لقد دلت السورة على أن من الإيمان باليوم الآخر الإيمان بجزاء الأعمال وأن كل إنسان لا بد أن يوفى جزاء عمله إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ * لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ .
هذه ست آيات من السورة دلت على إثبات الجزاء على الأعمال يوم القيامة، وأن ذلك الجزاء سيكون طبقًا لأعمال الإنسان التي قدمتها يداه في هذه الحياة الدنيا.
فالآية الأولى: وهي قوله - تعالى ـ: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ بين الله فيها أن مرجع العباد إليه يوم القيامة وسيخبرهم بأعمالهم التي أحاط بها علمه، وجرى بها قلمه، وكتبتها عليهم الحفظة، وشهدت بها جوارحهم، فيجازي كلًا منهم بما يستحق، وهو - سبحانه - العليم بنفس الصدور، وما تنطوي عليه من وصف بر، أو فجور والغرض من هذا إخباره - تعالى - بالجزاء بالعدل التام.
[ ٦٠١ ]
قال ابن جرير: عند قوله - تعالى - ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .
يقول تعالى ذكره: ثم بعد اجتراحكم في الدنيا ما اجترحتم من صالح وسيئ وإيمان وكفر أيها الناس، إلى ربكم مصيركم من بعد وفاتكم فينبئكم يقول: فيخبركم بما كنتم في الدنيا تعملونه من خير وشر، فيجازيكم على كل ذلك جزاءكم، المحسن بإحسانه، والمسيء بما يستحقه.
يقول ﷿: "فاتقوا أن تلقوا ربكم وقد عملتم في الدنيا بما لا يرضاه منكم فتهلكوا، فإنه لا يخفى عليه عمل عامل منكم" أ. هـ١.
وأما الآية الثانية: وهي قوله - تعالى - ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ .
بين الله - تعالى - فيها أنه لا مساواة ولا التقاء بين من هداه الله ووفقه لسلوك الطريق الذي يوصله إلى طريق الجنة التي هي دار الكرامة وبين من كان في الضلال واستمر على عناده حتى قدم على الله يوم القيامة فجاءه عذاب الله الذي لا يقادر قدره، فجعل يتقيه بوجهه الذي هو أشرف الأعضاء، وأقل شيء من العذاب يؤثر فيه فهو يتقي به سوء العذاب لأن يديه ورجليه قد غلت وألقي في نار جهنم وفاقًا لكسبه الذي كسبته يداه في دنياه، فآثر الكفر على الإيمان والشرك على التوحيد فكان من أصحاب النار.
قال البغوي ﵀ تعالى - ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ أي: شدته يوم القيامة.
قال مجاهد: يجر وجهه في النار.
وقال عطاء: يرمى به في النار منكوسًا فأول شيء تمسه النار وجهه.
قال مقاتل: هو أن الكافر يرمى به في النار مغلولة يداه إلى عنقه وفي عنقه صخرة مثل جبل عظيم من الكبريت فتشتعل النار وهو معلق في عنقه فحرها ووهجها على وجهه لا يطيق دفعها عن وجهه للأغلال التي في عنقه ويده، ومجاز الآية ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ﴾
_________________
(١) جامع البيان ٢٣/١٩٨.
[ ٦٠٢ ]
كمن هو آمن من العذاب. وقيل: يعني تقول الخزنة ﴿لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ أي: وباله أ. هـ١.
وقال العلامة ابن جرير: حول هذه الآية: "اختلف أهل التأويل في صفة اتقاء هذا الضال بوجهه سوء العذاب".
فقال بعضهم: "هو أن يرمى به في جهنم مكبوبًا على وجهه فذلك اتقاؤه إياه وقد أسند هذا القول إلى مجاهد ﵀ تعالى ـ.
وقال آخرون: هو أن ينطلق به إلى النار مكتوفًا ثم يرمى به فيها، فأول ما تمس النار وجهه، وهذا قول يذكر عن ابن عباس من وجه كرهت أن أذكره لضعف سنده، وهذا أيضًا مما ترك جوابه استغناء بدلالة ما ذكر من الكلام عليه عنه، ومعنى الكلام: أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة خيرًا أم من ينعم في الجنان؟
وقوله: ﴿وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ يقول: "ويقال يومئذ للظالمين أنفسهم بإكسابهم إياها سخط الله، وذوقوا اليوم أيها القوم وبال ما كنتم في الدنيا تكسبون من معاصي الله" أ. هـ٢.
