وَكمَا لا تَصِحُّ الصَّلاة ُ مُطلقا في شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ المسَاجِدِ المبْنِيَّةِ عَلى القبوْرِ، أَوْ فِيْهَا شَيْءٌ مِنْهَا: فلا يجُوْزُ الوَقفُ عَليْهَا، وَلا يَصِحُّ، فإنْ أَوْقفَ: لمْ يُعْمَلْ بهِ، وَكانَ الوَاقِفُ آثِمًا.
وَلا يجُوْزُ إسْرَاجُ ضَوْءٍ فِيْهَا، لأَنهُ ﷺ لعَنَ مَنْ يتَّخِذُ القبوْرَ مَسَاجِدَ، وَلعَنَ مَنْ يتَّخِذُ عَليْهَا السُّرُج.
وَقدْ عَدَّ ابنُ حَجَرٍ الهيْتَمِيُّ في «الزَّوَاجِرِ، عَن ِ اقتِرَافِ الكبَائِر» (١/ ٣٢٠): إيْقادَ السُّرُجِ عَلى القبوْرِ مِنَ الكبَائِرِ العِظامِ، وَجَعَلهَا كبيْرَة ً في مَوْضِعَيْن ِ مِنْ كِتَابهِ، فجَعَلهَا الكبيْرَة َ الرَّابعَة َ وَالتِّسْعِيْنَ، ثمَّ أَعَادَهَا (١/ ٣٦١) وَجَعَلهَا الكبيْرَة َ الثّانِيَة َ وَالعِشْرِيْنَ بَعْدَ المِئَة.
وَلا يَصِحُّ النذْرُ لها، بَلْ هُوَ نذْرُ مَعْصِيَةٍ، تجبُ فِيْهِ التوْبة ُ وَالكفارَة ُ، وَكفارَتهُ كفارَة ُ يَمِيْن ٍ، كمَا ثبتَ فِي «صَحِيْحِ البُخارِيِّ» (٦٦٩٦) عَنْ عَائِشَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْهَا: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ نذَرَ أَنْ يُطِيْعَ الله َ فليطِعْهُ، وَمَنْ نذَرَ أَنْ يَعْصِيَ الله َ فلا يَعْصِه».
وَذكرَ هَذَا شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمية َ ﵀ ُ في «شَرْحِ العُمْدَةِ» وَرَجَّحَهُ، وَلا يَسَعُ أَحَدًا خِلافه (٢/ ٤٥٠).
[ ٨١ ]
وَقالَ العَلامَة ُ أَبوْ عَبْدِ اللهِ ابْنُ قيِّمِ الجوْزِيةِ في كِتَابهِ «زَادِ المعادِ» (٣/ ٥٧٢) في ذِكرِ فوَائِدِ غزْوَةِ تبوْكٍ: (وَمِنْهَا: أَنَّ الوَقفَ لا يَصِحُّ عَلى غيْرِ برٍّ وَلا قرْبةٍ، كمَا لمْ يَصِحَّ وَقفُ هَذَا المسْجِدِ [يَعْني مَسْجِدَ الضِّرَار].
وَعَلى هَذَا: فيُهْدَمُ المسْجِدُ إذا بُني عَلى قبْرٍ، كمَا يُنْبَشُ الميِّتُ إذا دُفِنَ في المسْجِدِ، نصَّ عَلى ذلِك َ الإمَامُ أَحْمَدُ وَغيْرُه.
فلا يَجْتَمِعُ في دِيْن ِالإسْلامِ مَسْجِدٌ وَقبْرٌ، بَلْ أَيهُمَا طرَأَ عَلى الآخَرِ: مُنِعَ مِنْهُ، وَكانَ الحكمُ لِلسّابق.
وَلوْ وُضِعَا مَعًا: لمْ يَجُزْ.
وَلا يَصِحُّ هَذَا الوَقفُ وَلا يَجُوْز.
وَلا تَصِحُّ الصَّلاة ُ في هَذَا المسْجِدِ، لِنَهْيِّ رَسُوْل ِاللهِ ﷺ عَنْ ذلِك َ، وَلعْنِهِ مَن ِ اتخذَ القبْرَ مَسْجِدًا، أَوْ أَوْقدَ عَليْهِ سِرَاجًا.
فهَذَا دِيْنُ الإسْلامِ الذِي بعَثَ الله ُ بهِ رَسُوْلهُ وَنبيَّهُ ﷺ، وَغرْبتهُ بيْنَ النّاس ِ كمَا ترَى).
