وَقدْ زَعَمَ كثِيرٌ مِنَ المتَصَوِّفةِ، حَتَّى أَصْبَحَ مِنَ المسْتقِرِّ بَيْنَهُمْ، المعْلوْمِ عِنْدَهُمْ باِلضَّرُوْرَةِ: أَنَّ الأَوْلِيَاءَ - أَوْ أَكثرَهُمْ - لهمُ اطلاعٌ عَلى الغيْبِ! وَاطلاعٌ عَلى اللوْحِ المحْفوْظِ! وَتَصَرُّفٌ فِي الكوْن ِ! وَأَنَّ التَّكالِيْفَ الشَّرْعِيَّة َ تَسْقط ُ عَنْهُمْ أَوْ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ إذا بَلغوْا مَرْتبَة َ اليَقِين ِ بزَعْمِهمْ! فلا عِبَادَة ٌ تُقرِّبهُمْ إلىَ رَبِّهمْ وَقدْ بَلغُوْا فِي القرْبِ الغاية! وَلا يَزِيْدُ إيْمَانهُمْ بَعْدَ هَذَا وَإنْ تُلِيَتْ عَليْهمْ آياتُ اللهِ آية ً آية! خِلافَ أَئِمَّةِ الدِّيْن ِ، وَأَنبيَاءِ اللهِ وَالمرْسَلِينَ، الذِيْنَ قالَ فِيْهمْ سُبْحَانهُ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.
وَقالَ: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾.
وَهَذِهِ الأُمُوْرُ السّابقة ُ مِنَ ادِّعَاءِ الغيْبِ وَالتَّصَرُّفِ فِي الكوْن ِ وَسُقوْطِ التَّكالِيْفِ، مَعَ بلايا كثِيراتٍ غيرِهَا: مُكفرَاتٌ كبيرَاتٌ، وَنوَاقِضُ لِعُرَى الإسْلامِ عَظِيْمَاتٌ، لا يَبْقى مَعَ مَن ِ اعْتقدَهَا، أَوْ اعْتقدَ بَعْضَهَا، أَوْ ظنَّ صِحَّتَهَا، أَوْ سَلامَة َ مُعْتَقِدِهَا إسْلامٌ وَلا إيْمَان.
[ ٣٢٧ ]
وَمَن ِادَّعَى عِلمَ الغيْبِ: فهُوَ كافِرٌ مُرْتدٌّ، وَلا يَعْلمُ الغيْبَ إلا َّ الله ُ ﷾، كمَا قالَ ﷿: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.
وَقالَ: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
وَقالَ: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنْ الْمُنْتَظِرِينَ﴾.
وَقالَ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾.
فلا يَعْلمُ الغيْبَ أَحَدٌ سِوَاهُ، إلا َّ أَنهُ ﷾ قدْ خَصَّ أَنبيَاءَهُ وَرُسُلهُ بشَيْءٍ مِنْ ذلِك َ، قالَ تَعَالىَ: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلاَّ مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾.
وَقالَ: ﴿ذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾.
وَقالَ: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
[ ٣٢٨ ]
وَقالَ: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾.
* فمَنْ زَعَمَ لِلنَّبيِّ ﷺ أَوْ غيرِهِ عِلمًا باِلغيْبِ مُطلقا: كانَ ضَالا ًّ كاذِبا، قالَ سُبْحَانهُ لِنبيِّهِ ﷺ ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
وَرَوَى البُخارِيُّ فِي «صَحِيْحِهِ» (٧٣٨٠) وَمُسْلِمٌ (١٧٧) مِنْ حَدِيْثِ مَسْرُوْق ٍ أَنَّ عَائِشَة َ رَضِيَ الله ُعَنْهَا قالتْ لهُ: (مَنْ حَدَّثك َ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَأَى رَبهُ: فقدْ كذَبَ، وَهُوَ يَقوْلُ ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾.
وَمَنْ حَدَّثك َ أَنهُ يَعْلمُ الغيْبَ: فقدْ كذَبَ، وَهُوَ يَقوْلُ «لا يَعْلمُ الغيْبَ إلا َّ الله»). * وَقالَ سُبْحَانهُ في أَنبيَائِهِ جَمِيْعًا ﵈: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾.
* وَقالَ تَعَالىَ فِي هُوْدٍ ﵇: ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمْ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنْ الظَّالِمِينَ﴾.
* وَقالَ في مُوْسَى ﵇: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنْ النَّاصِحِينَ (٢٠) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
[ ٣٢٩ ]
* وَقالَ في عِيْسَى ﵇:: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾.