وأما الآية الثالثة والرابعة - والخامسة - من الآيات الست السابقة: وهي قوله - تعالى - ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ * لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
فقد أخبر الله - تعالى - فيها بأن الذي جاء بالصدق في قوله وعمله ويدخل في ذلك الأنبياء ومن قام مقامهم فصدق فيما قاله من الأخبار عن الله وأحكامه، وفيما فعله من خصال الصدق، وصدّق بذلك إذ الإنسان قد يأتي بالصدق ولكنه لا يصدق به بسبب ما حل بقلبه من الكبر والعناد والإحتقار لمن قاله، وجاء به، فلا بد من الصدق والتصديق، فالذين وفقوا للجمع بين الأمرين فإن الجزاء الذي ينتظرهم عند الله هو ما لا عين رأت ولا أذن
_________________
(١) معالم التنزيل للبغوي على حاشية تفسير الخازن ٦/٦٢.
(٢) جامع البيان ٢٣/٢١١ - ٢١٢، وانظر تفسير ابن كثير ٦/٨٩.
[ ٦٠٣ ]
سمعت ولا خطر على قلب بشر، فكل ما تعلقت به مشيئتهم، وإرادتهم من أنواع اللذات والمشتهيات فإن ذلك حاصل ومهيئ ومعد لهم عند الله - تعالى - في الجنات.
﴿ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ وهم الذين يعبدون ربهم كأنهم يرونه فإن لم يكونوا يروه فإنه يراهم، وإضافة إلى ذلك أنهم يحسنون إلى عباد الله.
ومن إكرام الله لهؤلاء المتقين المحسنين أنه - تعالى - يكفر عنهم أسوأ الذي عملوا ويثيبهم بأحسن الذي كانوا يعملون ﴿لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
ومن هذه الآية أيضًا: يتبين أن عمل الإنسان له حالات ثلاث:
الحالة الأولى: إما أن يكون عملًا أسوأ.
الحالة الثانية: أن يكون عملًا أحسن.
الحالة الثالثة: أن يكون عملًا لا أسوأ ولا أحسن وهذه الحالة الأخيرة هي العمل المباح الذي لا يتعلق به ثواب ولا عقاب وهذه الحالة الأخيرة لم تذكر في الآية كالحالتين قبلها.
والعمل الأسوأ هي المعاصي كلها، والعمل الأحسن هي الطاعات كلها، وبمعرفة هذه الحالات الثلاث يتضح معنى الآية ﴿لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ فيكون المراد بها صغائر الذنوب بسبب إحسانهم وتقواهم.
﴿وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: بحسناتهم كلها ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ١.
قال مقاتل: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ * لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
قال: "يجزيهم بالمحاسن من أعمالهم ولا يجزيهم بالمساوئ"٢.
وقال العلامة ابن جرير: وقوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾
_________________
(١) سورة النساء آية: ٤٠.
(٢) تفسير البغوي المسمى "معالم التنزيل على حاشية تفسير الخازن ٦/٦٤".
[ ٦٠٤ ]
يقول تعالى ذكره: لهم عند ربهم يوم القيامة ما تشتهيه أنفسهم وتلذه أعينهم ذلك جزاء المحسنين.
يقول تعالى ذكره: هذا الذي لهم عند ربهم جزاء من أحسن في الدنيا فأطاع الله فيها وائتمر لأمره، وانتهى عما نهاه فيها عنه.
وقال أيضًا: ﵀ تعالى - عند قوله تعالى: ﴿لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
يقول تعالى ذكره: وجزى هؤلاء المحسنين ربهم بإحسانهم، كي يكفر عنهم أسوأ الذي عملوا في الدنيا من الأعمال، فيما بينهم وبين ربهم، بما كان منهم فيها من توبة، وإنابة، مما اجترحوا من السيئات فيها.
﴿وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ يقول: "ويثيبهم ثوابهم ﴿بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا﴾ في الدنيا ﴿يَعْمَلُونَ﴾ مما يرضي الله عنهم دون أسوئها" أ. هـ١.
وأما الآية السادسة: وهي قوله - تعالى - ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ .
بينت أنه - تعالى - سيوفي كل نفس يوم القيامة جزاء عملها بالعدل التام، والقسط العظيم لأنه جزاء صادر ممن لا يظلم مثقال ذرة، وممن هو محيط بكل شيء، وكتابه الذي هو اللوح المحفوظ محيط بكل ما عملوه والحفظة الكرام الذين لا يعصون ربهم طرفة عين قد كتبوا كل ما عمله بنو آم، وسيجازي - سبحانه - العباد على أعمالهم بما يستحقون من الثواب والعقاب ولذلك قال - جل شأنه - ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ .
قال عطاء: "يريد أني عالم بأفعالهم لا أحتاج إلى كاتب ولا إلى شاهد"٢.
وقال ابن جرير حول هذه الآية: "يقول تعالى ذكره ووفى الله حينئذ كل نفس جزاء عملها من خير وشر وهو أعلم بما يفعلون في الدنيا من طاعة، أو معصية ولا يعزب عنه علم
_________________
(١) جامع البيان ٢٤/٥.
(٢) معالم التنزيل للبغوي على تفسير الخازن ٦/٧١.
[ ٦٠٥ ]
شيء من ذلك وهو مجازيهم عليه يوم القيامة فمثيب المحسن بإحسانه، والمسيء بما أساء" أ. هـ١.
ومما قدمنا يتبين وجه دلالة السورة على وجوب الإيمان بجزاء الأعمال وأنه - تعالى - سيجزي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.
ولقد جاء ذكر الجزاء، والحث على الإيمان به في كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ذلك لأن يوم القيامة هو اليوم الفاصل بين هذه الحياة الدنيا، وبين الحياة الآخرة، ولأن من مقاصد البعث بعد الموت هو أن يجازي كل عامل وفق عمله في دنياه، ولأن أعمال الخلائق تختلف اختلافًا كثيرًا من إنسان لآخر ومن أمة لأخرى ولذلك قال ﷻ ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ ٢.
فالله - جل وعلا - سيظهر أعمال كل إنسان نصب عينيه فاقتضى الحال أنه لا بد أن يكون جزاء كل إنسان من جنس عمله.
قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ ٤.
"والدين هو الجزاء، فيقال كما تدين تدان أي: كما تجازي تجازى"٥.
وقال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ ٦.
وقال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٧.
_________________
(١) جامع البيان ٢٤/٣٣.
(٢) سورة الليل آية: ٤.
(٣) سورة القصص آية: ٨٤.
(٤) سورة النور آية: ٢٥.
(٥) شرح الطحاوية ص ٤٦٥.
(٦) سورة الأنعام آية: ١٦٠.
(٧) سورة النمل آية: ٨٩ - ٩٠.
[ ٦٠٦ ]
وقال تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿جَزَاءًا وِفَاقًَا﴾ ٢ أي: "موافقًا لأعمالهم" ٣.
والآيات في إثبات الجزاء على الأعمال يوم القيامة كثيرة جدًا ويكفينا منها هنا هذا القدر المتقدم.
وقد وردت أحاديث صحيحة في السنة المطهرة دلت على إثبات جزاء الأعمال يوم القيامة.
ومن تلك الأحاديث: قوله ﷺ فيما يرويه عن ربه ﷿ أنه قال " يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرًا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه" ٤.
ومن الأحاديث التي دلت على ثبوت جزاء الأعمال يوم القيامة الحديث الطويل الذي بين فيه النبي ﷺ عقوبة مانعي الزكاة في الذهب والفضة والإبل، والبقر والغنم، وبين فيه أن الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وفي هذا الحديث أنه قيل يا رسول الله فالحمر٥ قال: "ما أنزل علي في الحمر٦ شيء إلا هذه الآية الفاذة الجامعة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ ٧.
وقوله ﷺ: "ما أنزل الله علي في الحمر شيء إلا هذه الآية الفاذة الجامعة" معنى الفاذة القليلة النظير والجامعة أي: العامة المتناولة لكل خير ومعروف وفيه إشارة إلى التمسك بالعموم٨.
_________________
(١) سورة السجدة آية: ١٧.
(٢) سورة النبأ آية: ٢٦.
(٣) تفسير النسفي ٤/٣٢٧، وانظر جامع البيان ٣٠/١٥.
(٤) رواه مسلم من حديث أبي ذر ﵁ ٤/١٩٩٣ - ١٩٩٥.
(٥) "جمع حمار" أي: فما حكمها.
(٦) أي: لم ينزل علي فيها نص بعينها.
(٧) رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ ٢/٦٨٢ - ٦٨٣ والآيتان من سورة الزلزلة آية: ٧ - ٨.
(٨) شرح النووي على صحيح مسلم ٧/٦٧.
[ ٦٠٧ ]
وفي الحديث دلالة على أن كل إنسان سيرى جزاء عمله ويوفى به إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر.
ومنها ما رواه الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله - تعالى - عنه قال: قام فينا رسول الله ﷺ فذكر الغلول - فعظمه وعظم أمره قال: "لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة ١. يقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك، أو على رقبته بعير له رغاء٢ يقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك، أو على رقبته رقاع٣ تخفق فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك"٤.