وَقالَ ﵀ ُ أَيْضًا في «إغاثةِ اللهْفان» (١/ ٢١٠): (وَكذَلِك َ يجبُ إزَالة ُ كلِّ قِنْدِيْل ٍ، أَوْ سِرَاجٍ عَلى قبْرٍ وَطفيه. فإنَّ فاعِلَ ذلِك َ مَلعُوْنٌ بلعْنَةِ رَسُوْل ِ اللهِ ﷺ، وَلا يَصِحُّ هَذَا الوَقفُ، وَلا يحِلُّ إثباتهُ وَتنْفِيْذُه) اه.
[ ٨٢ ]
وَقالَ الحافِظ ُ العِرَاقِيُّ ﵀ ُ: (وَالظاهِرُ أَنهُ لا فرْقَ (١): فلوْ بَنى مَسْجِدًا يَقصِدُ أَنْ يُدْفنَ في بَعْضِهِ: دَخَلَ في اللعْنَةِ، بَلْ يَحْرُمُ الدَّفنُ في المسْجِد.
وَإنْ شَرَط َ أَنْ يُدْفنَ فِيْهِ: لمْ يَصِحَّ الشَّرْط ُ، لِمُخالفتِهِ وَقفهُ مَسْجِدًا) اه نقلهُ عَنْهُ المنَاوِيُّ في «فيْض ِ القدِيْر» (٥/ ٢٧٤).
_________________
(١) - أَي لا فرْقَ بَيْنَ اتّخَاذِ المسْجِدِ عَلى القبْرِ بَعْدَ الدَّفن ِ، وَبَيْنَ بنَاءِ مَسْجِدٍ ثمَّ إدْخَالُ قبْرٍ فِيْه.
[ ٨٣ ]
فصل في بيان ِ ضَلال ِ مَنْ شَدَّ رَحْلهُ إلىَ مَشْهَدٍ أَوْ قبْرٍ، وَتَحْرِيْمِ شَدِّ الرِّحَال ِ إلىَ كلِّ مَسْجِدٍ غيْرِ المسَاجِدِ الثلاثةِ، وَالتَّنْبيْهِ عَلى عِلةِ النَّهْيِّ التي غابَتْ عَنْ كثِيْرٍ مِنْ قاصِرِي العِلمِ وَالمعْرِفة
رَوَى الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِه» (٢/ ٢٣٤)، (٣/ ٣٤) وَالبُخارِيُّ في «صَحِيْحِهِ» (١١٨٩)، (١٨٦٤)، (١٩٩٦) وَمُسْلِمٌ في «صَحِيْحِهِ» أَيْضًا (٣٩٧)، (٨٢٧) وَجَمَاعَة ٌ، مِنْ حَدِيْثِ أَبي سَعِيْدٍ الخدْرِيِّ وَأَبي هُرَيْرَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا عَن ِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: «لا تشَدُّ الرِّحَالُ إلا َّ إلىَ ثلاثةِ مَسَاجِدَ: المسْجِدِ الحرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُوْل ِ، وَالمسْجِدِ الأَقصَى».
وَفي هَذَا الحدِيْثِ: تَحْرِيْمُ شَدِّ الرِّحَال ِ إلىَ كلِّ مَسْجِدٍ أَوْ بُقعَةٍ يُظنُّ فضْلهَا بعَيْنِهَا، سِوَى هَذِهِ المسَاجِدِ الثلاثةِ، سَوَاءٌ كانتْ تِلك َ البقاعُ مَذْكوْرَة ً بفضْل ٍ أَوْ بَرَكةٍ كالطوْرِ، أَوْ لمْ تذْكرْ، وَسَوَاءٌ كانتْ قبْرَ نبيٍّ مِنَ الأَنبيَاءِ، أَوْ أَثرًا مِنْ آثارِهِ، وَلوْ كانَ قبْرَ نبيِّنَا محمَّدٍ ﷺ.
وَلا شَك َّ أَنَّ زِيَارَة َ القبوْرِ الزِّيارَة َ الشَّرْعِيَّة َ، خَاصة ً قبْرَ نبيِّنَا محمَّدٍ ﷺ: قرْبة ٌ مِنَ القرَبِ، وَطاعَة ٌمِنَ الطاعَات.
إلا َّ أَنَّ ذلِك َ مَشْرُوْط ٌ بعَدَمِ شَدِّ رَحْل ٍ، وَلا إعْمَال ِ مُطِيٍّ، لِلحدِيْثِ السّابق.
فمَنْ شَدَّ رِحَالهُ قاصِدًا المسْجِدَ النَّبَوِيَّ لِلصَّلاةِ فِيْهِ: شُرِعَ لهُ بَعْدَ وُصُوْلِهِ وَسُنَّ، زِيَارَة ُ قبْرِ النَّبيِّ ﷺ، وَالسَّلامُ عَليْهِ، وَعَلى صَاحِبَيْهِ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا.
