زَنادِقة ٌ أَوْ ضُلالٌ مُبْتَدِعَة ٌ! بَلْ مِنْهُمْ يَهُوْدُ وَنَصَارَى وَبَاطِنِيَّة ٌ وَرَوَافِضُ، وَأَنَّ كثِيْرًا مِنْ قبوْرِهِمْ مُخْتَلقٌ لا صِحَّة َ له!
قدِ اسْتَغلَّ كثِيْرٌ مِنْ أَرْبَابِ الدُّنيا، ضَلالَ كثِيْرٍ مِنَ النّاس ِ، وَلجوْءَهمْ إلىَ القبوْرِ اسْتِغاثة ً، وَدُعَاءًا وَذبْحًا: فأَقامُوْا مَشَاهِدَ، وَبنوْا قببًا لِصَالحِينَ مَزْعُوْمِينَ مُخْتَلقِينَ، لِيأْكلوْا أَمْوَالَ النّاس ِ باِلباطِل.
قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمية َ ﵀ ُ في «رَدِّه عَلى البَكرِيّ» (٢/ ٥٨٦): (فالسَّدَنة ُ الذِيْنَ عِنْدَ القبوْرِ وَنَحْوِهِمْ: غرَضُهُمْ يَأْكلوْنَ أَمْوَالَ النّاس ِ بهمْ. وَأَتبَاعُهُمْ غرَضُهُمْ: تَعْظِيْمُ أَنفسِهمْ عِنْدَ النّاس ِ، وَأَخْذُ أَمْوَالهِمْ لهمْ).
ثمَّ ذكرَ شَيْخُ الإسْلامِ: أَنَّ كثِيْرًا مِنَ النّاس ِ، كانوا يَذْهَبُوْنَ يَدْعُوْنَ عِنْدَ قبوْرِ العُبيْدِيِّينَ، يَظنُّوْنَ أَنهُمْ أَوْلِيَاءُ صَالحوْنَ، مَعَ أَنهُمْ مُنَافِقوْنَ زَنادِقة ٌ ظاهِرُوْ الكفرِ، وَأَمْثَالُ هَذَا كثِيْر.
ثمَّ قالَ ﵀ ُ (٢/ ٥٩٠ - ٥٩١): (وَالمقصُوْدُ: أَنَّ كثِيْرًا مِنَ النّاس ِ، يُعَظمُ قبْرَ مَنْ يَكوْنُ في البَاطِن ِ كافِرًا أَوْ مُنَافِقا! وَيَكوْنُ هَذَا عِنْدَهُ وَالرَّسُوْلُ ﷺ مِنْ جِنْس ٍ وَاحِد.
[ ٣٠٧ ]
لاعْتِقادِهِ: أَنَّ الميِّتَ يَقضِي حَاجتهُ إذا كانَ رَجُلا ً صَالحا! وَكِلا هَذَيْن ِ عِنْدَهُ مِنْ جِنْس ِ مَنْ يَسْتَغِيْثُ به.
وَكمْ مِنْ مَشْهَدٍ يُعَظمُهُ النّاسُ، وَهُوَ كذِب.
بَلْ يُقالُ: «إنهُ قبْرُ كافِرٍ»! كالمشْهَدِ الذِي بسَفحِ جَبَل ِ لبنَانَ، الذِي يُقالُ: «إنهُ قبْرُ نوْحٍ»! فإنَّ أَهْلَ المعْرِفةِ يَقوْلوْنَ: «إنهُ قبْرُ بَعْض ِ العَمَالِقة».
وَكذَلِك َ مَشْهَدُ الحسَيْن ِ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ، الذِي باِلقاهِرَةِ، وَقبْرُ أُبيٍّ الذِي في دِمَشْقَ: اتفقَ العُلمَاءُ عَلى أَنهُ كذِبٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ قالَ: «هُمَا قبْرَان ِ لِنَصْرَانِيَّين.