وقال البخاري ﵀ تعالى ـ: حدثنا أبو اليمان أخبرنا شبيب عن الزهري قال أخبرني عروة عن أبي حميد الساعدي أنه أخبره أن رسول الله ﷺ استعمل عاملًا فجاء العامل حيث فرغ من عمله فقال يا رسول الله هذا لكم وهذا أهدي إلي فقال له: "أفلا قعدت في بيت أبيك وأمك فنظرت أيهدى لك أم لا؟ " ثم قام رسول الله ﷺ عشيّة بعد الصلاة فتشهد وأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: "أما بعد فما بال العامل نستعمله فيأتينا فيقول هذا من عملكم وهذا أهدي لي؟ أفلا قعد في بيت أبيه وأمه فنظر هل يهدى له أم لا؟ فوالذي نفس محمد بيده لا يغل أحدكم منها شيئًا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه إن كان بعيرًا جاء به له رغاء، وإن كان بقرة جاء بها لها خوار٥ وإن كانت شاة جاء بها تيعر٦ فقد بلغت" فقال أبو حميد، ثم رفع رسول الله ﷺ يده حتى إنا لننظر إلى عفرة إبطيه، قال أبو حميد: وقد سمع ذلك معي زيد بن ثابت من النبي صلى الله عليه وسلم٧.
هذان الحديثان فيهما بيان لخطورة الغلول، وفيهما دلالة واضحة على أن الجزاء من جنس العمل.
_________________
(١) جاء في النهاية لابن الأثير: الحمحمة: صوت الفرس دون الصهيل ١/٤٣٦.
(٢) جاء في النهاية: الرغاء: صوت الإبل ٢/٢٤٠.
(٣) قال ابن الأثير: أراد بالرقاع ما عليه من الحقوق المكتوبة في الرقاع. النهاية ٢٢٥٣.
(٤) صحيح البخاري مع الفتح ٦/١٨٥، صحيح مسلم ٣/١٤٦١ - ١٤٦٢.
(٥) الخوار: صوت البقرة. النهاية ٢/٨٧.
(٦) هو صوت الشاة الشديد، ذكره الحافظ في الفتح ١٣/١٦٦.
(٧) صحيح البخاري ٤/١٤٩، وانظر سنن أبي داود ٢/١٢١ - ١٢٢.
[ ٦٠٨ ]
وهذه العقوبة التي ذكرت في الحديثين السابقين للغال تحصل له على وجه الحقيقة كما ذكرها النبي ﷺ.
قال القرطبي: "قال علماؤنا ﵏ في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ١ أن ذلك على الحقيقة كما بينه ﷺ أي: يأت به حاملًا له على ظهره ورقبته معذبًا بحمله وثقله ومرعوبًا بصوته، وموبخًا بإظهار خيانته على رؤوس الأشهاد"٢.
والذي نخلص إليه مما تقدم من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة أنه يجب على كل مسلم أن يعتقد اعتقادًا جازمًا بأن الله - تعالى - سيجازي المكلفين من عباده بحسب كسبهم الإرادي الإختياري الذي كسبوه في هذه الحياة الدنيا لأن الدنيا دار عمل، والآخرة دار جزاء كما قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ ٣.
فالعباد يعيشون في هذه الدنيا متفاوتين تفاوتًا عظيمًا في الأرزاق، والآجال، والأعمال، وفي السعادة والشقاوة، فمنهم الظالم العنيد، ومنهم المظلوم المغلوب، ومنهم الذليل، ومنهم الصحيح السليم، ومنهم المريض، ومنهم الغني الثري، ومنهم الفقير، ومنهم العزيز ومنهم الذليل، ومنهم المحسن، ومنهم المسيء، فاقتضت حكمة الله وعدله أنه لا بد من أن يجازى المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته ولو أنهم يموتون عند انقضاء الآجال ولا يبعثون لكان ذلك منافيًا للحكمة، مجانبًا للعدل والرحمة، ولذلك قضى الله ﷿ بالبعث والجزاء وحكم بهما فهما كائنان لا محالة، ولذلك أمر الله ﵎ رسوله محمدًا ﷺ أن يقسم على وقوعهما، قال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ * إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٥.
_________________
(١) سورة آل عمران آية: ١٦١.
(٢) التذكرة للقرطبي ص٢٩٦، وانظر "فتح الباري" ٦/١٨٦.
(٣) سورة آل عمران آية:١٨٥.
(٤) سورة التغابن آية: ٧.
(٥) سورة النحل آية: ٣٨ - ٤٠.
[ ٦٠٩ ]