(٥٩٦هـ-٦٧٥هـ)
وَمِنْ قبوْرِ المبْطِلِينَ، التي شُغِفَ بهَا الضّالوْنَ المنْحَرِفوْنَ: قبْرُ أَحْمَدِ بْن ِ عَلِيّ بْن ِ إبْرَاهِيْمَ البدَوِيّ.
فإنهُ نشأَ فاسِدًا ذا أَحْوَال ٍ شَيْطانِيَّةٍ، وَمَخارِيْقَ إبْلِيْسِيَّة.
وَكانَ قبْلَ ذلِك َ قدْ حَفِظ َ القرْآنَ، وَاشْتَغلَ باِلعِلمِ مُدَّة ً عَلى مَذْهَبِ الإمَامِ الشّافِعِيّ. فلمّا اجْتَالتْهُ الشَّيَاطِينُ وَمَسَّتْهُ - في حَال ٍ يُسَمِّيْهَا المتصَوِّفة ُ «حَادِثَ الوَلهِ» -: ترَك َ ذلِك َ كلهُ! وَانسَلخَ مِنْه.
وَكانَ لا يُصَلي! وَإذا لبسَ ثوْبًا أَوْ عِمَامَة ً لمْ يَخْلعْهَا لِغُسْل ٍ وَلا لِغيْرِهِ حَتَّى تَذُوْبَ قذَرًا! فيُبْدِلوْنهَا لهُ بغيرِهَا، فلا صَلاة َ تَحْمِلهُ عَلى غسْل ٍ، وَلا وُضُوْءٍ، وَلا مُرُوْءَة َ نفس. وَقدْ ناصَحَهُ بَعْضُ أَهْل ِ العِلمِ مِنْ مُعَاصِرِيهِ في تَرْكِهِ لِلصَّلاةِ: فلمْ يَسْتَجِبْ وَلمْ يُصَلِّ! أَبعَدَهُ الله.
وَكانَ فاسِيَّ الأَصْل ِ، رَحَلَ بهِ أَبوْهُ إلىَ مَكة َ، ثمَّ سَافرَ هُوَ إلىَ العِرَاق ِ، وَزَارَ بهَا قبْرَ عَدِيِّ بْن ِ مُسَافِرٍ، وَقبْرَ الزِّندِيق ِ المقتوْل ِ عَليْهَا الحلاجِ، ثمَّ زَارَ مِصْرَ، وَدَخَلَ «طنْطا»، وَبَقِيَ فِيْهَا حَتَّى هَلك.
[ ٣١١ ]
وَلقِيَ في سَفرِهِ إلىَ مِصْرَ سَاحِرَة ً كبيرَة ً، قدْ أَعْجَزَتْ غيرَهَا مِنَ السَّحَرَةِ، فغلبَهَا البدَوِيُّ بشَيَاطِيْنِهِ وَأَحْوَالِه!
فزَعَمَ المتصَوِّفة ُ-لمّا رَأَوْا ذلِك َ-: أَنَّ مَا جَرَى بَيْنَهُمَا أَحْوَالٌ وَكرَامَاتٌ، وَمَا هِيَ إلا َّ مَا عَرَفتَ.
فلمّا بَلغَ «طنْطا»: دَخَلَ مُسْرِعًا دَارَ رَجُل ٍ مِنْ مَشَايخِ المتصَوِّفةِ، يُسَمَّى «ابْنَ شُحَيْطٍ»، فصَعدَ البدَوِيُّ إلىَ سَطحِ غرْفتِهِ، وَبقِيَ فِيْهِ طوْلَ نهَارِهِ وَليْلِهِ، قائِمًا شَاخِصًا ببَصَرِهِ إلىَ السَّمَاءِ! وَقدِ انقلبَ سَوَادُ عَيْنَيْهِ بحمْرَةٍ تتوَقدُ كالجمْر!
وَكانَ يَمْكثُ الأَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ أَكثرَ لا يَأْكلُ! وَلا يَشْرَبُ! وَلا ينامُ! ثمَّ ينزِلُ لحِاجَةٍ ثمَّ يعوْدُ إلىَ مَكانِهِ عَلى حَالِهِ السّابق ِ، وَبقِيَ عَلى ذلِك َ اثنتيْ عَشْرَة َ سَنة!
