َ ذو السُّوَيْقتَيْن ِ مِنَ الحبشة» رَوَاهُ البُخارِيُّ في «صَحِيْحِهِ» (١٥٩١)، (١٥٩٦) وَمُسْلِم (٢٩٠٩).
* وَفي رِوَايةٍ لأَحْمَدَ في «مُسْنَدِهِ» (٢/ ٢٢٠) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن ِ عَمْرٍو رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا قالَ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ يقوْلُ: «يُخْرِبُ الكعْبَة َ ذو السُّوَيْقتيْن ِ مِنَ الحبشةِ، وَيسْلبهَا حِليتهَا، وَيُجَرِّدُهَا مِنْ كِسْوَتِهَا، وَلكأَني أَنظرُ إليْهِ أُصَيْلِعُ أُفيْدِعُ يَضْرِبُ عَليْهَا بمِسْحاتهِ وَمِعْوَلِه».
الوَجْهُ الحادِي عَشَرَ: أَنهُ مُخالِفٌ لإجْمَاعِ أَهْل ِ العِلمِ، عَلى جَوَازِ طرُوْءِ الكفرِ وَالشِّرْكِ عَلى كلِّ مُكلفٍ إلا َّ الأَنبيَاءَ، فهُمْ مَخْصُوْصُوْنَ بعِصْمَةِ اللهِ لهمْ مِنْ ذلِك َ كله.
وَلمْ يَسْتثن ِ أَهْلُ العِلمِ أَهْلَ الجزِيْرَةِ مِنْ هَذِهِ الأَحْكامِ، بَلْ هُمْ دَاخِلوْنَ فِيْهَا بلا رَيْبٍ، وَمَا قدَّمْنَاهُ في الوَجْهِ الثالِثِ وَالرّابعِ وَالخامِس ِ، مِنَ ارْتدَادِ أَحْيَاءٍ مِنَ العَرَبِ زَمَنَ أَبي بَكرٍ الصِّدِّيق ِ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ، وَارْتِدَادِ جَمَاعَةٍ آخَرِيْنَ مِنْ أَهْل ِ الجزِيْرَةِ، بإيْمَانِهمْ بمُسَيْلِمَة َ الكذّابِ، وَارْتِدَادِ آخَرِيْنَ بتأْلِيْههمْ عَليًّا رَضِيَ الله ُ عَنْهُ، وَهُمْ جَمِيْعًا مِنْ أَهْل ِ الجزِيْرَةِ: يدُلُّ عَلى ذلِك َ أَيْضًا.
هَذِهِ أَحَدَ عَشَرَ وَجْهًا، كلُّ وَجْهٍ مِنْهَا يُسْقِط ُ تَأْوِيْلَ أُوْلئِك َ المبْطِلِيْنَ بحمْدِ الله.
فصل أَمّا اسْتِدْلالُ هَؤُلاءِ المبْطِلِيْنَ، عَلى صِحَّةِ أَعْمَالهِمُ الشِّرْكِيَّةِ، بقوْلِهِ ﷺ: «إنَّ الشَّيْطانَ قدْ أَيسَ أَنْ يَعْبُدَهُ المصَلوْنَ في جَزِيْرَةِ العَرَبِ، وَلكِنْ في التَّحْرِيْش ِ بَيْنَهُمْ»: فاسْتِدْلالٌ بَاطِلٌ في غيْرِ مَحَلهِ وَلا مَكانِه، وَجَوَابهُ مِنْ وُجُوْهٍ أَيضًا:
[ ٢٠٩ ]
الوَجْهُ الأَوَّلُ: أَنَّ يَأْسَ المخْلوْق ِ- أَيا كانَ، وَلوْ كانَ صَالِحًا فضْلا ً عَنْ غيرِهِ -: لا يدُلُّ عَلى انتِفاءِ مَا يئِسَ مِنْهُ، بَلْ رُبمَا كانَ مَا يئِسَ مِنْهُ أَقرَبَ إليْهِ مِنْ شِرَاكِ نعْلِهِ، قالَ سُبْحَانهُ: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾.
فيَأْسُ الرُّسُل ِ لمْ يَكنْ صَحِيْحًا في حَقِيْقةِ الأَمْرِ مِنَ الميْؤُوْس ِ مِنْهُ، بَلْ كانَ قرْبُ الميْؤُوْس ِ مِنْهُ شَدِيْدًا، لكِنْ لِخفاءِ ذلِك َ عَنْهُمْ ظنُّوْا مَا ظنُّوْا.
وَهَذَا مِنْ قصُوْرِ البشرِ، وَعَدَمِ عِلمِهمْ باِلغيْبِ إلا َّ مَا أَظهَرَهُمُ الله ُ عَليْهِ: رَوَى الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِهِ» (٤/ ١١ - ١٢) وَأَبوْ دَاوُوْدَ الطيالِسِيُّ في «مُسْنَدِهِ» (ص١٤٧) (١٠٩٢) وَابْنُ مَاجَهْ في «سُننِهِ» (١٨١) كلهُمْ مِنْ طرِيْق ِ حَمّادِ بْن ِسَلمَة َ عَنْ يَعْلى بْن ِ عَطاءٍ عَنْ وَكِيْعِ بْن ِ عُدُس ٍ عَنْ عَمِّهِ أبي رَزِيْن ٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: «ضَحِك َ رَبنا مِنْ قنوْطِ عِبَادِهِ، وَقرْبِ غِيَرِه».
وَالقنوْط ُ: اليأْسُ. والغِيَرُ: سُقيا اللهِ ﷿ لِعِبَادِهِ باِلأَمْطار.