[ ٨٥ ]
أَمّا إنْ كانَ شَدُّهُ لِرَحْلِهِ قاصِدًا القبْرَ الشَّرِيْفَ: فهَذَا آثِمٌ، مُخالِفٌ لِقوْل ِ النَّبيِّ ﷺ، مُرْتكِبًا لِنَهْيه.
وَمِنَ المعْلوْمِ: أَنَّ كلَّ مَنْ زَارَ المسْجِدَ النَّبَوِيَّ: زَارَ قبْرَ النَّبيِّ ﷺ، سَوَاءٌ كانَ بَاعِثهُ عَلى السَّفرِ المسْجِدُ أَوِ القبْرُ، إلا َّ أَنَّ الأَوَّلَ مُثابٌ لِمُوَافقتِهِ السُّنَّة َ، وَامْتِثالِهِ أَمْرَ النَّبيِّ ﷺ، وَالآخرَ آثِمٌ لِمُخالفتِهَا.
وَقدْ سُئِلَ شَيْخُ الإسْلامِ ابنُ تَيْمية َ عَمَّنْ شَدَّ رَحْلهُ لِزِيَارَةِ شَيْءٍ مِنْ قبوْرِ الأَنبيَاءِ وَالصّالِحِيْنَ، أَيَجُوْزُ لهُ ذلك؟ وَهَلْ لهُ التَّرَخُّصُ برُخص ِ المسَافِرِيْنَ أَوْ لا؟ وَمَاصِحَّة ُ مَا جَاءَ في ذلِك َ مِنْ أَحَادِيْثَ بالمنْعِ أَوِ الإبَاحَة؟
فأَجَابَ ﵀ ُ جَوَابًا وَافِيًا شَافِيًا، هَذَا نصُّهُ:
(الحمْدُ للهِ رَبِّ العَالمِينَ، أَمّا مَنْ سَافرَ لِمُجَرَّدِ زِيَارَةِ قبوْرِ الأَنبيَاءِ وَالصّالِحِينَ، فهَلْ يجُوْزُ لهُ قصْرُ الصَّلاةِ؟ عَلى قوْليْن ِ مَعْرُوْفيْن ِ:
أَحَدُهُمَا - وَهُوَ قوْلُ مُتَقدِّمِي العُلمَاءِ الذِيْنَ لا يُجَوِّزُوْنَ القصْرَ فِي سَفرِ المعْصِيَةِ، كأَبي عَبْدِ اللهِ ابْن ِ بَطة َ، وَأَبي الوَفاءِ ابْن ِ عَقِيْل ٍ، وَطوَائِفَ كثِيْرَةٍ مِنَ العُلمَاءِ المتقدِّمِيْنَ-: أَنهُ لا يَجُوْزُ القصْرُ فِي مِثْل ِ هَذَا السَّفرِ، لأَنهُ سَفرٌ مَنْهيٌّ عَنْه.
وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ: أَنَّ السَّفرَ المنْهيَّ عَنْهُ فِي الشَّرِيْعَةِ لا يُقصَرُ فِيْه.
وَالقوْلُ الثانِي: أَنهُ يَقصِرُ، وَهَذَا يَقوْلهُ مَنْ يُجَوِّزُ القصْرَ فِي السَّفرِ المحَرَّمِ، كأَبي حَنِيْفة.
[ ٨٦ ]
وَيقوْلهُ بَعْضُ المتأَخِّرِيْنَ مِنْ أَصْحَابِ الشّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، مِمَّنْ يُجَوِّزُ السَّفرَ لِزِيَارَةِ قبوْرِ الأَنبياءِ وَالصّالِحِيْنَ، كأَبي حَامِدٍ الغزّالِيِّ، وَأَبي الحسَن ِ ابْن ِعَبْدُوْس ٍ الحرّانِيِّ، وَأَبي مُحَمَّدٍ ابْن ِ قدَامة َالمقدِسِيّ.
وَهَؤُلاءِ يَقوْلوْنَ: إنَّ هَذَا السَّفرَ ليْسَ بمُحَرَّمٍ، لِعُمُوْمِ قوْلِهِ ﷺ: «زُوْرُوْا القبوْر» (١).
وَقدْ يَحْتَجُّ بَعْضُ مَنْ لا يَعْرِفُ الحدِيْثَ باِلأَحَادِيْثِ المرْوِيةِ فِي زِيارَةِ قبْرِ النَّبيِّ ﷺ، كقوْلِهِ «مَنْ زَارَنِي بَعْدَ مَمَاتِي: فكأَنمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي» رَوَاهُ الدّارَقطنِيّ (٢/ ٢٧٨).
وَأَمّا مَا ذكرَهُ بَعْضُ النّاس ِ مِنْ قوْلِهِ: «مَنْ حَجَّ وَلمْ يَزُرْنِي: فقدْ جَفانِي»: فهَذَا لمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِن العُلمَاء.