وَكانَ يَزْعُمُ البدَوِيُّ: أَنَّ مِنْ كرَامَاتِهِ: أَنَّ ثوْرًا كادَ يَقتلُ رَضِيْعًا بمصْرَ، فمَدَّ البدَوِيُّ يدَهُ إليْهِ - وَكانَ حِيْنَذَاك َ باِلعِرَاق ِ- إلىَ مِصْرَ، فنجَّاهُ وَأَبْعَدَ الثوْرَ عَنْه!
وَكانَ البدَوِيُّ يتلثمُ بلِثامَين ِ، لا يُرَى مِنْ وَجْههِ شَيْءٌ سِوَى عَيْنيْهِ! فطلبَ مِنْهُ أَحَدُ مُرِيدِيهِ أَنْ يَنْظرَ إلىَ وَجْههِ دُوْنَ لِثامٍ، لِيَرَى وَجْهَه.
فقالَ لهُ البدَوِيُّ: «كلُّ نظرَةٍ برَجُل» ٍ!
فقالَ المرِيدُ المرِيدُ: «يَا سَيِّدِي أَرِنِي وَجْهَك َ وَلوْ مِتّ».
[ ٣١٢ ]
فكشَفَ البدَوِيُّ لهُ اللثامَ العُلوِيَّ، فبدَا لهُ بَعْضُ وَجْههِ، فصَعِقَ مُرِيدُهُ وَمَاتَ مِنْ فوْرِه! كذَا زَعَمَ الشَّعْرَانِيُّ في «طبقاتِهِ الكبْرَى» (١/ ١٦٠).
وَمَا ذاك َ إلا َّ لِقبْحِ وَجْههِ، وَتمَثل ِ الشياطِين ِ بهِ، وَإلا َّ فليْسَ في ذلِك َ مَفخَرَة ٌ وَلا مَنْقبَة ٌ، وَليْسَ أَحَدٌ أَكرَمَ عَلى اللهِ وَلا أَحَبَّ إليْهِ مِنْ نبيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ، خلِيْلِهِ وَصَفيِّهِ،
وَخِيْرَتِهِ مِنْ خلقِهِ، وَكانَ وَجْهُهُ ﷺ صَبيْحًا جَمِيْلا ً، لا تَمَلُّ عَينُ النّاظِرِ إليْهِ مِنْهُ، يَمْلأُ القلوْبَ بَهْجَة ً وَسُرُوْرًا، وَالنفسَ رِضا وَحُبُوْرًا. كمَا في «صَحِيْحِ البُخارِيِّ» (١٠٠٩) وَغيرِهِ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا، كانَ رُبَّمَا تمَثلَ بشِعْرِ أَبي طالِبٍ عَمِّ النَّبيِّ ﷺ إذا نظرَ إليْهِ يَقوْلُ:
وَأَبيضَ يسْتسْقى الغمَامُ بوَجْههِ
ثِمَالُ اليتامى عِصْمَة ٌ لِلأَرَامِل ِ
وَقدْ تَمَثلَ بهِ غيرُ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابةِ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمْ جَمِيْعًا في النَّبيِّ ﷺ.
وَرَوَى البُخارِيُّ في «صَحِيْحِهِ» (٣٥٤٩) وَمُسْلِمٌ (٢٣٣٧) عَن ِ البرَاءِ بْن ِعَازِبٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ قالَ: «كانَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ أَحْسَنَ النّاس ِ وَجْهًا، وَأَحْسَنَهُ خَلقا، ليْسَ باِلطوِيْل ِ البائِن ِ، وَلا باِلقصِير».
وَفي «صَحِيْحِ البُخارِيِّ» (٣٥٥٢): أَنَّ البرَاءَ بْنَ عَازِبٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ سُئِلَ أَكانَ وَجْهُ النَّبيِّ ﷺ مِثْلَ السَّيْفِ؟
[ ٣١٣ ]
فقالَ: «لا! بَلْ مِثْلَ القمَر».
وَرَوَى الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِهِ» (٥/ ٤٥٤): عَنْ يَزِيْدِ بْن ِ هَارُوْنَ عَن ِ الجرَيرِيِّ قالَ: كنتُ أَطوْفُ مَعَ أَبي الطفيْل ِ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ فقالَ: «مَا بَقِيَ أَحَدٌ رَأَى رَسُوْلَ اللهِ ﷺ غيرِي».
قالَ: قلتُ: وَرَأَيته؟ قالَ: «نعَمْ».
قالَ: قلتُ: كيْفَ كانَ صِفتهُ؟ قالَ: «كانَ أَبيَضَ مَلِيْحًا مُقصَّدًا» وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ في «صَحِيْحِه» (٢٣٤٠).
