قدْ بيَّنّا في فصُوْل ٍ كثِيْرَةٍ تقدَّمَتْ، حُكمَ الصَّلاةِ في المقابرِ وَعِنْدَ القبوْرِ، وَأَنهَا صَلاة ٌ باطِلة ٌ مُحَرَّمة ٌ غيْرُ صَحِيْحَةٍ، وَفاعِلهَا ليْسَ لهُ مِنْهَا إلا َّ الإثمُ العَظِيْمُ وَالوِزْرُ الكبيْرُ، وَلا تسْقط ُ عَنْهُ الصَّلاة ُ بفِعْلِهَا في ذلِك َ المكان ِ المحَرَّمِ، ولا تبْرَأُ ذِمَّتُه.
غيْرَ أَنَّ مَا يَفعَلهُ كثِيْرٌ مِنَ المصَلينَ عِنْدَ القبوْرِ وَالمقابرِ: أَعْظمُ بكثِيْرٍ مِنْ مُجَرَّدِ حُرْمَةِ تِلك َ الصَّلاةِ وَبُطلانِهَا.
فقدْ تَعَلقَ كثِيرٌ مِنْ هَؤُلاءِ بأَصْحَابِ القبوْرِ، وَزَعَمُوْا لهمْ كرَامَاتٍ وَأُعْطِيَاتٍ وَهِبَاتٍ وَمَنْزِلة ً عِنْدَ اللهِ، لِذَا فقدِ اتَّخذُوْا دُعَاءَهُمْ وَسِيْلة ً إليْهِ، وَالاسْتِغاثة َ بهمْ طرِيْقا إلىَ الاسْتِغاثةِ بهِ، كمَا فعَلَ سَابقوْهُمْ مِنَ المشْرِكِينَ، باِلملائِكةِ وَالنَّبيِّينَ وَجَمَاعَاتٍ مِنَ الصّالحِينَ، صَوَّرُوْا صُوَرَهُمْ، وَجَعَلوْهَا أَصْنَامًا وَتَمَاثِيْلَ، وَدَعَوْهَا وَاسْتَغَاثوْا بهَا.
وَكمَا فعَلتِ النَّصَارَى بعِيْسَى بْن ِ مَرْيَمَ وَأُمِّهِ الصِّدِّيْقةِ ﵉، قالَ سُبْحَانهُ -ذاكِرًا حُجَّة َ هَؤُلاءِ المشْرِكِينَ المتَقدِّمِينَ -:
[ ٢١٣ ]
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾.
وَقالَ سُبْحَانهُ: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
وَحُجَّة ُ هَؤُلاءِ المشْرِكِينَ: هِيَ حُجَّة ُ مُشْرِكِي زَمَانِنَا فِي مَعْبُوْدِيْهمْ، مِنَ الأَوْلِيَاءِ وَالصّالحِينَ وَغيرِهِمْ مِنْ ضَالينَ وَمُسْلِمِين.
غيرَ أَنَّ مُتَقدِّمِيْهمْ مَثلوْا صُوَرَ الصّالحِينَ بأَحْجَارٍ وَطِين ٍ وَتَمْرٍ وَغيرِهِ، وَجَعَلوْهَا أَصْنَامًا تُذَكرُهُمْ إياهُمْ. وَمُشْرِكو زَمَانِنَا: جَعَلوْا القبوْرَ وَالأَضْرِحَة َ وَالقِبَابَ مَكانَ الأَصْنَامِ، وَأَقامُوْا عَليْهَا مَعَابدَهُمُ الشِّرْكِيَّة َ، وَسَمَّوْهَا مَشَاهِدَ، وَليْسَتْ بمسَاجِدَ، وَإنْ شَابَهَتْ بناءَهَا، وَ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُهْتَدِينَ﴾.
وَقدْ ذكرَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمية َ ﵀ ُ: أَنَّ هَؤُلاءِ المشْرِكِينَ المتَأَخِّرِيْنَ، يُعَظمُوْنَ مَشَاهِدَهُمْ أَكثرَ مِنْ مَسَاجِدِهِمْ! وَتقدِّمُ جَمَاعَاتٌ كثِيرة ٌ مِنْهُمْ حَجَّهَا، عَلى حَجِّ بَيْتِ رَبِّهَا!
