لقد أثبتت السورة صفة الرضا لله - جل وعلا - على ما يليق به - سبحانه - وهي صفة فعلية يفعلها متى شاء وكيف شاء.
قال تعالى: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ الآية.
هذه الآية من السورة إخبار من الله - تعالى - بأنه لا يرضى لعباده أن يكفروا به ولا يرضى لهم أن يشركوا به غيره، وإنما الذي يرضاه لهم أن يؤمنوا به - سبحانه - ويطيعوه ويكونوا بمنآى عن الكفر وأهله، وكون الكفر لا يخرج عن المشيئة العامة فليس ذلك مبررًا لكفر الكافر، ومعصية العاصي لأنه - تعالى - يخلق ما يحب وما يكره من الأعيان والأفعال وكل ما في الكون داخل تحت مشيئته فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
قال العلامة ابن القيم حول الآية ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ الآية "فالكفر والشكر واقعان بمشيئته وقدره، وأحدهما محبوب له مرضي، والآخر مبغوض له مسخوط، وكذلك قوله عقيب ما نهى عنه ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ ١.
فهو مكروه له مع وقوعه بمشيئته وقضائه وقدره" أ. هـ٢.
وصفة الرضا كثر ذكرها في الكتاب والسنة مما يدل على ثبوتها ثبوتًا قطعيًا للباري - سبحانه - على ما يليق بجلاله وعظيم سلطانه كغيرها من الصفات الأخرى كالعلم والقدرة والإرادة وغير ذلك من الصفات الثابتة التي نطق بها الكتاب والسنة.
_________________
(١) سورة الإسراء آية: ٣٨.
(٢) مدارج السالكين ١/٢٥٣ - ٢٥٤.
[ ١٣٨ ]
قال تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ١.
ففي هذه الآية إخبار من الله - تعالى - بأنه يرضى عن عباده المؤمنين ويرضون عنه وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ ٤.
فأخبر - تعالى - في هذه الآية بأنه لا يرضى بما يبيتونه من القول المشتمل على شهادة الزور والبهت ورمي البريء وبراءة الجاني إذ الآية نزلت في حادثة هذا شأنها٥.
مع أن كل ذلك واقع بمشيئته - سبحانه - إذ أجمع المسلمون على أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولم يخالفهم في هذا إلا القدرية النفاة الذي يقولون: يشاء ما لا يكون، ويكون ما لا يشاء.
فالآيات السابقة دلت دلالة صريحة على إثبات الرضا - لله جل وعلا - إثباتًا يليق بجلاله فإذا نفاها نافٍ أو تأولها متأول بغير المراد منها فمعنى ذلك أنه يدعي أنه أعلم بصفات الله من الله ﷾ تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا فلا يجوز نفي أي صفة من صفاته - تعالى - أو تأوليها بغير ما يدل عليه ظاهرها كأن تؤول صفة الرضا بإرادة الثواب، وصفة الغضب بإرادة العقاب إذ هذا من تحريف الكلم عن مواضعه، واعتراض على الله فيما أثبته لنفسه، كما لا يجوز أن يقال: إن رضاه - تعالى - كرضا المخلوقين كما هو مذهب الكرامية المشبهة إذ الفرق بين رضا الخالق، ورضا المخلوق كالفرق بين الذات والذات، ذات الخالق، وذات المخلوق فكما أنه لا تشابه بين ذات الخالق وذات المخلوق، فكذلك لا
_________________
(١) سورة المائدة آية: ١١٩.
(٢) سورة التوبة آية: ١٠٠.
(٣) سورة الفتح آية: ١٨.
(٤) سورة النساء آية: ١٠٨.
(٥) مدارج السالكين ١/٢٥٣، فتح القدير ١/٥١٢؛ لباب النقول في أسباب النزول ص٨١.
[ ١٣٩ ]
تشابه بين صفة الخالق، وصفة المخلوق لأن ما وصف الله به نفسه لائق بجلاله، وما وصف به المخلوق، يناسب حاله وافتقاره.
وقد دلت السنة على إثبات صفة الرضا كما دل عليها القرآن الكريم فقد جاء من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: إن النبي ﷺ قال: "إن الله ﷿ يقول يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك فيقول ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون يا رب: وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا"١.
