لقد دلت السورة على إثبات صفتي الوحدانية والقهر - للباري ﷾ في آية واحدة منها.
قال تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ .
هذه الآية من السورة تضمنت اسمين كريمين من أسمائه - تعالى - هما "الواحد" "والقهار" وهذان الاسمان يشتق منهما صفتان - للباري جل شأنه - هما صفتا "الوحدانية" و"القهر" فاسمه - تعالى - "الواحد" دال على اتصاف - الباري سبحانه - بالوحدانية قال ابن الأثير١: في أسماء الله "الواحد" هو الفرد الذي لم يزل ولم يكن معه غيره٢.
وجاء في تهذيب اللغة: "الفرق بين الواحد والأحد أن الأحد بني لنفي ما يذكر معه من العدد تقول: ما جاءني أحد، والواحد اسم بني لمفتتح العدد تقول: جاءني واحد من الناس، ولا تقول جاءني أحد فالواحد منفرد بالذات، وعدم المثل والنظير والأحد المنفرد بالمعنى٣.
_________________
(١) هو: المبارك بن محمد بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجزري، أبو السعادات مجد الدين، المحدث اللغوي الأصولي، ولد سنة أربع وأربعين وخمسمائة، وتوفي سنة ست وستمائة هجرية. انظر ترجمته في وفيات الأعيان ١/٤٤١، الكامل لابن الأثير ١٢/٢٨٨، الأعلام ٦/١٥٢.
(٢) النهاية ٥/١٥٩.
(٣) ٥/١٩٤، وتفسير أسماء الله الحسنى للزجاج ص٥٨.
[ ١١١ ]
وجاء في القاموس: "التوحيد الإيمان بالله وحده أي: التصديق بما جاء به النبي ﷺ من الخبر الدال على أن الله - تعالى - واحد في ألوهيته لا شريك له" أ. هـ١.
ومن هذه النصوص اللغوية يتبين أن هذه المادة - وحدة - تدور حول إنفراد الشيء بذاته، أو بصفاته، أو بأفعاله، وعدم وجود نظير له فيما هو واحد فيه، وإذا عدي بالتضعيف فيقال: وحّد الشيء توحيدًا - كان معناه إما جعله واحدًا، أو اعتقده واحدًا.
قال تعالى حكاية عن المشركين: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ٢ فاسمه - تعالى - "الواحد" معناه: الإعتقاد الجازم بأن الله - تعالى - واحد لا شريك له، ونفي المثل والنظير عنه، والتوجه إليه وحده بالعبادة. وإذا قيل: الله واحد كان معنى ذلك إنفراده بما له من ذات وصفات وعدم مشاركة غيره فيها فهو - سبحانه - واحد في إلهيته فلا إله غيره، وواحد في ربوبيته فلا رب سواه، وواحد في كل ما ثبت له من صفات الكمال التي لا تنبغي إلا له - جل وعلا.
وأما تفسير المتكلمين لاسمه - تعالى - "الواحد" بأنه واحد لا يتجزأ، ولا ينقسم فهذا من الألفاظ المبتدعة المخترعة التي لم ينطق بها أحد من سلف الأمة وأئمتها ولم يرد ذكر هذا التفسير في عقائد أهل السنة والجماعة، وإنما هو من جنس ما يذكره أهل البدع من قولهم ليس بجوهر ولا عرض ولا جسم، وليس له أعراض ولا أبعاض إلى غير ذلك مما خالفوا فيه أهل السنة والجماعة، ومن خلال هذه الألفاظ يتوصلون إلى نفي الكثير من صفات الله ﷿. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "فإنهم إذا قالوا لا قسيم له ولا جزء له، ولا شبيه له، فهذا اللفظ وإن كان يراد به معنى صحيح فإن الله ليس كمثله شيء وهو - سبحانه - لا يجوز عليه أن يتفرق، ولا يفسد ولا يستحيل بل هو أحد صمد والصمد الذي لا جوف له، وهو السيد الذي كمل سؤدده فإنهم يدرجون في هذه نفي علوه على خلقه، ومباينته لمصنوعاته ونفى ما ينفونه ويقولون إن إثبات ذلك يقتضي أن يكون مركبًا منقسمًا، وأن يكون له شبيه، وأهل العلم والإيمان يعلمون أن مثل هذا يسمى في لغة العرب التي نزل بها القرآن تركيبًا وانقسامًا، ولا تمثيلًا وهكذا الكلام في
_________________
(١) ١/٣٥٦.
