قدِ اخْتَلفَ الحفاظ ُ في هَذَا الحدِيْثِ، أَيكوْنُ مُضْطرِبا لِرِوَايةِ الثوْرِيِّ لهُ مُرْسَلا ً، وَرِوَايةِ غيْرِهِ لهُ مَوْصُوْلا ً أَمْ لا؟ وَهَل ِ المحْفوْظ ُ مِنْ رِوَايةِ الثوْرِيِّ لهُ: الرِّوَاية ُ الموْصُوْلة ُ أَوِ المرْسَلة؟
فقالَ الدّارِمِيُّ بَعْدَهُ في «سُننِهِ» (١٣٩٠): (الحدِيْثُ أَكثرُهُمْ أَرْسَلوْه) اه.
وَسُئِلَ الحافِظ ُ أَبو الحسَن ِ الدّارَقطنيُّ عَنْهُ فقالَ:
(يَرْوِيْهِ عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْن ِ عُمَارَة َ، وَاخْتُلفَ عَنْهُ:
فرَوَاهُ عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ زِيادٍ، وَالدَّرَاوَرْدِيُّ، وَمحمَّدُ بْنُ إسْحَاقَ: عَنْ عَمْرِو بْن ِ يَحْيَى عَنْ أَبيْهِ عَنْ أَبي سَعِيْدٍ مُتصِلا ً.
وَكذَا رَوَاهُ أَبوْ نعَيْمٍ: عَن ِ الثوْرِيِّ عَنْ عَمْرٍو.
وَتابعَهُ: سَعِيْدُ بْنُ سَالمٍ القدّاحُ، وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ عَن ِ الثوْرِيِّ، فوَصَلوْه!
وَرَوَاهُ جَمَاعَة ٌ (١): عَنْ عَمْرِو بْن ِ يَحْيَى عَنْ أَبيْهِ مُرْسَلا ً، وَالمرْسَلُ هُوَ المحْفوْظ.
_________________
(١) - أَي رَوَاهُ جَمَاعَة ٌ عَنْ سُفيَانَ الثوْرِيِّ عَنْ عَمْرٍو مُرْسَلا ً، فخَالفوْا مَنْ قبْلهُمْ مِمَّنْ رَوَوْهُ عَنْ سُفيَانَ مَوْصُوْلا ً، وَالمرْسَلُ مِنْ حَدِيْثِ الثوْرِيِّ، هُوَ المحْفوْظ.
[ ١٦٧ ]
حَدَّثنا أَحْمَدُ بْنُ العَبّاس ِ البَغوِيُّ، وَإسْمَاعِيْلُ الصَّفارُ قالا: حَدَّثنا أَبوْ قلابة َ حَدَّثنَا أَبوْ نعَيْمٍ حَدَّثنَا سُفيَانُ عَنْ عَمْرِو بْن ِ يَحْيَى عَنْ أَبيْهِ عَنْ أَبي سَعِيْدٍ قالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: «الأَرْضُ كلهَا مَسْجِدٌ إلا َّ الحمّامَ وَالمقبرَة».
حَدَّثنا جَعْفرُ بْنُ أَحْمَدِ بْن ِمحمَّدٍ المؤَذِّنُ ثِقة ٌ قالَ: حَدَّثنا السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى حَدَّثنا أَبوْ نعَيْمٍ وَقبيْصة ُ قالا: حَدَّثنَا سُفيَانُ عَنْ عَمْرِو بْن ِيَحْيَى عَنْ أَبيْهِ قالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: «الأَرْضُ كلهَا مَسْجِدٌ إلا َّ الحمّامَ وَالمقبَرَة) اه مِنَ «العِلل» لهُ ﵀ (١١/ ٣١٩ - ٣٢١).
قالَ البَيْهَقِيُّ بَعْدَهُ في «سُننِهِ الكبْرَى» (٢/ ٤٣٥):
(حَدِيْثُ الثوْرِيِّ مُرْسَلٌ، وَقدْ رُوِيَ مَوْصُوْلا ً وَليْسَ بشَيْءٍ.
وَحَدِيْثُ حَمّادِ بْن ِسَلمَة َ مَوْصُوْلٌ، وَقدْ تابعَهُ عَلى وَصْلِهِ: عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ زِيادٍ، وَالدَّرَاوَرْدِيّ) اه.
وَقوْلُ الدّارَقطنِيِّ (وَالمرْسَلُ هُوَ المحْفوْظ ُ): يُرِيْدُ بهِ المرْسَلَ مِنْ حَدِيْثِ سُفيَانَ الثوْرِيِّ، هُوَ المحْفوْظ ُ عَنْهُ، بخلافِ الموْصُوْل ِ مِنْ طرِيْقِهِ فلمْ يُحْفظ ْ عَنْه.