فلمّا كانَ العِبَادُ لا يرَوْنَ فرَجًا قرِيْبًا، وَيئسُوْا مِنْ فرَجهمْ وَقنِطوْا، وَكانَ فرَجُهُمْ في الحقِيْقةِ قرِيبا: كانَ ذلِك َ مُوْجِبًا لِضَحِكِ الرَّحْمَن ِ جَلَّ وَعَلا.
[ ٢١٠ ]
لهِذَا جَاءَ في رِوَايةٍ لأَحْمَدَ في «مُسْنَدِهِ» (٤/ ١٣) وَابْن ِخُزَيْمَة َ في «التَّوْحِيْدِ» (٢/ ٤٦٠ - ٤٧٠) (٢٧١) والحاكِمِ في «مُسْتَدْرَكِهِ» (٤/ ٥٦١) زَادُوْا: «يُشْرِفُ عَليْكمْ أَزِلِيْنَ مُشْفِقِيْنَ، فظلَّ يَضْحَك ُ، وَقدْ عَلِمَ أَنَّ فرَجَكمْ قرِيْبٌ».
فيَأْسُ المخلوْق ِ لا ينفِي تَحَققَ الميْؤُوْس ِ مِنْهُ وَحُصُوْله.
بَلْ رُبمَا كانَ ذلِك َ الميْؤُوْسُ مِنْهُ قرِيبا، كمَا في «آيةِ يُوْسُفَ» وَ«حَدِيْثِ أَبي رَزِيْن ٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ»، وَقدْ تقدَّما.
فيَأْسُ الشَّيْطان ِ لا يدُلُّ عَلى انتِفاءِ مَا يَئِسَ مِنْهُ، لأَنَّ ذلِك َ ضَرْبٌ مِنْ ضُرُوْبِ الغيْبِ، وَقدْ خَفِيَ عَنْهُ كمَا تقدَّم.
وَإنمَا يدُلُّ عَلى انتِشَارِ الخيرِ في ذلِك َ الزَّمَان ِ، حَتَّى ظنَّ الشَّيْطانُ - لِكثْرَةِ مَا يرَاهُ مِنَ الخيرِ وَانتِشَارِ الحقِّ وَالهدَى، وَظهُوْرِ أَهْلِهِ-: أَنْ لا يُضِلَّ أَحَدًا مِنَ المؤْمِنِينَ في جَزِيْرَةِ العَرَبِ، وَلا يُعْبَدُ فِيْهَا شَيءٌ غيرَ اللهِ ﷿.
الوَجْهُ الثّانِي: تقدَّمَ ذِكرُهُ في الوَجْهِ الثّانِي عَلى الحدِيْثِ السّابق ِ «لا يَجْتَمِعُ دِيْنَان ِ في جَزِيْرَةِ العَرَب».
وَالوَجْهُ الثالِثُ: تقدَّمَ ذِكرُهُ في الوَجْهِ الثالِث (ص٢٠٥).
وَالوَجْهُ الرّابعُ: تقدَّمَ في الوَجْهِ الرّابع (ص٢٠٥).
وَالوَجْهُ الخامِسُ: تقدَّمَ في الوَجْهِ الخامِس (ص٢٠٥).
وَالوَجْهُ السّادِسُ: تقدَّمَ في الوَجْهِ السّابع (ص٢٠٦).
[ ٢١١ ]
وَالوَجْهُ السّابعُ: تقدَّمَ في الوَجْهِ الثامِن (ص٢٠٦).
وَالوَجْهُ الثامِنُ: تقدَّمَ في الوَجْهِ التّاسِع (ص٢٠٦ - ٢٠٨).
وَالوَجْهُ التّاسِعُ: تقدَّمَ في الوَجْهِ العَاشِر (ص٢٠٨ - ٢٠٩).
وَالوَجْهُ العَاشِرُ: تقدَّمَ في الوَجْهِ الحادِي عَشر (ص٢٠٩).
هَذِهِ عَشَرَة ُ وُجُوْهٍ في إبْطال ِ اسْتِدْلال ِ القبوْرِيينَ بحدِيْثِ «إنَّ الشَّيْطانَ قدْ أَيسَ أَنْ يَعْبُدَهُ المصَلوْنَ في جَزِيْرَةِ العَرَب».
وَتقدَّمَ قبْلهَا أَحَدَ عَشَرَ وَجْهًا في إبْطال ِ اسْتِدْلالهِمْ بحدِيْثِ «لا يَجْتَمِعُ دِينان ِ في جَزِيرَةِ العَرَب».
وَالحاصِلُ: أَنهُ لا يَصِحُّ لهمْ دَلِيْلٌ في هَذِهِ المسْأَلةِ، وَكلُّ مَا اسْتَدَلوْا بهِ لا حُجَّة َ لهمْ فِيْهِ إجْمَاعًا، كمَا تقدَّم. وَشُذُوْذهُمْ في الاسْتِدْلال ِ بهَذَيْن ِ الدَّليْليْن ِ عَلى تِلك َ المسْأَلةِ، كشذُوْذِهِمْ في اسْتِدْلالهِمْ في مَسَائِل ِ تَوْحِيْدِ العِبَادَة:
فإمّا دَلِيْلٌ صَحِيْحٌ: حَرَّفوْهُ لِيَسْتَقِيْمَ بهِ لهمُ اسْتِدْلالهمْ.
أَوْ دَلِيْلٌ ضَعِيْفٌ أَوْ مَوْضُوْعٌ، لا يَصِحُّ أَوْ لا أَصْلَ له.
وَالقوْمُ ليْسَ لهمْ زِمَامٌ مِنْ نقل ٍ، وَلا خِطامٌ مِنْ عقل.
[ ٢١٢ ]