ فيوقف بين الجنة والنار فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم. هذا الموت قال ويقال: يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ قال فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم. هذا الموت قال فيؤمر به فيذبح قال ثم يقال: يا أهل الجنة، خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت قال: ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ٦
وفيهما من حديث ابن عمر ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ قال: "يدخل
_________________
(١) سورة الدخان آية: ٥١ - ٥٦.
(٢) البأس: هو شدة الحال والبأس، والبؤس، والبأساء، والبؤساء بمعنى واحد شرح النووي ١٧/١٧٤.
(٣) رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ ٤/٢١٨١ - ٢١٨٢.
(٤) صحيح مسلم ٤/٢١٨٢، من حديث أبي سعيد وأبي هريرة معًا والآية رقم ٤٣ من سورة الأعراف.
(٥) الأملح: من الكباش الذي يكون فيه بياض وسواد والبياض أكثر، التذكرة ص٤٣٨.
(٦) صحيح البخاري ٣/١٥٧، صحيح مسلم ٤/٢١٨٨، واللفظ له والآية رقم ٣٩ من سورة مريم.
[ ٦٩٩ ]
الله أهل الجنة الجنة، ويدخل أهل النار النار، ثم يقوم مؤذن بينهم فيقول: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت كل خالد فيما هو فيه" ١.
والأحاديث الواردة في أبدية الجنة ودوام نعيمها كثيرة جدًا، وكلها دلت على أن نعيم الجنة لا يفنى ولا ينقطع، وأنه نعيم أبدي سرمدي، وهذا هو اعتقاد أهل السنة وعامة المسلمين.
قال النووي: "مذهب أهل السنة وعامة المسلمين أن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون، يتنعمون بذلك وبغيره من ملاذ وأنواع نعيمها تنعمًا دائمًا لا آخر له ولا انقطاع أبدًا، وأن تنعمهم بذلك على هيئة تنعم أهل الدنيا إلا ما بينهما من التفاضل في اللذة والنفاسة التي لا يشارك نعيم الدنيا إلا في التسمية وأصل الهيئة، وإلا في أنهم لا يبولون، ولا يتغوطون ولا يمتخطون ولا يبصقون، وقد دلت دلائل القرآن والسنة أن نعيم الجنة دائم لا انقطاع له أبدًا" أهـ٢.
والذي نخلص إليه مما تقدم من الآيات والأحاديث التي سقناها للاستدلال على أبدية الجنة ودوام نعيمها أنه يجب على كل إنسان أن يصدق التصديق الجازم بوجود الجنة وأنها مخلوقة الآن وأنها باقية بإبقاء الله لها لا تفنى أبدًا، ويدخل في ذلك كل ما اشتملت عليه من النعيم"٣.
_________________
(١) صحيح البخاري ٤/١٣٦، صحيح مسلم ٤/٢١٨٩.
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم ١٧/١٧٣ - ١٧٤ وانظر: مراتب الإجماع لابن حزم ص ١٧٣".
(٣) ولم يخالف في هذا الاعتقاد الحق إلا "الجهم بن صفوان" فإنه زعم "أن الجنة والنار تفنى وليس له سلف ألبتة في هذا الاعتقاد الباطل وتبعه على هذا الاعتقاد "أبو الهذيل العلاف" فإنه زعم: أن حركات أهل الجنة تفنى ويصيرون في سكون دائم". أنظر: مذهب الجهم في "حادي الأرواح" ص٢٤٤ - ٢٤٥، شرح الطحاوية ص ٤٨٠ - ٤٨١، لوامع الأنوار البهية ٢/٢٣٤. وانظر "مقالات الإسلاميين" ١/٢٤٣، وانظر الفرق بين الفرق ص٢١١، ٢١٢، وانظر "الملل والنحل" ١/٥١، وانظر مذهب "محمد بن الهذيل العلاف" في "الملل والنحل" ١/٥١، التبصير في الدين ص١٠٨، ص ٧٠، ولقد كفر السلف الصالح من قال بفناء الجنة لأن ذلك تكذيب للقرآن وكفر به. انظر كتاب "السنة لعبد الله بن الإمام أحمد ص٢٠".
[ ٧٠٠ ]