وَرَوَى الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِهِ» (٥/ ٤٥١) بإسْنَادٍ صَحِيْحٍ رِجَالهُ رِجَالُ الشَّيْخَين ِ: عَنْ يَحْيَى بْن ِسَعِيْدٍ وَمحمَّدِ بْن ِ جَعْفرٍ عَنْ عَوْفِ بْن ِ أَبي جَمِيْلة َ عَنْ زُرَارَة َعَنْ عَبْدِ اللهِ بْن ِ سَلامٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ قالَ: (لمّا قدِمَ النَّبيُّ ﷺ المدِينة َ، انْجَفلَ النّاسُ عَليْهِ، فكنْتُ فِيْمَن ِ انْجَفلَ. فلمّا تَبَيَّنْتُ وَجْهَهُ عَرَفتُ أَنَّ وَجْهَهُ ليْسَ بوَجْهِ كذّابٍ. فكانَ أَوَّلَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ يَقوْلُ: «أَفشوْا السَّلامَ، وَأَطعِمُوْا الطعَامَ، وَصِلوْا الأَرْحَامَ، وَصَلوْا وَالنّاسُ نِيَامٌ، تدْخُلوْا الجنة َ بسَلام» وَرَوَاهُ الدّارِمِيُّ (١٤٦٠)، (٢٦٣٢) عَنْ سَعِيْدِ بْن ِ عَامِرٍ عَنْ عَوْفٍ به. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ في «جَامِعِهِ» (٢٤٨٥) وَابْنُ مَاجَهْ في «سُننِهِ» (١٣٣٤) كِلاهُمَا عَنْ محمَّدِ بْن ِ بَشّارٍ عَنْ يَحْيَى بْن ِ سَعِيْدٍ، وَمحمَّدِ بْن ِ جَعْفرٍ، وَعَبْدِ الوَهّابِ الثقفِيِّ، وَابْن ِ أَبي عَدِيٍّ كلهُمْ عَنْ عَوْفٍ به.
[ ٣١٤ ]
وَقالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَهُ: (هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْح).
أَمّا هَؤُلاءِ المتصَوِّفة ُ: فوُجُوْهُهُمْ وَرُؤُوْسُهُمْ قبيْحَة ٌ، تشْمَئِزُ مِنْهَا النُّفوْسُ، لِفسَادِهِمْ وَتلبُّس ِ الشَّيَاطِين ِ بهمْ.
لهِذَا لمّا وَصَفَ الله ُ ﷿ النارَ، وَمَا فِيْهَا، وَوَصَفَ شَجَرَة َ الزَّقوْمِ، قالَ: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾.
[ ٣١٥ ]
فصل
وَقدْ سَاقَ الشَّعْرَانِيُّ في تَرْجَمَةِ البدَوِيِّ في «طبَقاتِهِ الكبرَى» (١/ ١٥٨ - ١٦٣)، وَفي سَائِرِ ترَاجِمِهِ أَخْبَارًا مَمْجُوْجَة ً، لِكثِيرٍ مِنْ هَؤُلاءِ المفسِدِيْن.
وَمِنْ ذلك:
مَا ذكرَهُ الشَّعْرَانِيُّ - مَنْقبَة ً- في «طبَقاتِهِ» (١/ ١٦٠) لإسْمَاعِيْل ِ بْن ِ يُوْسُفَ الأَنبابيِّ، أَحَدِ المتصَوِّفةِ القائِمِينَ بَعْدَ البدَوِيِّ: أَنَّ إسْمَاعِيْلَ هَذَا، كانَ يَزْعُمُ أَنهُ يرَى اللوْحَ المحْفوْظ! وَيَقوْلُ لِلنَّاس ِ: «يَقعُ كذَا وَكذَا» فيَجِيءُ الأَمْرُ كمَا قالَ!
حَتَّى أَنهُ لمّا بَلغَ أَمْرُ هَذَا الضّال ِ أَحَدَ عُلمَاءِ المالِكِيَّةِ بمصْرَ: أَفتى بتعْزِيرِهِ، فبلغهُ الخبَرُ، فزَعَمَ: أَنَّ مِمّا رَآهُ في اللوْحِ المحْفوْظِ أَنَّ هَذَا القاضِي يَغْرَقُ في بَحْرِ الفرَاتِ، فغرِقَ فِيْه!