وَهُوَ مِثْلُ قوْلِهِ ﷺ: «مَنْ زَارَنِي وَزَارَ أَبي إبْرَاهِيْمَ فِي عَامٍ وَاحِدٍ: ضَمِنْتُ لهُ عَلى اللهِ الجنة».
فإنَّ هَذَا أَيضًا باتفاق ِ العُلمَاءِ: لمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ، وَلمْ يَحْتَجَّ بهِ أَحَدٌ، وَإنمَا يَحْتَجُّ بَعْضُهُمْ بحدِيْثِ الدّارَقطنِيِّ وَنَحْوِه.
وَقدِ احْتَجَّ أَبوْ مُحَمَّدٍ المقدِسِيُّ (٢) عَلى جَوَازِ السَّفرِ لِزِيارَةِ
_________________
(١) - رَوَاهُ مُسْلِمٌ في «صَحِيْحِهِ» (٩٧٦) مِنْ حَدِيْثِ أَبي هُرَيْرَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْه.
(٢) - «المغني» لابْن ِ قدَامَة (٣/ ١١٧ - ١١٨).
[ ٨٧ ]
القبورِ، بأَنهُ ﷺ كانَ يَزُوْرُ مَسْجِدَ قباء (١).
وَأَجَابَ عَنْ حَدِيثِ «لا تُشَدُّ الرِّحَالُ» بأَنَّ ذلك مَحْمُوْلٌ عَلى نفي الاسْتِحْبَاب.
_________________
(١) - رَوَاهُ البُخَارِيُّ في «صَحِيْحِهِ» (١١٩٢)، (١١٩٣)، (١١٩٤) وَمُسْلِمٌ (١٣٩٩) مِنْ حَدِيْثِ نافِعٍ عَن ِ ابْن ِ عُمَرَ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا قالَ: «كانَ النَّبيُّ ﷺ يَأْتِي مَسْجِدَ قباءَ كلَّ سَبْتٍ، مَاشِيًا وَرَاكِبا»، قالَ نافِعٌ: «وَكانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ يَفعَله». قلتُ: وَلا وَجْهَ لاسْتِدْلال ِأَبي محمَّدٍ بهِ، فإنَّ زِيَارَة َمَسْجِدِ قباءَ لأَهْل ِ المدِيْنةِ، خَالِيَة ٌ مِنْ شَدِّ الرِّحَال ِ لِقرْبه. وَهِيَ مُسْتَحَبَّة ٌ مَسْنُوْنة ٌ لهمْ، اقتِدَاءًا بفِعْل ِ النَّبيِّ ﷺ، وَقدْ كانَ النَّبيُّ ﷺ يَأْتِيْهِ -لِقرْبهِ- مَاشِيًا وَرَاكِبًا. بَلْ قالَ أَنسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ: «كنّا نصَلي العَصْرَ، ثمَّ يَذْهَبُ الذّاهِبُ مِنّا إلىَ قباءَ، فيَأْتِيْهمْ وَالشَّمْسُ مُرْتفِعَة ٌ» رَوَاهُ البُخارِيُّ في «صَحِيْحِهِ» (٥٥١) وَمُسْلِمٌ (٦٢١)، وَمَحَلُّ النِّزَاعِ في شَدِّ الرَّحْل ِ لِزِيَارَةِ مَسْجِدٍ غيْرِ المسَاجِدِ الثلاثة. أَمّا جَوَابُ أَبي مُحَمَّدٍ ابْن ِ قدَامَة َ عَلى حَدِيْثِ «لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلا َّ إلىَ ثلاثةِ مَسَاجِدَ»، عَلى نفي اسْتِحْبَابِ شَدِّها لِغيْرِهَا، ثمَّ تَجْوِيْزُهُ شَدَّ الرِّحَال ِ لِلمَسَاجِدِ عَامَّة ً غيرَ المسَاجِدِ الثلاثةِ، بزِيَارَةِ النَّبيِّ ﷺ لمِسَجْدِ قباء: غيْرُ مُسَلمٍ، وَفِيْهِ تعَارُضٌ وَتنَاقض: * فإنهُ إمّا أَنْ يَنْفِيَ اسْتِحْبَابَ زِيَارَةِ مَسْجِدِ قباءَ، لِيَسْتَقِيْمَ تَأْوِيْلهُ لِحَدِيْثِ «لا تُشَدُّ الرِّحَالُ»: فيُخالِفَ بذَلِك َ السُّنَّة َ الصَّحِيْحَة َ الصَّرِيْحَة. بَلْ يُخالِفُ مَا وَرَدَ مِنْ عَظِيْمِ فضْل ِ زِيَارَتِهِ، كقوْلِهِ ﷺ في الحدِيْثِ الصَّحِيْحِ: «مَنْ تطهَّرَ فِي بَيْتهِ، ثمَّ أَتى مَسْجِدَ قباءَ، لا يُرِيْدُ إلا َّ الصَّلاة َ فِيْهِ: كانَ كعُمْرَة» رَوَاهُ الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِهِ» (٣/ ٤٨٧) وَالنَّسَائِيُّ (٦٩٩) وَابنُ مَاجَهْ (١٤١٢) مِنْ حَدِيْثِ سَهْل ِ بْن ِ حُنَيْفٍ رَضِيَ الله ُ عَنْه. وَأَقطعُ بعَدَمِ قوْل ِ ابن ِ قدَامَة َ بذَلِك َ، لِعِلمِهِ بمَا وَرَدَ في سُنِّيَّةِ ذلِك َ، وَبنَاءًا عَلى أُصُوْلِه. * وَإمّا أَنْ يَسْتَحِبَّ زِيَارَة َ مَسْجِدِ قباءَ، كمَا جَاءَتْ بهِ السُّنَّة ُ: فيَسْقط ُ تأْوِيْلهُ لحدِيْثِ «لا تُشَدُّ الرِّحَال». وَعَلى كلا الحاليْن ِ، فكلامُ أَبي محمَّدٍ غيْرُ مَقبُوْل. وَمَعْنَى الحدِيْثِ الذِي لا رَيْبَ فِيْهِ: هُوَ مَا قرَّرَهُ شَيْخُ الإسْلامِ كمَا سَبَق.
[ ٨٨ ]
وَأَمّا الأَوَّلوْنَ فإنهُمْ يَحْتَجُّوْنَ بمَا فِي «الصَّحِيحَيْن» ِ عَن ِ النَّبيِّ ﷺ أَنهُ قالَ: «لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلا َّ إلىَ ثلاثةِ مَسَاجِدَ: المسْجدِ الحرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالمسْجدِ الأَقصَى».
وَهَذَا الحدِيْثُ مِمَّا اتفقَ الأَئِمَّة ُ عَلى صِحَّتِهِ وَالعَمَل ِ به.
فلوْ نذَرَ الرَّجُلُ أَنْ يَشُدَّ الرَّحْلَ، لِيُصَليَ بمَسْجدٍ، أَوْ مَشْهَدٍ، أَوْ يَعْتَكِفَ فِيْهِ، أَوْ يُسَافِرَ إليْهِ غيْرَ هَذِهِ الثلاثةِ: لمْ يَجِبْ عَليْهِ ذلِك َ باتفاق ِ الأَئِمَّة.
وَلوْ نذَرَ أَنْ يُسَافِرَ وَيَأْتِيَ المسْجدَ الحرَامَ، لِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ: وَجَبَ عَليْهِ ذلِك َ باتفاق ِ العُلمَاء.
وَلوْ نذَرَ أَنْ يَأْتِيَ مَسْجِدَ النَّبيِّ ﷺ، أَوْ المسْجِدَ الأَقصَى، لِصَلاةٍ أَوِ اعْتِكافٍ: وَجَبَ عَليْهِ الوَفاءُ بهَذَا النَّذْرِ عِنْد مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قوْليْهِ وَأَحْمَدَ. وَلمْ يَجِبْ عَليْهِ عِنْدَ أَبي حَنِيْفة َ، لأَنهُ لا يَجِبُ عِنْدَهُ بالنَّذْرِ إلا َّ مَا كانَ جِنْسُهُ وَاجِبًا باِلشَّرْع.
أَمّا الجمْهُورُ فيوجِبُوْنَ الوَفاءَ بكلِّ طاعَةٍ، كمَا ثبتَ فِي «صَحِيْحِ البُخارِيِّ» (٦٦٩٦) عَنْ عَائِشَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْهَا: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ نذَرَ أَنْ يُطِيْعَ الله َ فليطِعْهُ، وَمَنْ نذَرَ أَنْ يَعْصِيَ الله َ فلا يَعْصِه». وَالسَّفرُ إلىَ المسْجِدَيْن ِ طاعَة ٌ: فلِهَذَا وَجَبَ الوَفاءُ به.
وَأَمّا السَّفرُ إلىَ بُقعَةٍ غيْرَ المسَاجِدِ الثلاثةِ: فلمْ يُوْجِبْ أَحَدٌ مِنَ العُلمَاءِ السَّفرَ إليْهِ إذا نذَرَهُ، حَتَّى نصَّ العُلمَاءُ عَلى أَنهُ لا يُسَافرُ إلىَ مَسْجِدِ
[ ٨٩ ]
قباءَ، لأَنهُ ليْسَ مِنَ المسَاجِدِ الثلاثةِ.