* وَقالَ سُبْحَانهُ في الملائِكةِ في قِصَّتِهمْ مَعَ آدَمَ ﵈: ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
وَرَوَى الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِهِ» (٢/ ٥٢) وَالبخارِيُّ في «صَحِيْحِهِ» (١٠٣٩) عَن ِ ابْن ِعُمَرَ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا عَن ِالنَّبيِّ ﷺ قالَ: «مَفاتِيْحُ الغيْبِ خَمْسٌ، لا يَعْلمُهُنَّ إلا َّ الله ُ، لا يَعْلمُ مَا في غدٍ إلا َّ الله ُ، وَلا يَعْلمُ نزُوْلَ الغيْثِ إلا َّ الله ُ، وَلا يَعْلمُ مَا في الأَرْحَامِ إلا َّ الله ُ، وَلا يَعْلمُ السّاعَة َ إلا َّ الله ُ، وَمَا تَدْرِي نفسٌ مَاذا تكسِبُ غدًا، وَمَا تدْرِي نفسٌ بأَيِّ أَرْض ٍ تَمُوْت»، وَالأَحَادِيْثُ في هَذَا كثِيرَة ٌ مَعْلوْمَة.
فليْسَ لأَحَدٍ سَبيْلٌ قط ّ إلىَ شَيْءٍ مِنْ أُمُوْرِ الغيْبِ، إلا َّ بأَحدِ أَمْرَيْن ِ:
* إمّا بوَحْي وَنبوَّةٍ، وَهَذَا لِلرُّسُل ِ دُوْنَ غيرِهِمْ، وَمَن ِ ادَّعَاهُ لِنفسِهِ مِنْ غيرِهِمْ: فهوَ كافِرٌ مِنْ وَجْهين ِ:
أَحَدِهِمَا: ادِّعَاؤُهُ عِلمَ الغيْب.
وَالثانِي: ادِّعَاؤُهُ النُّبُوَّة َ، وَكِلاهُمَا كفرٌ، مُتَّفقٌ عَليْه.
[ ٣٣٠ ]
* وَإمّا بمَا أَخْبرَنا الله ُ بهِ في كِتَابهِ وَنبيُّهُ ﷺ مِنْ أُمُوْرٍ غيْبيَّةٍ عَمَّنْ سَبَقنَا مِنَ بَدْءِ الخلق ِ وَمَعَادِهِمْ، وَأَخبَارِ الأُمَمِ، وَمَا سَيَحْدُثُ في آخِرِ الزَّمَان ِ، وَيَوْمَ القِيَامَةِ، وَأَسْمَاءِ اللهِ وَصِفاتِهِ، وَمَا أَعَدَّهُ لِلمُؤْمِنِينَ مِنْ نعِيْمٍ، وَمَا أَعَدَّهُ لِلكافِرِيْنَ مِنْ جَحِيْمٍ، وَنَحْوِ ذلك.
وَالوَاجِبُ في هَذَا كلهِ: الإيْمَانُ بهِ، وَالتَّسْلِيْمُ وَالتَّصْدِيْقُ، لهِذَا وَصَفَ الله ُ عِبَادَهُ المؤْمِنِينَ المتقِينَ المفلِحِينَ، وَمَدَحَهُمْ باِلإيْمَان ِ باِلغيْبِ فقالَ: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾.
فمَنْ لمْ يؤْمِنْ بخبرِ اللهِ سُبْحَانهُ وَخبرِ رَسُوْلِهِ ﷺ: لمْ يَكنْ مُؤْمِنًا، بَلْ هُوَ كافِرٌ أَيضا.
أَمّا مَاتدَّعِيْهِ المتصَوِّفة ُ لأَوْلِيَائِهَا وَكثِيرٍ مِنْ أَعْيَانِهَا وَأَغيَانِهَا، مِنَ اطلاعٍ عَلى الغيْبِ، أَوْ نظرٍ في اللوْحِ المحْفوْظِ: فهُوَ كفرٌ صَرِيْحٌ وَرِدَّة ٌ، لا تَأْوِيْلَ فِيْهِ وَلا مِرْية.
أَمّا مَا يَرَاهُ النّائِمُ في نوْمِهِ مِنْ أُمُوْرٍ قدْ يتحَققُ بَعْضُهَا: فهَذَا لا يُخالِفُ مَا قرَّرْناهُ سَابقا، وَهُوَ مِنَ المبشرَاتِ لِلمُؤْمِن ِ، وَقدْ قالَ النَّبيُّ ﷺ: «الرُّؤْيا الصّالحة ُ مِنَ اللهِ، وَالحلمُ مِنَ الشَّيْطان ِ، فإذا حَلمَ فليتعَوَّذْ مِنْهُ وَليبْصُقْ عَنْ شِمَالِهِ
[ ٣٣١ ]
فإنهَا لا تضُرُّه» رَوَاهُ البُخارِيُّ في «صَحِيْحِهِ» (٦٩٨٦) وَمُسْلِمٌ (٢٢٦١) مِنْ حَدِيْثِ أَبي قتادَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْه.