فالحديث دل على أن رضى الله أعظم، وأجل من كل نعيم، كما دل دلالة واضحة على إثبات صفة الرضا والسخط إثباتًا يليق بجلاله.
ومن حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله يرضى لكم ثلاثًا: ويكره لكم ثلاثًا فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، ويكره لكم ثلاثًا قيل وقال٢ وكثرة السؤال٣ وإضاعة المال" ٤.
فالحديث دل على أنه - تعالى - يرضى ويكره وهاتان الصفتان صفتا كمال ولو كان في إثبات هاتين الصفتين وغيرهما محذور لأشار إلى ذلك النبي ﷺ وبينه ووضحه للأمة، فهو - سبحانه - يرضى رضاءًا يليق بجلاله، ويكره بعض الأعمال كراهة تليق به، ولا داعي لأن نتأول الحديث بتأويلات باطلة ما أنزل الله بها من سلطان. كتأويل الرضا، والسخط والكراهة من الله - تعالى - بأن المراد بها أمره ونهيه وثوابه وعقابه، أو إرادته الثواب لبعض العباد والعقاب لبعضهم٥ إذ هذه التأويلات من تصرف بعض الطوائف كالأشعرية الكلابية الذين يتكلفون تأويلات لم يكلفهم الله بها، بل هي تأويلات باطلة ناتجة عن التصرف
_________________
(١) متفق عليه: صحيح البخاري مع الفتح ١٣/٤٨٧، وصحيح مسلم ٤/٢١٧٦.
(٢) قيل وقال: الخوض في أخبار الناس وحكاية ما لا يعني من أحوالهم وتصرفاتهم.
(٣) كثرة السؤال: هو التنطع في المسائل والإكثار من السؤال عما لم يقع، وقيل المراد به سؤال الناس أموالهم.
(٤) رواه مسلم في صحيحه ٤/٣٤٠.
(٥) انظر شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/١٠.
[ ١٤٠ ]
الخاطىء إزاء صفات الله - تعالى - التي أثبتها لنفسه، وأثبتها له رسوله ﷺ بدون تعطيل ولا تأويل، كما أن الحديث تضمن الرد على القدرية الجبرية الذين يزعمون أن كل ما في الكون محبوب لله حتى المعاصي - تعالى عن ذلك وتقدس - فقد بين الحديث أنه - سبحانه - يكره القيل والقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال.
ومن حديث أنس ﵁ قال: دعا رسول الله ﷺ على الذين قتلوا أصحاب بئر معونة ثلاثين صباحًا يدعو على رعل١ وذكوان٢ وعصية٣ عصت الله ورسوله قال أنس: "أنزل الله ﷿ في الذين قتلوا ببئر معونة قرآنًا قرأناه حتى نسخ بعد أن بلغوا قومنا أن قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه" ٤.
ففي الحديث دلالة صريحة واضحة على إثبات صفة الرضا - للرب جل وعلا - حيث أكرم الله ﷿ تلك الفئة المؤمنة من شهداء بئر معونة برضاه الذي هو أعظم من كل نعيم ورضوا بما أكرمهم الله - تعالى - به من دخول الجنة التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
ومما ينبغي أن يعلم أن السلف الصالح كانوا يطلقون الصفات الخبرية على الله بدون توقف، ولكن الأمر انعكس اليوم فأصبح كثير من أتباع العقيدة الأشعرية الكلابية يتوقفون من إطلاق الكثير من الصفات الخبرية على الله - تعالى - إلا بنية تأويلها وتفسيرها بلازمها.
فمذهب السلف الصالح الذي هو الطريق السوي هو التسليم بما جاء في الكتاب والسنة، ولا يتجاوزونهما فالله يرضى ويغضب ويحب ويفرح كما أخبر بذلك عن نفسه وأخبر رسوله ﷺ.
وأما احتجاج أبي علي الجبائي المعتزلي بالآية التي صدرنا بها هذا المبحث وهي قوله تعالى: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ على أن العبد يخلق أفعاله، وقال: لو أن الله خلق الكفر لكان قد رضي الكفر من الوجه الذي خلقه ولو كان
_________________
(١) رعل: قبيلة من سليم بن منصور من العدنانية تنتسب إلى رعل بن عوف بن مالك. الفتح ٧/٣٧٩
(٢) ذكوان: قبيلة من بني سليم بن منصور من قيس بن غيلان من العدنانية. انظر تاريخ ابن خلدون ٢/٣٠٧.