وَلا شَك َّ أَنَّ هَذَا - إنْ صَحَّ - فهُوَ مِمّا تُوْحِيْهِ الشَّيَاطِينُ إلىَ أَوْلِيَائِهمْ مِنَ الكهنةِ مِنْ أُمُوْرِ الغيْبِ، كمَا قالَ سُبْحَانهُ عَن ِ الجِنِّ: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعْ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾.
وَقالَ: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧) لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإٍ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾.
[ ٣١٧ ]
وَرَوَى الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِهِ» (٦/ ٨٧) وَالبخارِيُّ في «صَحِيْحِهِ» (٥٧٦٢)، (٦٢١٣)، (٧٥٦١) وَمُسْلِمٌ (٢٢٢٨) عَنْ عَائِشَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبيِّ ﷺ قالتْ: (سَأَلَ أُناسٌ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ عَن ِالكهّان ِ، فقالَ لهمْ رَسُوْلُ الله ﷺ: «ليْسُوْا بشَيْءٍ».
فقالوْا: يَا رَسُوْلَ اللهِ، إنهُمْ يحَدِّثوْنَ أَحْيَانا باِلشَّيْءِ يَكوْنُ حَقا؟!
فقالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: «تِلك َ الكلِمة ُ مِنَ الحقِّ يَخْطفهَا الجنيُّ، فيقرُّهَا في أُذن ِ وَليِّهِ قرَّ الدَّجَاجَةِ، فيَخلِطوْنَ فِيْهَا أَكثرَ مِنْ مِئَةِ كذِبة»).
وَأَمّا مَن ِادَّعَى عِلمَ الغيْبِ: فهُوَ كافِرٌ مُرْتدٌّ، وَلا يَعْلمُ الغيْبَ إلا َّ الله ُ ﷾، كمَا قالَ ﷿: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.
وَقالَ: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
وَقالَ: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنْ الْمُنْتَظِرِينَ﴾.
وَقالَ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، وَسَيَأْتِي بمَشِيْئَةِ اللهِ مَزِيدُ تفصِيْل ٍ (ص٣٢٧ - ٣٣٦) لهِذَا وَبيان.
[ ٣١٨ ]
فصل
ثمَّ ذكرَ الشَّعْرَانِيُّ أَيضًا (١/ ١٦١): أَنَّ مِنْ أَصْحَابِ البدَوِيِّ (مُحَمَّدًا قمرَ الدَّوْلة).
وَلمْ تَكنْ صُحْبتهُ لهُ عَنْ مُلازَمَةٍ، وَإنمَا أَتتهُ هَذِهِ الصُّحْبَة ُ وَهَذَا الفضْلُ مِنْ شُرْبهِ لِمَاءِ بطيْخةٍ كانَ قدْ شَرِبهُ البدَوِيُّ ثمَّ تقيَّأَهُ! في حِين ِ غيْبَةٍ مِنْ أَصْحَابه.
فكانَ بهَذَا مِنْ خَاصَّةِ البدَوِيِّ! حَتَّى قالَ فِيْهِ بَعْدَ شُرْبهِ قيْئَهُ: (أَنتَ قمرُ دَوْلةِ أَصْحَابي)!
فلمّا عَادَ أَصْحَابُ البدَوِيِّ، وَعَلِمُوْا بخبرِ قمَرِ الدَّوْلةِ مَعَ البدَوِيِّ حَسَدُوْهُ! حَتَّى أَنَّ عَبْدَ العَال ِ- أَحْدَ كِبَارِ مُرِيْدِي البدَوِيِّ، وَالقائِمَ بَعْدَهُ مَكانهُ - طلبَ قمَرَ الدَّوْلةِ لِيقتلهُ! حَسَدًا لهُ عَلى مَكانتِهِ هَذِهِ مِنَ البدَوِيِّ! لكِنَّهُ لمْ يَظفرْ بهِ، فعثرَتْ فرَسُ قمَرِ الدَّوْلةِ بهِ - وَهُمْ في طلبهِ - فسَقط َ في بئْرٍ، فوَقفَ عَبْدُ العَال ِ وَمَنْ مَعَهُ عَلى البئْرِ يَنْتَظِرُوْنَ قمَرَ الدَّوْلةِ لِيَخْرُجَ لِيَقتلوْهُ، فلمْ يَخْرُجْ! ثمَّ عَلِمُوْا بخرُوْجِهِ مِنْ بئْرٍ أُخْرَى في قرْيةٍ بَعِيْدَة! فلمْ يَطلبوْهُ بَعْدَهَا.