وَرَوَى البُخارِيُّ في «صَحِيْحِهِ» (٦٩٨٩) مِنْ حَدِيْثِ أَبي سَعِيْدٍ الخدْرِيِّ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ: أَنهُ سَمِعَ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ يَقوْلُ: «الرُّؤْيا الصّالحِة ُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّة».
وَقالَ ﷺ: «لمْ يبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إلا َّ المبشِّرَات».
قالوْا: وَمَا المبشِّرَات؟
قالَ ﷺ: «الرُّؤْيا الصّالحِة» رَوَاهُ البُخارِيُّ في «صَحِيْحِهِ» (٦٩٩٠) مِنْ حَدِيْثِ أَبي هُرَيرَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْه.
إلا َّ أَنَّ الرُّؤْيا تخالِفُ الوَحْيَ وَتفارِقهُ في مَسَائِلَ، مِنْهَا:
* أَنَّ شَرْط َ اعْتِبَارِهَا: أَنْ تَكوْنَ رُؤْيا صَالحِة ً، لا حُلمًا أَوْ أَضْغاثَ أَحْلام.
* وَأَنهَا لا تَكوْنُ باِخْتِيَارِ النّائِمِ، بَلْ ترِدُ عَليْهِ دُوْنَ اخْتِيَارِه.
* وَلا يُشْترَط ُ فِيْهَا صَلاحُ صَاحِبهَا لِصِحَّتِهَا، بَلْ رُبَّمَا كانَ كافِرًا أَوْ دُوْنَ ذلِك َ، كمَا في قِصَّةِ مَلِكِ مِصْرَ مَعَ يُوْسُفَ ﵇، وَصَاحِبَيْهِ في السِّجْن ِ، وَقدْ حَكاهَا الله ُ تَعَالىَ لنا في القرْآن ِ، وَقِصَّةِ هِرَقلَ في «صَحِيْحِ البُخارِيّ» (٧).
إلا َّ أَنَّ صِدْقَ رُؤْيا هَؤُلاءِ عَلى النادِرِ، بخِلافِ المؤْمِنِينَ المسْتقِيْمِينَ: فقدْ أَخْرَجَ البُخارِيُّ في «صَحِيْحِهِ» (٧٠١٧) وَمُسْلِمٌ (٢٠٦٣) عَنْ أَبي هُرَيرَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ يَقوْلُ: قالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ «إذا
[ ٣٣٢ ]
اقترَبَ الزَّمَانُ لمْ تكدْ تَكذِبُ رُؤْيا المؤْمِن ِ، وَرُؤْيا المؤْمِن ِ جُزْءٌ مِنْ سِتةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، وَمَا كانَ مِنَ النُّبُوَّةِ فإنهُ لا يَكذِب».
* وَأَنهَا لا اعْتبَارَ لها في الأَحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، فلا يثبتْ بهَا شَيْءٌ لمْ يثبتْ، وَلا ينفى لأَجْلِهَا شَيْءٌ ثابت.
* وَلا يُجْزَمُ بصِدْقِهَا، وَلا يُعْرَفُ صِدْقهَا إلا َّ بَعْدَ وُقوْعِهَا، بخِلافِ الوَحْيِّ، فيعْرَفُ صِدْقهُ قبْلَ وُقوْعِه.
وَيُسْلك ُ فِيْهَا مَسْلك ُ أَخْبَارِ بَني إسْرَائِيْلَ - التي لمْ يَرِدْ شَرْعُنَا بتَصْدِيْق ٍ لها وَلا برَدٍّ- لا تُصَدَّقُ وَلا تُكذَّبُ، كمَا قالَ النَّبيُّ ﷺ: «مَا حَدَّثكمْ أَهْلُ الكِتَابِ: فلا تُصَدِّقوْهُمْ وَلا تُكذِّبوْهُمْ، وَقوْلوْا آمَنّا باِللهِ وَرُسُلِه.
فإنْ كانَ بَاطِلا ً لمْ تُصَدِّقوْهُ، وَإنْ كانَ حَقا لمْ تُكذِّبوْه» رَوَاهُ الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِهِ» (٤/ ١٣٦) وَأَبوْ دَاوُوْدَ في «سُننِه» (٣٦٤٤).