(٢) سورة ص، آية: ٥.
[ ١١٢ ]
مسمى الجسم والعرض والجوهر والتحيز وحلول الحوادث وأمثال ذلك، فإن هذه الألفاظ يدخلون في مسماها الذي ينفونه أمورًا مما وصف به نفسه، ووصفه بها رسوله فيدخلون فيها نفى العلم والقدرة والكلام إلى غير ذلك من الصفات بدعوى أن ذلك لا تكون إلا لمتحيز في جهة وهو جسم"١ أ. هـ.
فكلام شيخ الإسلام يستفاد منه أن قول المتكلمين في اسمه - تعالى - "الواحد" أنه الذي لا ينقسم ولا يتجزأ قول مبتدع مخترع لم يقل به أحد من السلف.
وأما صفة "القهر" فقد دل على ثبوتها - للباري جل وعلا - اسمه - تعالى - "القهار".
قال في القاموس: "القهر" الغلبة "والقهار" من صفاته تعالى. أ. هـ٢.
وجاء في المفردات لغريب القرآن: "القهر الغلبة والتذليل معًا ويستعمل في كل منهما"٣.
وقال ابن الأثير: "القاهر الغالب على جميع الخلائق قهره يقهره فهو قاهر وقهار للمبالغة" أ. هـ٤.
فمن هذه النصوص اللغوية ندرك معنى اسمه - تعالى - "القهار" ومعناه الذي يغلب على كل شيء، ويبسط سلطانه على كل مخلوق، ولا يمتنع عليه ما يريده، ولا يفلت من قبضته جبار تمرد على جبروته، ولا متكبر نازعه رداء كبريائه بل هو - سبحانه - آخذ بنواصي عباده فمن تمرد عليه قصمه وأذله، ومن خالف أمره أخذه نكال الآخرة والأولى، وجعله عبرة ومثلًا لغيره، وبسط - سبحانه - سلطانه على كل الكائنات فاستجابت لأمره وخضعت لحكمته، وسارت على النهج الذي رسمه لها.
فجميع الموجودات خاضعة لسلطانه - سبحانه - مذعنة لمشيئته مقهورة لإرادته.
قال تعالى: ﴿وَللهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ٥.
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل: ١/٢٢٨.
(٢) ٢/١٢٨.
(٣) ص٤١٤.
(٤) النهاية في غريب الحديث والأثر ٤/١٢٩.
(٥) سورة النحل، آية: ٤٩ - ٥٠.
[ ١١٣ ]
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ ١.
وللقهار - سبحانه - سنن قهر بها كل عظيم، وأخضع لحكمها كل جبار عنيد، وتتجلى مظاهر اسمه - تعالى - "القهار" في مصائر الأمم مثل قوم نوح، وعاد، وثمود، ومثل قارون، وفرعون، فهؤلاء جميعًا اغتروا بقوتهم، فأمعنوا في الظلم، وأسرفوا في الطغيان فكان بغيهم، وطغيانهم وبالًا عليهم.
قال تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ ٢.
بل قهر ﷾ الأخيار والأشرار وكل ذي روح بالموت الذي يدركهم أينما يكونون، ولو كانوا في بروج مشيدة.
وقهرهم جميعًا بالبعث بعد الموت ولو استطاع الأشرار سبيلًا إلى الفرار من البعث لآثروا أن يكونوا ترابًا حتى لا يعودوا إلى الحياة الأخروية ليلقوا ما أعد لهم من عذاب الهون جزاء بما كانوا يعملون ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ ٣.
ثم إن الآية التي صدرنا بها هذا المبحث وهي قوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ .
قلنا: إنها دلت على إثبات صفتي الوحدانية والقهر - للباري ﷾ وقد بينا وجه دلالتها على ذلك.
وأيضًا: مع دلالتها على ما ذكرنا فقد لفتت الأنظار إلى أنه إنما يرغب في الولد من يرغب فيه ليشد به أزره ويستكثر به من قلة، ويعتز به من ذلك، وللمسارعة للنجدة والنصرة، وهذا شأن المخلوق الضعيف.
_________________
(١) سورة الحج، آية: ١٨.
(٢) سورة الحج، آية: ٤٥.
(٣) سورة النبأ، آية: ٤٠.