(٣) عصية: بطن من بلى من قضاعة من القحطانية. انظر نهاية الأرب للنويري ٢/٢٩٦.
(٤) رواه مسلم في صحيحه ١/٤٦٨.
[ ١٤١ ]
الكفر بقضاء الله - تعالى - لوجب على الخلق أن يرضوا بذلك لأن الرضا بقضاء الله واجب، وحيث اجتمعت الأمة على أن الرضا بالكفر كفر ثبت أنه ليس بقضاء الله، وليس أيضًا برضاء الله١.
وهذا الزعم يرد عليه من وجوه ثلاثة:
الوجه الأول:
يقال له: اختلف أهل التفسير في هذه الآية على قولين:
١ـ ذهب حبر الأمة عبد الله بن عباس والسدي٢ إلى أن معنى قوله - تعالى - ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ خاص بعباده المؤمنين الذين أخلصهم لعبادته وطاعته.
٢ـ وذهب آخرون إلى أن ذلك عام لجميع الناس وعلى هذا يكون المعنى أيها الناس إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لكم أن تكفروا به٣.
الوجه الثاني:
يقال له: إن زعمك أن الرضا بالقضاء واجب ففيه تفصيل عند العلماء حيث أن أقسام الرضا ثلاثة:
الرضا بالله، والرضا عن الله، والرضا بقضاء الله.
فالرضا بالله فرض، والرضا عنه وإن كان من أجل الأمور وأشرفها فلم يطالب به العموم لعجزهم عنه ومشقتهم عنه، وأوجبه بعضهم وأما الرضا بكل مقتضى فلا يجب بل المقتضى ينقسم إلى ما يجب الرضا به وهو الديني الشرعي، ومقتضى كونه قدري، فإن كان فقرًا أو مرضًا ونحو ذلك استحب الرضاء به ولم يجب، وأوجبه بعضهم وإن كان كفرًا، أو معصية حرم الرضاء به، فإن الرضاء به مخالفة لله - تعالى - فإنه - سبحان - لا يرضى لعباده الكفر، وأما القضاء الذي هو صفة الله وفعله فالرضا به واجب" أ. هـ٤.
_________________
(١) التفسير الكبير للفخر الرازي ٢٦/٢٤٦.
(٢) هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السدي أبو محمد الكوفي صدوق يهم ورمي بالتشيع توفي سنة سبع وعشرين ومائة هجرية "تهذيب التهذيب" ١/٣١٣ـ٣١٤.
(٣) جامع البيان ٢٦/٢٤٦.
(٤) منهاج السنة ٢/٤٠ ـ٤١، مدارج السالكين ١/٢٥٦ مع التصرف اليسير.
[ ١٤٢ ]
الوجه الثالث:
يقال له: إن الإرادة في كتاب الله نوعان:
١ـ إرادة قدرية كونية.
٢ـ إرادة شرعية دينية.
فالشرعية المتضمنة للمحبة والرضا، والقدرية الكونية هي: الشاملة لجميع الموجودات فما شاءه - سبحانه - كان وما لم يشأه لم يكن مثال الإرادة القدرية الكونية قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ ١. وقوله تعالى حكاية عن نبيه هود ﵇: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ ٢. فهذه الإرادة تعلقت بالإضلال والإغواء. ومثال الإرادة الشرعية الدينية الأمرية قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ٣.
وقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ ٤.
فالأمر الشرعي إنما تلازمه الإرادة الشرعية الدينية ولا تلازم بينه وبين الإرادة الكونية القدرية٥.
فالله تعالى أمر الكافر بالإيمان وأراده منه شرعًا ودينًا، ولم يرده منه كونًا وقدرًا ولو أراده كونًا لحصل ذلك، لأن الإرادة الكونية القدرية لا يتخلف عنها المراد بخلاف الإرادة الشرعية قد يتخلف المراد بها.
ولو اعترض المعتزلة وقالوا: ما الفائدة من أمر الله بالشيء وهو لا يريد وقوعه؟ يجاب بأن الفائدة في ذلك ابتلاء الخلق وليتميز المطيع من غيره ولذلك أمر الله خليله إبراهيم عليه
_________________
(١) سورة الأنعام آية: ١٢٥.