مَعَ أَنّ مَسْجِدَ قباءَ يُسْتحَبُّ زِيارَتهُ لِمَنْ كانَ فِي المدِيْنَةِ ; لأَنَّ ذلِك َ ليْسَ بشَدِّ رَحْل ٍ كمَا فِي الحدِيْثِ الصَّحِيْحِ: «مَنْ تطهَّرَ فِي بَيْتهِ، ثمَّ أَتى مَسْجِدَ قباءَ، لا يرِيدُ إلا َّ الصَّلاة َ فِيْهِ، كانَ كعُمْرَة» (١).
قالوْا: وَلأَنَّ السَّفرَ إلىَ زِيَارَةِ قبوْرِ الأَنبياءِ وَالصّالِحِيْنَ بدْعَة ٌ، لمْ يَفعَلهَا أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابةِ وَلا التّابعِيْنَ، وَلا أَمَرَ بهَا رَسُوْلُ اللهِ ﷺ، وَلا اسْتَحَبَّ ذلِك َ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ المسْلِمِيْن.
فمَن ِ اعْتَقدَ ذلِك َ عِبَادَة ً وَفعَلهُ: فهُوَ مُخالِفٌ لِلسُّنَّةِ وَلإجْمَاعِ الأَئِمَّة.
وَهَذَا مِمَّا ذكرَهُ أَبوْ عَبْدِ اللهِ ابْنُ بَطة َ فِي «الإبانةِ الصُّغْرَى» (ص٨٩) مِنَ البدَعِ المخالِفةِ لِلسُّنَّةِ وَالإجْمَاع.
وَبهَذَا يَظهَرُ بُطلانُ حُجَّةِ أَبي مُحَمَّدٍ المقدِسِيِّ، لأَنَّ زِيَارَة َ النَّبيِّ ﷺ لِمَسْجِدِ قباءَ، لمْ تَكنْ بشَدِّ رَحْل ٍ، وَهُوَ يُسَلمُ لهُمْ أَنَّ السَّفرَ إليْهِ لا يَجِبُ بالنذْر.
وَقوْلهُ بأَنَّ الحدِيْثَ الذِي مَضْمُونهُ «لا تُشَدُّ الرِّحَالُ»، مَحْمُوْلٌ عَلى نفي الاسْتِحْبَابِ: يجَابُ عَنْهُ بوَجْهَيْن ِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا تَسْلِيْمٌ مِنْهُ أَنَّ هَذَا السَّفرَ ليْسَ بعَمَل ٍ صَالِحٍ، وَلا قرْبةٍ، وَلا طاعَةٍ، وَلا هُوَ مِنَ الحسَنات.
_________________
(١) - رَوَاهُ الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِهِ» (٣/ ٤٨٧) وَالنَّسَائِيُّ (٦٩٩) وَابْنُ مَاجَهْ (١٤١٢) مِنْ حَدِيْثِ سَهْل ِ بْن ِ حُنَيْف.
[ ٩٠ ]
فإذنْ مَن ِ اعْتَقدَ أَنَّ السَّفرَ لِزِيَارَةِ قبوْرِ الأَنبياءِ وَالصّالِحِينَ قرْبة ٌ، وَعِبَادَة ٌ، وَطاعَة ٌ: فقدْ خَالفَ الإجْمَاع.
وَإِذا سَافرَ لاعْتِقادِ أَنَّ ذلِك َ طاعَة ٌ: كانَ ذلك مُحَرَّمًا بإجْمَاعِ المسْلِمِين.
فصَارَ التَّحْرِيْمُ مِنْ جهةِ اتخاذِهِ قرْبة ً، وَمَعْلومٌ أَنَّ أَحَدًا لا يُسَافِرُ إليْهَا إلا َّ لِذَلِك.
وَأَمّا إذا نذَرَ الرَّجُلُ أَنْ يُسَافِرَ إليْهَا لِغرَض ٍ مُبَاحٍ: فهَذَا جَائِزٌ، وَليْسَ مِنْ هَذَا الباب.
الوَجْهُ الثانِي: أَنَّ هَذَا الحدِيْثَ يَقتضِي النَّهْيَ، وَالنَّهْيُ يَقتضِي التَّحْرِيْم.
وَمَا ذكرُوْهُ مِنَ الأَحَادِيْثِ فِي زِيارَةِ قبْرِ النَّبيِّ ﷺ: فكلهَا ضَعِيْفة ٌ، باِتفاق ِ أَهْل ِ العِلمِ باِلأَحَادِيْث.
بَلْ هِيَ مَوْضُوْعَة ٌ، لمْ يَرْوِ أَحَدٌ مِنْ أَهْل ِ السُّنَن ِ المعْتَمَدَةِ شَيْئًا مِنْهَا، وَلمْ يَحْتَجَّ أَحَدٌ مِنَ الأَئِمَّةِ بشَيْءٍ مِنْهَا.