[ ١١٤ ]
أما الواحد القهار - سبحانه - الذي خضع لأمره كل شيء وبسط سلطانه على جميع هذا الكون فهو الغني عن العالمين لأنه خالقهم ورازقهم ومدبر أمورهم ولو شاء أن يتخذ ولدًا لأصطفى من خلقه ما يشاء ولكنه - سبحانه - لا يشاء ما يخالف حكمته وينافي كماله - سبحانه - هو الله الواحد القهار، وقد جمع الله - سبحانه - بين وحدانيته وقهره في عدة مواضع من كتابه:
قال تعالى: حكاية عن يوسف ﵇: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ١.
فهذه الآية تبين لنا أن نبي الله يوسف ﵇ دعا صاحبي السجن إلى الله وإلى الإسلام وقال لهما: أعبادة أرباب شتى متفرقين وآلهة لا تنفع ولا تضر خير أم عبادة المعبود الواحد الذي لا ثاني له في قدرته وسلطانه الذي قهر كل شيء فذلله وسخره فأطاعه طوعًا وكرهًا٢.
وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا للهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ٣.
بدأ - سبحانه - في هذه الآية بالإشارة إلى مظاهر قهره، وطاعة سائر المخلوقات له من خلق السموات والأرض، ثم أشار - سبحانه - بأنه لا يستوي الأعمى والبصير، كما لا تستوي الظلمات والنور ليوجه أذهان العباد إلى أن الذي خلق السموات والأرض هو الجدير بأن يخصه الناس بالعبادة ثم أشار إلى ضلال المشركين الذين انصرفوا عن عبادة الله ودعوا سواه، ما الذي صرفهم عن عبادة الواحد القهار؟ أظنوا أن له شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم فاختلط الأمر في أعينهم فلم يميزوا بين خلق - الباري - وخلق عيره فعبدوا من ظنوهم خالقين مع الله، ولو تدبروا وتفكروا قليلًا لعرفوا أن الله سبحانه هو خالق كل
_________________
(١) سورة يوسف، آية: ٣٩.
(٢) انظر جامع البيان: ١٢/٢١٩.
(٣) سورة الرعد، آية: ١٦.
[ ١١٥ ]
شيء ومليك كل شيء، وأنه لا رب غيره ولا خالق سواه إذ كل الكون ناطق بأنه الواحد القهار.
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ ١.
وهذه الآية أيضًا: أشار الله - تعالى - فيها إلى بعض مظاهر قهره ونفوذ مشيئته في تبديل السموات والأرض وجمعه الخلائق ليوم المعاد الذي لا ريب فيه، ولا جرم أن الذي يستطيع أن يغير السموات والأرض ويجمع الخلائق ليجزيهم بأعمالهم دون أن يعترض إرادته معترض، أو يحول دون تنفيذ مشيئته حائل لا بد أن يكون إلهًا واحدًا لا معقب لحكمه ولا شريك له في ملكه فهو يفعل ما يشاء ولا بد أن يكون قهارًا غالبًا على كل شيء ولا يغلبه شيء - سبحانه - هو الله الواحد القهار.
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ٢.
وفي هذه الآية: أمر الله نبيه أن يبين للناس بأنه منذر، ينذر الناس بطشة الله كما أمره أن يبين لهم بأنه ليس في الوجود إلا إله واحد هو الله الواحد القهار.
وقال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ ٣.
يشير - جل وعلا - في هذه الآية إلى يوم القيامة حين يرث الواحد القهار الأرض ومن عليها، ويسترد الملك من كل ذي ملك، والسلطان من كل ذي سلطان، ويشهد الخلق جميعًا أن الملك لله الواحد القهار، والمتدبر لإثبات صفتي الوحدانية والقهر الثابتة لله - جل وعلا - على ما يليق به يدرك شناعة الخطأ الذي وقع فيه القبوريون الذين يلجئون إلى غير الله حيث يطلبون منهم الحاجات ويستعينون بهم على نيل المطالب، والعجب لهم كيف سول لهم الشيطان أن يتركوا الواحد القهار، ويتجهون إلى المقهورين، وينصرفون عن الغالب إلى المغلوبين٤ وأسماء الله وصفاته تنادي جميع المخلوقين بتجريد التوحيد لله وحده لا شريك له، وبأنه غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
_________________
(١) سورة إبراهيم، آية: ٤٨.
(٢) سورة ص، آية: ٦٥.
(٣) سور غافر، آية: ١٦.
(٤) معارج الألباب ص٢٢٠ - ٢٢١.
[ ١١٦ ]