وَلا سَبيْلَ إلىَ الجزْمِ بهَا إلا َّ مِنْ طرِيْق ِ الوَحْيِّ، كمَا في قِصَّةِ يُوْسُفَ ﵇ مَعَ مَلِكِ مِصْرَ وَمَعَ الفتَيَين ِ اللذَين ِ سُجِنَا مَعَهُ، فإنهُ بيَّنَ لهمْ تَأْوِيْلَ رُؤْياهُمْ، وَكانَ ذلِك َ وَحْيًا، لا رَجْمًا باِلغيْبِ: فجُزِمَ بصِدْق ِ تَأْوِيْلِهِ ﵇ وَإنْ كانَ قبْلَ وُقوْعِه.
وَكمَا كانَ يَفعَلهُ النَّبيُّ ﷺ كثِيرًا مَعَ أَصْحَابهِ بَعْدَ صَلاةِ الفجْرِ، فرَوَى البُخارِيُّ في «صَحِيْحِهِ» (١٣٨٦)، (٧٠٤٧) وَمُسْلِمٌ (٢٢٧٥) عَنْ
[ ٣٣٣ ]
سَمُرَةِ بْن ِجُنْدُبٍ رَضِيَ الله ُعَنْهُ قالَ: (كانَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ مِمّا يُكثِرُ أَنْ يَقوْلَ لأَصْحَابهِ: «هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكمْ مِنْ رُؤْيا؟».
قالَ سَمُرَة ُ: فيقصُّ عَليْهِ مَنْ شَاءَ الله ُ أَنْ يَقصّ) الحدِيْثَ بطوْلِه.
وَالوَحْيُ قدِ انقطعَ فانقطعَ مَعَهُ سَبيْلُ الجزْمِ بصِدْق ِ الرُّؤَى قبْلَ وُقوْعِهَا.
فإذا تقرَّرَ هَذَا عِنْدَك َ، وَأَنَّ الله َ قدِ اخْتَصَّ نفسَهُ سُبْحَانهُ بعِلمِ الغيْبِ، وَأَنْ لا اطلاعَ لأَحَدٍ مِنْ خلقِهِ عَليْهِ سِوَى مَا خَصَّ الله ُ بهِ رُسُلهُ وَأَنبيَاءَهُ ببعْض ِ أُمُوْرِهِ: إذا عَلِمْتَ هَذَا، عَلِمْتَ عَظِيْمَ ضَلال ِ كثِيرٍ مِنَ المتصَوِّفةِ زَاعِمِي الوَلايةِ، مِمَّنْ يَدَّعُوْنَ لأَنْفسِهمْ أَوْ لِبعْض ِ شُيُوْخِهمُ الاطلاعَ عَلى اللوْحِ المحْفوْظِ! مِمّا لمْ يَجْعَلهُ الله ُ تَعَالىَ وَلمْ يَأْذنْ بهِ لأَحَدٍ مِنْ خَلقِهِ، حَتَّى خِيْرَتِهِ مِنْ خَلقِهِ، لا نبيٍّ مُرْسَل ٍ، وَلا مَلكٍ مُقرَّبٍ، فكيْفَ يَجْعَلهُ لحِثالةِ الخلق ِ وَضُلالهِمْ وَرُذلائِهمْ.
أَمّا مَا يُخْبرُ بهِ هَؤُلاءِ الدَّجّالوْنَ المزْعُوْمَة ُ وَلايَتُهُمْ، مِنْ أُمُوْرٍ غيْبيَّةٍ فتَجِئُ أَخْبَارُهُمْ مُوَافِقة ً لِحَقِيْقةِ مَا غابَ: فهيَ - إنْ صَحَّ بَعْضُهَا- مِمّا تُوْحِيْهِ الشَّيَاطِينُ إلىَ أَوْلِيَائِهمْ مِنَ الكهنةِ مِنْ أُمُوْرِ الغيْبِ، كمَا قالَ سُبْحَانهُ عَن ِ الجِنِّ ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعْ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾.
[ ٣٣٤ ]
وَقالَ: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧) لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإٍ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾.
وَرَوَى الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِهِ» (٦/ ٨٧) وَالبخارِيُّ في «صَحِيْحِهِ» (٥٧٦٢)، (٦٢١٣)، (٧٥٦١) وَمُسْلِمٌ (٢٢٢٨) عَنْ عَائِشَة َزَوْجِ النَّبيِّ ﷺ رَضِيَ الله ُ عَنْهَا قالتْ: (سَأَلَ أُناسٌ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ عَن ِالكهّان ِ، فقالَ لهمْ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: «ليْسُوْا بشَيْءٍ».