بَلْ مَالِك ٌ- إمَامُ أَهْل ِ المدِيْنَةِ النبَوِيةِ، الذِيْنَ هُمْ أَعْلمُ النّاس ِ بحُكمِ هَذِهِ المسْأَلةِ -: كرِهَ أَنْ يَقوْلَ الرَّجُلُ: «زُرْتُ قبْرَهُ ﷺ».
وَلوْ كانَ هَذَا اللفظ ُ مَعْرُوْفا عِنْدَهُمْ، أَوْ مَشْرُوْعًا، أَوْ مَأْثوْرًا عَن ِ النَّبيِّ ﷺ: لمْ يَكرَهْهُ عَالِمُ أَهْل ِ المدِينة.
وَالإمَامُ أَحْمَدُ أَعْلمُ النّاس ِ فِي زَمَانِهِ باِلسُّنَّةِ: لمَّا سُئِلَ عَنْ ذلِك َ، لمْ يَكنْ عِنْدَهُ مَا يَعْتَمِدُ عَليْهِ فِي ذلِك َ مِنَ الأَحَادِيْثِ إلا َّ حَدِيْثُ أَبي هُرَيرَة َ
[ ٩١ ]
رَضِيَ الله ُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: «مَا مِنْ رَجُل ٍ يُسَلمُ عَليَّ إلا َّ رَدَّ الله ُ عَليَّ رُوْحِي حَتَّى أَرُدَّ ﵇»، وَعَلى هَذَا اعْتَمَدَ أَبوْ دَاوُوْدَ في «سُنَنِه» (٢٠٤١).
وَكذَلِك َ مَالِك ٌ فِي «الموَطإ»: رَوَى عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن ِ عُمَرَ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا: أَنهُ كانَ إذا دَخَلَ المسْجِدَ قالَ: «السَّلامُ عَليْك َ يَا رَسُوْلَ اللهِ، السَّلامُ عَليْك َ يَا أَبا بَكرٍ، السَّلامُ عَليْك َ يا أَبةِ» ثمَّ يَنْصَرِف.
وَفي «سُنَن ِ أَبي دَاوُوْدَ» (٢٠٤١) عَن ِ النَّبيِّ ﷺ أَنهُ قالَ: «لا تتخِذُوْا قبْرِي عِيْدًا، وَصَلوْا عَليَّ فإنَّ صَلاتكمْ تبْلغنِي حَيْثمَا كنتمْ».
وَفِي «سُنَن ِسَعِيْدِ بْن ِ مَنْصُوْرٍ»: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ حَسَن ِ بْن ِ حَسَن ِ بْن ِ عَلِيِّ بْن ِ أَبي طالِبٍ رَأَى رَجُلا ً يَخْتَلِفُ إلىَ قبْرِ النَّبيِّ ﷺ، وَيَدْعُوْ عِنْدَهُ فقالَ: (يَا هَذَا! إنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قالَ: «لا تَتَّخِذُوْا قبْرِي عِيْدًا، وَصَلوْا عَليَّ، فإنَّ صَلاتَكمْ حَيْثمَا كنتمْ تبْلغنِي» فمَا أَنتَ وَرَجُلٌ باِلأَندَلس ِ مِنْهُ إلا َّ سَوَاء).
وَفِي «الصَّحِيْحَيْنِ» عَنْ عَائِشَة َرَضِيَ الله ُ عَنْهَا: عَن ِ النَّبيِّ ﷺ أَنهُ قالَ فِي مَرَض ِ مَوْتِهِ: «لعَنَ الله ُ اليَهُوْدَ وَالنَّصَارَى، اتخذُوْا قبوْرَ أَنبيائِهمْ مَسَاجِدَ» يُحَذِّرُ مَا فعَلوْا، وَلوْلا ذلِك َ لأُبرِزَ قبْرُهُ، وَلكِنْ كرِهَ أَنْ يُتَّخذَ مَسْجِدًا [خ (٤٣٥) م (٥٣١)].
وَهُمْ دَفنوْهُ ﷺ فِي حُجْرَةِ عَائِشَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْهَا خِلافَ مَا اعْتَادُوْهُ مِنَ الدَّفن ِ فِي الصَّحْرَاءِ، لِئَلا ّ يصَليَ أَحَدٌ عِنْدَ قبْرِهِ وَيتخِذَهُ مَسْجِدًا، فيتخذَ قبْرُهُ وَثنًا.
[ ٩٢ ]
وَكانَ الصَّحَابة ُ وَالتّابعُوْنَ - لمّا كانتِ الحجْرَة ُ النَّبَوِيَّة ُ مُنْفصِلة ً عَن ِ المسْجِدِ إلىَ زَمَن ِ الوَلِيْدِ بْن ِعَبْدِ الملِكِ (ت٩٦هـ) -: لا يَدْخُلُ أَحَدٌ إليْهِ، لا لِصَلاةٍ هُنَاك َ، وَلا تمَسُّحٍ باِلقبرِ، وَلا دُعَاءٍ هُنَاك َ، بَلْ هَذَا جَمِيْعُهُ إنمَا كانوْا يَفعَلوْنهُ فِي المسْجد.