وَلا يُرِيْدُ الدّارَقطنيُّ أَصْلَ الحدِيْثِ، أَنَّ المحْفوْظ َ مِنْهُ المرْسَلُ دُوْنَ الموْصُوْل ِ، لِهَذَا لمّا قالَ الدّارَقطنيُّ (وَالمرْسَلُ هُوَ المحْفوْظ) سَاقَ بسَنَدِهِ حَدِيْثَ سُفيَانَ الثوْريِّ مِنْ طرِيْقيْهِ المرْسَل ِ المحْفوْظ ِ، وَالموْصُوْل ِ غيْرِ المحْفوْظ.
[ ١٦٨ ]
وَكذَلِك َ مُرَادُ البَيْهَقِيِّ مِنْ قوْلِهِ: (وَقدْ رُوِيَ مَوْصُوْلا ً، وَليْسَ بشَيْءٍ): أَي قدْ رُوِيَ حَدِيْثُ الثوْرِيِّ مَوْصُوْلا ً وَليْسَ بشَيْءٍ، لأَنَّ الرّاجِحَ عِنْدَهُ: أَنَّ حَدِيْثَ الثوْرِيِّ مُرْسَل.
أَمّا التِّرْمِذِيُّ فقالَ بَعْدَ رِوَايتِهِ لهُ مِنْ طرِيْق ِ الدَّرَاوَرْدِيِّ مَوْصُوْلا ً في «عِللِهِ الكبيرِ» (١١٣): (تابعَهُ حَمّادُ بْنُ سَلمَة َ. ثمَّ قالَ التِّرْمِذِيُّ: كانَ الدَّرَاوَرْدِيُّ أَحْيَانا يَذْكرُ فِيْهِ «عَنْ أَبي سَعِيْدٍ»، وَرُبمَا لمْ يَذْكرْ فِيْهِ. وَالصَّحِيْحُ: رِوَاية ُ الثوْرِيِّ وَغيْرِهِ عَنْ عَمْرِو بْن ِ يَحْيَى عَنْ أَبيْهِ مُرْسَل) اه.
وَقالَ ابْنُ المنذِرِ في «الأَوْسَطِ» (٢/ ١٨٢):
(رَوَى هذَا الحدِيْثَ حَمّادُ بْنُ سَلمَة َ، وَالدَّرَاوَرْدِيُّ، وَعَبّادُ بْنُ كثِيْرٍ، كرِوَايةِ عَبْدِ الوَاحِدِ مُتصِلا ً عَنْ أَبي سَعِيْدٍ عَن ِ النَّبيِّ ﷺ. إذا رَوَى الحدِيْثَ ثقة ٌ، أَوْ ثِقاتٌ مَرْفوْعًا مُتَّصِلا ً، وَأَرْسَلهُ بَعْضُهُمْ، يثْبُتُ الحدِيْثُ برِوَايةِ مَنْ رَوَى مَوْصُوْلا ً عَن ِ النَّبيِّ ﷺ، وَلمْ يُوَهِّن ِالحدِيْثَ تخلفُ مَنْ تخلفَ عَنْ إيْصَالِه.
وَهَذَا السَّبيْلُ في الزِّيادَاتِ في الأَسَانِيْدِ، وَالزِّيادَاتِ في الأَخْبَارِ، وَكثِيرٍ مِنَ الشّهَادَاتِ، وَمِمّا يَزِيْدُ ذلِك َ تأْكيْدًا وَوُضُوْحا: الثابتُ عَن ِ ابْن ِ عُمَرَ عَن ِالنبيِّ ﷺ أَنهُ قالَ: «اِجْعَلوْا فِي بيوْتِكمْ مِنْ صَلاتِكمْ») اه.
وَقالَ الحاكِمُ في «مُسْتَدْرَكِهِ» بَعْدَ رِوَايتِهِ لهُ مِنْ طرِيْق ِعَبْدِ الوَاحِدِ بن ِ زِيادٍ مَوْصُوْلا ً (١/ ٢٥١): (تابعهُ عَبْدُ العَزِيْزِ بْنُ محمَّدٍ عَنْ عَمْرِو بْن ِ يَحْيَى).
[ ١٦٩ ]
ثمَّ سَاقَ هَذِهِ المتابعة َ بسَنَدِهِ (١/ ٢٥١)، وَمَعَهَا مُتَابعة ُ عُمَارَةِ بْن ِ غزِية َ كذَلِك َ، وَكلاهُمَا مُتَّصِلة.
ثمَّ قالَ الحاكِمُ: (هَذِهِ الأَسَانِيْدُ كلهَا صَحِيْحَة ٌ، عَلى شَرْطِ البُخارِيِّ وَمُسْلِمٍ، وَلمْ يخرِّجَاه) اه.
قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمية َ ﵀ ُ، بَعْدَهُ كمَا في «مَجْمُوْعِ الفتاوَى» (٢٧/ ١٥٩): (رَوَاهُ الإمَامُ أَحْمَدُ، وَأَهْلُ الكتبِ الأَرْبعَةِ، وَابْنُ حِبّانَ في «صَحِيْحِهِ». وَقالَ الترْمِذِيُّ: «فِيْهِ اضْطِرَابٌ»، لأَنَّ سُفيَانَ الثوْرِيَّ أَرْسَله.
لكِنَّ غيْرَ الترْمِذِيِّ جَزَمَ بصِحَّتِهِ، لأَنَّ غيْرَهُ مِنَ الثقاتِ أَسْنَدُوْهُ، وَقدْ صَحَّحَهُ ابْنُ حَزْمٍ أَيْضًا).
وَقالَ ﵀ ُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ (٢١/ ٣٢٠) عَلى حَدِيْثِ «الأَرْضُ كلهَا مَسْجِدٌ إلا َّ المقبرَة َ وَالحمّام»: (كمَا فِي حَدِيْثِ أَبي سَعِيْدٍ الذِي فِي «سُنَن ِأَبي دَاوُوْدَ» (٤٩٢) وَغيْرِه، وَقدْ صَحَّحَهُ مَنْ صَحَّحَهُ مِنَ الحفاظِ، وبَينُوْا أَنَّ رِوَاية َ مَنْ أَرْسَلهُ، لا تنَافِي الرِّوَاية َ المسْندَة َ الثّابتة َ، أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «الأَرْضُ كلهَا مَسْجِدٌ، إلا َّ المقبَرَة َ وَالحمّام») انتهَى كلامُهُ ﵀.
وَقالَ شَيْخُ الإسْلامِ أَيْضًا في «اقتِضَاءِ الصِّرَاطِ المسْتقِيْم» (٢/ ٦٧٧) بَعْدَهُ: (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبوْ دَاوُوْدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالبزّارُ وَغيْرُهُمْ، بأَسانِيْدَ جَيِّدَةٍ، وَمَنْ تكلمَ فِيْهِ فمَا اسْتوْفى طرُقه) اه.
[ ١٧٠ ]
وَقالَ الحافِظ ُ ابْنُ حَجَرٍ في «التَّلْخِيْص ِ الحبيْرِ» (١/ ٢٧٧) بَعْدَهُ: (قالَ النَّوَوِيُّ في «الخلاصَةِ»: «هُوَ ضَعِيْفٌ»، وَقالَ صَاحِبُ «الإمَامِ»: «حَاصِلُ مَا عللَ بهِ الإرْسَالُ، وَإذا كانَ الوَاصِلُ لهُ ثِقة ً: فهوَ مَقبوْل».
وَأَفحَشَ ابْنُ دِحْيَة َ الكلبيُّ فقالَ في «كِتَابِ التنْوِيْرِ» لهُ: «هَذَا لا يَصِحُّ مِنْ طرِيْق ٍ مِنَ الطرُق ِ»! كذَا قالَ، فلمْ يُصِبْ.
قلتُ: وَلهُ شَوَاهِدُ، مِنْهَا:
* حَدِيْثُ عَبْدِ اللهِ بْن ِعَمْرٍو مَرْفوْعًا: «نهَى عَن ِ الصَّلاةِ في المقبَرَة» أَخْرَجَهُ ابنُ حِبّان (٢٣١٩).
* وَمِنْهَا حَدِيْثُ عَلِيٍّ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ: «إنَّ حِبِّي نهَانِي أَنْ أُصَليَ في المقبَرَةِ» أَخْرَجَهُ أَبو دَاوُوْدَ (٤٩٠» اه.
وَقالَ الحافِظ ُ أَيْضًا في «الفتْحِ» (١/ ٦٩٦) بَعْدَهُ: (رِجَالهُ ثِقاتٌ، لكِن ِ اخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ وَإرْسَالِهِ، وَحَكمَ مَعَ ذلِك َ بصِحَّتِهِ: الحاكِمُ وَابْنُ حِبان) اه.
وَقدْ سَمِعْتُ شَيْخنا العَلاّمَة َ عَبْدَ العَزِيْزِ بْنَ عَبْدِ اللهِ ابْنَ بازٍ ﵀ ُ يَقوْلُ فِي حَدِيْثِ أَبي سَعِيْدٍ السّابق ِ: (إسْنَادُهُ جَيِّد).
وَالخلاصَة ُ: أَنَّ حَدِيْثَ أَبي سَعِيْدٍ الخدْرِيِّ هَذَا، حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ بلا شَك ّ، وَقدْ قدَّمْتُ طرُقهُ وَرِوَاياتِهِ، وَكانَ مِنْهَا أَسَانِيْدُ عَلى شَرْطِ الشَّيْخَيْن ِ، لِذَا صَحَّحَهُ الحاكِمُ عَلى شَرْطِهمَا،
[ ١٧١ ]