فقالوْا: يَا رَسُوْلَ اللهِ، إنهُمْ يحَدِّثوْنَ أَحْيَانا باِلشَّيْءِ يَكوْنُ حَقا؟!
فقالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: «تِلك َ الكلِمة ُ مِنَ الحقِّ يَخْطفهَا الجنيُّ، فيقرُّهَا في أُذن ِ وَليِّهِ قرَّ الدَّجَاجَةِ، فيَخلِطوْنَ فِيْهَا أَكثرَ مِنْ مِئَةِ كذِبة»).
وَرَوَى البخارِيُّ في «صَحِيْحِهِ» (٤٨٠٠) عَنْ أَبي هُرَيرَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ يَقوْلُ: إنَّ نبيَّ اللهِ ﷺ قالَ: «إذا قضَى الله ُ الأَمْرَ في السَّمَاءِ، ضَرَبتِ الملائِكة ُ بأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانا لِقوْلِهِ، كأَنهُ سِلسِلة ٌ عَلى صَفوَانَ، ف ﴿إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ لِلذِي قالَ ﴿قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.
فيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُ السَّمْعِ، وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ هَكذَا بَعْضُهُ فوْقَ بَعْض ٍ، فيَسْمَعُ الكلِمَة َ فيلقِيْهَا إلىَ مَنْ تَحْتَهُ، ثمَّ يُلقِيْهَا الآخَرُ إلىَ مَنْ تَحْتَهُ، حَتَّى يُلقِيْهَا عَلى لِسان ِ السّاحِرِ أَوِ الكاهِن.
[ ٣٣٥ ]
فرُبمَا أَدْرَك َ الشِّهَابُ قبْلَ أَنْ يُلقِيْهَا، وَرُبمَا أَلقاهَا قبْلَ أَنْ يُدْرِكه.
فيَكذِبُ مَعَهَا مِئَة َ كذِبةٍ، فيقالُ: أَليْسَ قدْ قالَ لنا يوْمَ كذَا وَكذَا: كذا وكذا؟! فيصَدَّقُ بتِلك َ الكلِمَةِ التي سَمِعَ مِنَ السَّمَاء».
وَرَوَى الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِهِ» (١/ ٢١٨) عَن ِ ابْن ِ عَبّاس ٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا قالَ: (كانَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ جَالِسًا في نفرٍ مِنْ أَصْحَابهِ مِنَ الأَنصَارِ، فرُمِيَ بنجْمٍ عَظِيْمٍ فاسْتنَار!
قالَ: «مَا كنتمْ تقوْلوْنَ إذا كانَ مِثْلُ هَذَا في الجاهِلِيَّة؟».
قالَ: كنا نقوْلُ يُوْلدُ عَظِيْمٌ أَوْ يَمُوْتُ عَظِيْم.
قالَ: قالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: «فإنهُ لا يرْمَى بهَا لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ، وَلكِنَّ رَبنا تبَارَك َ اسْمُهُ إذا قضَى أَمْرًا: سَبَّحَ حَمَلة ُ العَرْش ِ، ثمَّ سَبَّحَ أَهْلُ السَّمَاءِ الذين يَلوْنهُمْ حَتَّى يَبْلغَ التَّسْبيْحُ هَذِهِ السَّمَاءَ الدُّنيا.
ثمَّ يَسْتَخْبرُ أَهْلُ السَّمَاءِ الذِيْنَ يَلوْنَ حَمَلة َ العَرْش ِ، فيقوْلُ الذِيْنَ يَلوْنَ حَمَلة َالعَرْش ِ، لحمَلةِ العَرْش ِ: مَاذا قالَ رَبُّكمْ؟ فيُخْبرُوْنهُمْ.
وَيُخْبرُ أَهْلُ كلِّ سَمَاءٍ سَمَاءً، حَتَّى يَنْتَهيَ الخبرُ إلىَ هَذِهِ السَّمَاءِ وَيَخْطِفُ الجنُّ السَّمْعَ فيُرْمَوْنَ، فمَا جَاءُوْا بهِ عَلى وَجْههِ: فهُوَ حَقٌّ، وَلكِنَّهُمْ يُقذَفوْنَ وَيزِيدُوْنَ، وَيَخْطِفُ الجِنُّ وَيُرْمَوْن».
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ في «صَحِيْحِهِ» (٢٢٢٩) وَالتِّرْمِذِيُّ في «جَامِعِه» (٣٢٢٤).
[ ٣٣٦ ]