وَكثِيْرٌ مِنَ المشَاهِدِ مُتنَازَعٌ فِيْهَا، وَعِنْدَهَا شَيَاطِينُ تُضِلُّ بسَببهَا مَنْ تُضِلّ).
ثمَّ قالَ (٢/ ٥٩٣): (فالذِي يَجْرِي عِنْدَ المشَاهِدِ مِنْ جِنْس ِ مَا يَجْرِي عِنْدَ الأَصْنَامِ. وَكثيْرٌ مِنَ المشاهِدِ كذِبٌ، وَكثِيْرٌ مِنْهَا مَشْكوْك ٌ فِيْه.
وَسَببُ ذلِك َ: أَنَّ مَعْرِفة َ المشَاهِدِ ليْسَتْ مِنَ الدِّيْن ِ الذِي تَكفلَ الله ُ بحِفظِهِ لِلأُمَّةِ، لِعَدَمِ حَاجَتِهمْ إلىَ مَعْرِفةِ ذلك) اه كلامُه.
وَمَا ذكرَهُ شَيْخُ الإسْلامِ حَقٌّ، وَالقبوْرُ المختلقة ُ كثِيْرَة ٌ جِدًّا.
وَدَوَافِعُ أَصْحَابهَا وَمُنْشِئِيْهَا مُتبَاينة ٌ، بَينَ إرَادَةِ إضْلال ِ النّاس ِ عَنْ صِرَاطِ اللهِ المسْتقِيْمِ، وَبَينَ حُبٍّ وَطمَعٍ في الدُّنيَا، وَنهْبٍ لِمَا في أَيدِي النّاس.
[ ٣٠٨ ]
وَقدْ ذكرَ ابْنُ الجوْزِيِّ في تَارِيْخِهِ «المنتظم» (١٨/ ٨ - ٩) في حَوَادِثِ سَنةِ (٥٣٥هـ): أَنَّ رَجُلا ً دَخَلَ بَغْدَادَ، وَأَظهَرَ الزُّهْدَ وَالتَّنَسُّك َ، فقصَدَهُ النّاسُ مِنْ كلِّ جَانِب.
ثمَّ إنَّ رَجُلا ً- مِنْ سَوَادِ بَغْدَادَ - مَاتَ لهُ صَبيٌّ فدَفنهُ، فعلِمَ بهِ هَذَا المتزَهِّدُ: فمَضَى إلىَ قبْرِ ذلِك َ الصَّبيِّ، فنبشَهُ، وَأَخْرَجَ الصَّبيَّ، ثمَّ دَفنهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ لحاجَةٍ في نفسِه!
ثمَّ قالَ لِلنَّاس ِ في بَعْض ِ الأَيامِ: «اعْلمُوْا أَني قدْ رَأَيتُ عُمَرَ بْنَ الخطابِ في المنامِ، وَمَعَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبي طالِبٍ، فسَلمْتُ عَليْهمَا وَسَلمُوْا عَليَّ، وَقالا لِيَ: إنَّ في هَذَا الموْضِعِ صَبيًّا مِنْ أَوْلادِ أَمِيرِ المؤْمِنِينَ عَلِيّ بن ِ أَبي طالِبٍ، وَخطا لِيَ المكان)، ثمَّ أَشَارَ المتزَهِّدُ إلىَ ذلِك َ الموْضِع.
فحَفرُوْا في ذلِك َ المكان ِ، فرَأَوْا الصَّبيَّ - وَهُوَ أَمْرَدُ - فازْدَحَمُوْا عَليْهِ، وَانْصَرَفوْا إليْهِ، فمَنْ وَصَلَ إلىَ قِطعَةٍ مِنْ أَكفانِهِ فكأَنهُ حَازَ الدُّنيَا!
حَتَّى خَرَجَ أَرْبابُ الدَّوْلةِ وَأَهْلُ بَغْدَادَ! وَانقلبَتِ البلدُ! وَوَضَعُوْا عِنْدَ قبْرِهِ دَسَاتِيْجَ مَاءِ الوَرْدِ وَالبخوْر!