[ ٢١٤ ]
وَقدْ بَذَلوْا فِي عِمَارَتِهَا الأَمْوَالَ، وَزَيَّنُوْهَا باِلذَّهَبِ وَالحرِيْرِ وَأَمَدُّوْهَا بأَيدِي الرِّجَال. أَمّا مَسَاجِدُهُمْ: فهيَ خَالِيَة ٌ مِنَ المصَلينَ، مُعَطلة ٌ مِنْ ذلِك َ كله.
قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمية َ في «رَدِّهِ عَلى البَكرِيِّ» (٢/ ٦٧٣ - ٦٧٤): (وَكثِيرٌ مِنْ هَؤُلاءِ يُخْرِبُوْنَ المسَاجِدَ، وَيَعْمُرُوْنَ المشَاهِدَ! فتجِدُ المسْجِدَ الذِي بُنِيَ لِلصَّلوَاتِ الخمْس ِ: مُعَطلا ً مُخْرَبًا ليْسَ لهُ كسْوَة ٌ إلا َّ مِنَ النّاس ِ، وَكأَنهُ خَانٌ مِنَ الخانات!
وَالمشْهَدَ الذِي بُنِيَ عَلى الميِّتِ: عَليْهِ السُّتُوْرُ، وَزِيْنَة ُ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَالرُّخَامُ؛ وَالنُّذُوْرُ تَغْدُوْ وَتَرُوْحُ إليْه!
فهَلْ هَذَا إلا َّ مِنَ اسْتِخْفافِهمْ باِللهِ تَعَالىَ وَآياتِهِ وَرَسُوْلِهِ، وَتَعْظِيْمِهمْ لِلشِّرْك؟!
فإنهُمْ اعْتقدُوْا أَنَّ دُعَاءَ الميِّتِ -الذِي بُنِيَ لهُ المشْهَدُ- وَالاسْتِغاثة َبهِ: أَنفعُ لهمْ مِنْ دُعَاءِ اللهِ تَعَالىَ، وَالاسْتِغاثةِ بهِ فِي البيْتِ الذِي بُنِيَ للهِ ﷿!
ففضَّلوْا البيْتَ الذِي بُنِيَ لِدُعَاءِ المخْلوْق ِ، عَلى البيْتِ الذِي بُنِيَ لِدُعَاءِ الخالِق!
وَإذا كانَ لهِذَا وَقفٌ وَلهِذَا وَقفٌ: كانَ وَقفُ الشِّرْكِ أَعْظمَ عِنْدَهُمْ! مُضَاهَاة ً لِمُشْرِكِي العَرَبِ الذِيْنَ ذكرَ الله ُ تَعَالىَ حَالهُمْ فِي
[ ٢١٥ ]
قوْلِهِ تَعَالىَ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنْ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.
كمَا يَجْعَلوْنَ للهِ زَرْعًا وَمَاشِيَة ً، وَلآلِهَتِهمْ زَرْعًا وَمَاشِيَة ً، فإذا أُصِيْبَ نَصِيْبُ آلِهَتِهمْ: أَخَذُوْا مِنْ نَصِيْبِ اللهِ تَعَالىَ، فوَضَعُوْهُ فِيْهِ، وَقالوْا: «الله ُ غنِيٌّ، وَآلِهَتنا فقرَاءُ»! فيُفضِّلوْنَ مَا يُجْعَلُ لِغيرِ اللهِ تَعَالىَ عَلى مَا يُجْعَلُ للهِ تَعَالىَ!
وَهَكذَا الوُقوْفُ وَالنُّذُوْرُ التي تُبْذَلُ عِنْدَهُمْ لِلمَشاهِدِ أَعْظمُ عِنْدَهُمْ مِمّا تُبْذَلُ لِلمَسَاجِدِ وَلِعِمَارَةِ المسَاجِدِ وَلِلجهادِ فِي سَبيْل ِ اللهِ تَعَالىَ) اه كلامُ شَيْخِ الإسْلامِ ﵀.