وَكانَ السَّلفُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتّابعِينَ إذا سَلمُوْا عَلى النَّبيِّ ﷺ، وَأَرَادُوْا الدُّعَاءَ: دَعَوْا مُسْتَقبلِي القِبْلةِ، وَلمْ يَسْتَقبلوْا القبْر.
وَأَمّا الوُقوْفُ لِلسَّلامِ عَليْهِ صَلوَاتُ اللهِ عَليْهِ وَسَلامُهُ: فقالَ أَبوْ حَنِيْفة َ: «يَسْتَقبلُ القِبْلة َ أَيضًا، وَلا يَسْتَقبلُ القبرَ».
وَقالَ أَكثرُ الأَئِمَّةِ: «بَلْ يَسْتَقبلُ القبْرَ عِنْدَ السَّلامِ خَاصَّة».
وَلمْ يَقلْ أَحَدٌ مِنَ الأَئِمَّةِ: «إنهُ يَسْتَقبلُ القبْرَ عِنْدَ الدُّعَاء».
وَليْسَ فِي ذلِك َ إلا َّ حِكاية ٌ مَكذُوبة ٌ، ترْوَى عَنْ مَالِكٍ، وَمَذْهَبُهُ بخِلافِهَا.
وَاتفقَ الأَئِمَّة ُ عَلى أَنهُ لا يَتَمَسَّحُ بقبْرِ النَّبيِّ ﷺ، وَلا يُقبله.
وَهَذَا كلهُ مُحَافظة ٌ عَلى التَّوْحِيْدِ، فإنَّ مِنْ أُصُوْل ِ الشِّرْكِ باِللهِ: اتخاذَ القبوْرِ مَسَاجِدَ، كمَا قالَ طائِفة ٌ مِنَ السَّلفِ فِي قوْلِهِ تَعَالىَ: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾.
قالوْا: «هَؤُلاءِ كانوْا قوْمًا صَالِحِينَ فِي قوْمِ نوْحٍ، فلمّا مَاتوْا عَكفوْا عَلى قبوْرِهِمْ، ثمَّ صَوَّرُوْا عَلى صُوَرِهِمْ تمَاثِيْلَ، ثمَّ طالَ عَليْهمُ الأَمَدُ فعَبَدُوْهَا».
[ ٩٣ ]
وَقدْ ذكرَ البُخارِيُّ فِي «صَحِيْحِهِ» (٤٩٢٠) هَذَا المعْنَى عَن ِ ابْن ِ عَبّاس.
وَذكرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطبَرِيُّ وَغيْرُهُ فِي «التَّفسِيرِ» عَنْ غيْرِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلف.
وَذكرَهُ وَثِيْمَة ُ وَغيْرُهُ فِي «قصَص ِ الأَنبياءِ» مِنْ عِدَّةِ طرُق.
وَقدْ بَسَطتُ الكلامَ عَلى أُصُوْل ِ هَذِهِ المسَائِل ِ فِي غيْرِ هَذَا الموْضِع.
وَأَوَّلُ مَنْ وَضَعَ هَذِهِ الأَحَادِيْثَ فِي السَّفرِ لِزِيَارَةِ المشَاهِدِ التي عَلى القبوْرِ: أَهْلُ البدَعِ مِنَ الرّافِضَةِ وَنحْوِهِمْ، الذِيْنَ يُعَطلوْنَ المسَاجِدَ، وَيُعَظمُوْنَ المشَاهِدَ، يَدَعُوْنَ بيوْتَ اللهِ التي أَمَرَ أَنْ يُذْكرَ فِيْهَا اسْمُهُ، وَيُعْبَدَ وَحْدَهُ لا شَرِيْك َ لهُ، وَيُعَظمُوْنَ المشَاهِدَ التي يُشْرَك ُ فِيْهَا، وَيُكذَبُ، وَيُبْتَدَعُ فِيْهَا دِيْنٌ لمْ يُنَزِّل ِ الله ُ بهِ سُلطانا.
فإنَّ الكِتَابَ وَالسُّنَّة َ، إنمَا فِيْهمَا ذِكرُ المسَاجِدِ دُوْنَ المشَاهِدِ، كمَا قالَ تَعَالىَ: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.
وَقالَ تَعَالىَ: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾.
وَقالَ تَعَالىَ: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾.
وَقالَ تَعَالىَ: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾.
وَقالَ تَعَالىَ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾.
[ ٩٤ ]