وَأَخَذَ جُهّالُ النّاس ِ التُّرَابَ لِلتَّبَرُّكِ! وَازْدَحَمَ النّاسُ عَلى القبْرِ، حَتَّى لمْ يَصِلَ إليْهِ أَحَدٌ مِنْ كثْرَةِ الزِّحَام!
وَجَعَلَ النّاسُ يُقبِّلوْنَ يَدَ ذلِك َ المتزَهِّدِ - وَهُوَ يُظهرُ التَّمنعَ وَالبُكاءَ وَالخشُوْع! - وَالنّاسُ تَارَة ً يَزْدَحِمُوْنَ عَليْهِ، وَتَارَة ً يَزْدَحِمُوْنَ عَلى الميِّت!
[ ٣٠٩ ]
وَبَقِيَ النّاسُ عَلى هَذَا أَياما، وَالميِّتُ مَكشُوْفٌ يُبْصِرُهُ النّاسُ، حَتَّى ظهَرَ نتنُ رَائِحَتِه.
وَجَاءَ جَمَاعَة ٌ مِنْ أَذكِيَاءِ بَغْدَادَ، فتفقدُوْا كفنهُ فوَجَدُوْهُ خَامًا! وَوَجَدُوْا تَحْتَهُ حَصِيرًا جَدِيْدًا! فقالوْا: «هَذَا لا يُمْكِنُ أَنْ يَكوْنَ عَلى هَذِهِ الصِّفةِ، مُنْذُ أَرْبَعِ مِئَةِ سَنة!
فمَا زَالوْا يُنقبوْنَ عَنْ ذلِك َ حَتَّى جَاءَ وَالِدُ الصَّبيِّ فأَبصَرَ ابنهُ، فقالَ لِلنّاس ِ: «هَذَا وَاللهِ وَلدِي، وَكنْتُ دَفنْتُهُ عِنْدَ السّبْتيّ».
فمَضَى مَعَهُ قوْمٌ إلىَ المكان ِ، فرَأَوْا القبْرَ قدْ نبشَ، وَليْسَ فِيْهِ مَيِّت!
فلمّا سَمِعَ المتزَهِّدُ ذلِك َ: هَرَبَ، فطلبُوْهُ وَظفِرُوْا بهِ، فقرَّرُوْهُ فأَقرَّ أَنهُ فعَلَ ذلِك َ حِيْلة! فأُخِذَ وَأُرْكِبَ حِمَارًا، وَشُهِّرَ به.
وَهَذَا حَالُ قبوْرٍ كثيْرَةٍ، ليْسَ فِيْهَا أَحَدٌ، أَوْ فِيْهَا ضَالٌّ، أَوْ كافِرٌ، أَوْ غيْرُ ذلِك َ، فإنْ كشِفَ حَالُ قبْرٍ مِنْهَا: فقدْ بَقِيَتِ الأُخْرَى.
وَهَذَا حَالُ كثِيْرٍ مِنْ قبوْرِ الأَوْلِيَاءِ المزْعُوْمِينَ في مِصْرَ وَغيْرِهَا، أَعْرَضْتُ عَنْ ذِكرِ حَال ِ كثِيرٍ مِنْهَا، لِعَدَمِ تَعَلق ِ حُكمٍ بهَا أَصْلا ً، سَوَاءٌ ثبتَ أَنَّ مَنْ فِيْهَا وَلِيٌّ صَالِحٌ، أَوْ فاسِقٌ طالِح.
وَمَنْ صَرَفَ لِمَيِّتٍ شَيْئًا مِنَ العِبَادَةِ، سَوَاءٌ كانَ الميِّتُ نبيًّا، أَوْ وَلِيًّا أَوْ دُوْنَ ذلِك َ: كانَ مُشْرِكا كافِرًا، كمَا تقدَّمَ تقرِيرُهُ، فكيْفَ إذا كانَ القبرُ قبْرَ يهُوْدِيٍّ أَوْ نصْرَانِيٍّ أَوْ مَجُوْسِيّ؟!
[ ٣١٠ ]