وَأَعْرِفُ بَعْضَ وَزَارَاتِ الشُّؤُوْن ِ الإسْلامِيَّةِ فِي بَعْض ِ بلادِ المسْلِمِينَ، مِمَّن ِ ابتلوْا بهَذِهِ الأَوْثان ِ وَعبّادِهَا: مَنْ تَجْمَعُ الأَمْوَالَ مِنْ بَيْتِ المال ِ، وَمِنَ المتصَدِّقِينَ لِبناءِ المسَاجِدِ، ثمَّ تنفِقهَا عَلى بناءِ المشَاهِدِ المعَابدِ الوَثنِيَّةِ! وَالقِبَابِ وَتَشْييْدِ الأَضْرِحَةِ! وَتزْيينِهَا! وَإقامَةِ القيِّمِينَ عَليْهَا!
أَمّا المسَاجِدُ الخالِيَة ُ مِنَ القبوْرِ: فليْسَ لها نَصِيْبٌ مِنْ ذلِك َ! فتجِدُهَا مُهْمَلة ً دُوْنَ عِنَايةٍ وَلا رِعايةٍ! فإذا طلبَ عُمّارُهَا شَيْئًا مِنْ تِلك َ الوَزَارَاتِ لِعِمَارَتِهَا أَوْ كِسْوَتِهَا: اعْتَذَرُوْا لهمْ بقِلةِ ذاتِ اليدِ!
[ ٢١٦ ]
وَضَعْفِ الموَارِدِ! فسُبْحَانَ مَنْ نزَّهَ مَسَاجِدَهُ مِنْ أُوْلئِك َ المشْرِكِينَ، وَأَبْعَدَهُمْ عَنْهَا وَعَنْ عِمَارَتِهَا إلىَ مَشَاهِدِهِمْ وَمَعَابدِهِمْ، كمَا قالَ سُبْحَانهُ: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُهْتَدِينَ﴾.
وَقدْ قالَ جَمَاعَة ٌ مِنْهُمْ - مِنَ المنتسِبينَ إلىَ يُوْنس ِ بْن ِ يُوْسُفَ القنييِّ (ت٦١٩هـ) أَحَدِ الضُّلال ِ- قالوْا:
تعالوْا نخرِبُ الجامِعْ وَنجْعَلُ فِيْهِ خمّارَهْ
وَنكسِرُ خشبة َ المنبرْ وَنجْعَلُ مِنْهُ طِنبارَهْ
وَنخرِقُ وَرْقة َ المصْحَفْ وَنجْعَلُ مِنْهُ زُمّارَهْ
وَننتِفُ لِحْية َ القاضِي وَنجْعلُ مِنْهَا أَوْتارَهْ
وَشَيْخهُمْ هَذَا يُوْنسُ بْنُ يُوْسُفَ القنييّ (ت٦١٩هـ)، كانَ ضَالا ًّ، لهُ أَبياتٌ خَبيْثة ٌ كأَبياتهمْ، وَصَوْتٌ مُنْكرٌ كأَصْوَاتِهمْ.
وَكانتْ لهُ مَخَارِيْقُ شَيْطانِيَّة ٌ، وَأَحْوَالٌ إبْلِيْسِيَّة ٌ، جَعَلهُ لأَجْلِهَا بَعْضُ مَنْ لمْ يَعْرِفْ أَوْلِيَاءَ الرَّحْمَن ِ وَلِيًّا للهِ! كيُوْسُفِ بْن ِ إسْمَاعِيْلَ النَّبْهَانِيِّ (ت١٣٥٠هـ)، فإنهُ عَدَّهُ وَلِيًّا مِنَ الأَوْلِيَاءِ الصّالحِينَ! ذوَي الكرَامَاتِ! في كِتَابهِ - مَجْمَعِ الأَحْوَال ِ الشَّيْطانِيَّةِ، وَالخزَعْبلاتِ البُهْتَانِيَّةِ - «الجامِعِ لِكرَامَاتِ الأَوْلِيَاءِ» (٢/ ٢٩٦).
[ ٢١٧ ]