(٢) سورة هود آية: ٣٤.
(٣) سورة النساء آية: ٢٦.
(٤) سورة المائدة آية: ٦.
(٥) انظر مختصر منهاج السنة ص١٢١، شفاء العليل ص٢٨٠ - ٢٨١، شرح الطحاوية ص١١٦ - ١١٧.
[ ١٤٣ ]
السلام بذبح ولده مع أنه - تعالى - لم يرد وقوع ذبحه كونًا وقدرًا، وقد أبان الله - تعالى - أن الحكمة في ذلك ابتلاء إبراهيم ﵇ حيث قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ﴾ ١. وبهذا يبطل قول القدرية المعتزلة أنه لا يكون أمرًا إلا بإرادة وقوعه، وقولهم هذا الفاسد هو الذي جرهم إلى القول بأن معصية العاصي ليست بمشيئة الله - تعالى - لأنه أمر بتركها ولم يرد إلا التزام الذي أمر به لأن الأمر لا يكون أمرًا إلا بالإرادة فيترتب على قولهم نسبة العجز إلى الله واستقلال العبد بالفعل دون الله - تعالى - والله منزه عن قولهم تنزيهًا يليق بجلاله٢.
قال الطحاوي رحمه الله تعالى: "ولا يفعل إلا ما يريد".
قال الشارح حول هذه العبارة: "هذا رد لقول القدرية المعتزلة فإنهم زعموا أن الله أراد الإيمان من الناس كلهم والكافر أراد الكفر وقولهم فاسد مردود لمخالفته الكتاب والسنة والمعقول الصحيح إلى أن قال: وأما أهل السنة فيقولون: إن الله وإن كان يريد المعاصي قدرًا فهو لا يحبها ولا يرضاها ولا يأمر بها بل يبغضها ويسخطها ويكرهها وينهى عنها وهذا قول السلف قاطبة فيقولون ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن" أ. هـ٣.
والحاصل مما تقدم في هذا المبحث أن صفة الرضا من الصفات التي أثبتها الله لنفسه في محكم كتابه، وأثبتها له رسوله (في سنته المطهرة، وأثبتها له سلف هذه الأمة حيث آمنوا بما جاء به الكتاب والسنة، ولم يتجاوزوهما إلى غيرهما إثباتًا بلا تمثيل وتنزيهًا بلا تعطيل، أما الذين يفرقون بين صفات الله ويؤولون صفة الرضا، والمحبة، والغضب، والكراهة بالإرادة فهذا من تصرفات البشر الخاطئة التي مضمونها التفريق بين ما ورد به السمع. ولو قيل لهم: لم نفيتم صفة الرضا والمحبة والغضب وأثبتم الإرادة؟ لقالوا: إن إثباتها فيه تشبيه للخالق بالمخلوق لأن الغضب غليان دم القلب لقصد الإنتقام، والرحمة رقة تلحق المخلوق والرب منزه عن ذلك.
_________________
(١) سورة الصافات آية: ١٠٦.
(٢) انظر مذكرة أصول الفقه للشيخ محمد الأمين الشنقيطي ص١٩٠ - ١٩١.
(٣) شرح الطحاوية ص١١٦.
[ ١٤٤ ]
والرد على هذا يقال لهم: وكذلك الإرادة: ميل الإنسان إلى ما ينفعه ودفع ما يضره، والله منزه عن ذلك، فيضطرون إلى القول بأن للإنسان إرادة تليق به، وللرب إرادة تليق به، ومن خلال قولهم هذا يلزمهم أن يقولوا كذلك: في بقية الصفات من الرضا والمحبة والرحمة والغضب والكراهة، وإن لم يقولوا بهذا فإنهم وقعوا في التفريق بين صفات الله - تعالى - وليس في العقل ولا في السمع ما يدل على التفريق فلا يحل أن يثبت له بعض الصفات - سبحانه - وينفي عنه البعض١ الآخر مما أثبته لنفسه.
_________________
(١) الرسالة التدمرية مع شرحها التحفة المهدية: ١/٤٦ - ٤٧.
[ ١٤٥ ]