وَذكرَ الشَّعْرَانِيُّ عَنْ نفسِهِ -هُوَ- في «طبقاتِهِ» في تَرْجَمَةِ البَدَوِيِّ (١/ ١٦١): أَنَّ شَيْخَهُ محمَّدًا الشِّنّاوِيَّ، قدْ أَخَذَ عَليْهِ العَهْدَ
[ ٣١٩ ]
عِنْدَ ضَرِيْحِ البَدَوِيِّ تَحْتَ قبتِهِ، وَطلبَ الشِّنّاوِيُّ مِنَ البَدَوِيِّ: أَنْ يَكوْنَ الشَّعْرَانِيُّ تَحْتَ نظرِ البَدَوِيِّ وَرِعَايتِه!
فسَمِعُوْا عِنْدَهَا صَوْتَ البَدَوِيِّ مِنْ ضَرِيْحِهِ يُجِيْبُهُمْ أَنْ نَعَمْ! ثمَّ أَخْرَجَ إليْهمْ يَدَهُ فصَافحَ الشَّعْرَانِيَّ وَقبَضَ عَلى يَدِه!
لِذَا كانَ الشَّعْرَانِيُّ مُلازِمًا حُضُوْرَ مَوْلِدِ البَدَوِيِّ كلَّ سَنةٍ لا يَغِيْبُ عَنْه.
وَزَعَمَ عَبْدُ الوَهّابِ الشَّعْرَانِيُّ في تَرْجَمَةِ البَدَوِيِّ مَزَاعِمَ خُرَافِيَّة ً كثِيرَة ً (١/ ١٦١):
مِنْهَا: أَنَّ أَحَدَ المتصَوِّفةِ أَضَافهُ وَدَعَى في ضِيَافتِهِ الأَوْلِيَاءَ الأَحْيَاءَ مِنْهُمْ وَالأَمْوَات!
وَمِنْهَا: أَنهُ تخلفَ سنة َ (٩٤٨هـ) عَنْ مِيْعَادِ حُضُوْرِ مَوْلِدِ البَدَوِيِّ، فأَخْبرَهُ بَعْضُ الأَوْلِيَاءِ - بزَعْمِهِ - مِمَّنْ حَضَرَ مَوْلِدَ البَدَوِيِّ: أَنَّ البَدَوِيَّ ذلِك َ اليوْمَ كانَ يَكشِفُ السِّتْرَ عَنْ ضَرِيْحِهِ وَيَقوْلُ: (أَبْطأَ عَبْدُ الوَهّابِ مَا جَاءَ)!
وَمِنْهَا: أَنَّ الشَّعْرَانِيَّ أَرَادَ في سَنةٍ مِنَ السِّنِين ِ التخلفَ عَنْ مَوْلِدِ البَدَوِيِّ، فرَأَى البَدَوِيَّ وَمَعَهُ جَرِيْدَة ٌ خَضْرَاءُ! وَهُوَ يَدْعُو النّاسَ مِنْ سَائِرِ الأَقطارِ إلىَ مَوْلِدِهِ، وَالنّاسُ خَلفهُ وَيَمِيْنَهُ وَشِمَالهُ أُمَمٌ لا يُحْصَوْن.
ثمَّ إنَّ البدَوِيَّ أَرَى الشَّعْرَانِيَّ خَلقا كثِيرًا مِنَ الأَوْلِيَاءِ وَغيرِهِمْ مِنَ الأَحْيَاءِ وَالأَمْوَاتِ مِنَ الشُّيُوْخِ وَالزَّمْنَى بأَكفانِهمْ يَمْشُوْنَ
[ ٣٢٠ ]
وَيَزْحَفوْنَ، وَآخَرِيْنَ مِنَ الأَسْرَى جَاءُوْا مَعَهُ مِنْ بلادِ الإفرَنجِ مُقيَّدِيْنَ مَغْلوْلِينَ يَزْحَفوْنَ عَلى مَقاعِدِهِمْ!
فقوِيَ عَزْمُ الشَّعْرَانِيِّ بَعْدَهَا عَلى الحضُوْرِ، وَوَعَدَ البَدَوِيَّ بذلك، إلا َّ أَنَّ البَدَوِيَّ أَبى! وَلمْ تَطِبْ نفسُهُ حَتَّى أَقامَ عَلى الشَّعْرَانِيِّ سَبْعَيْن ِ عَظِيْمَيْن ِ أَسْوَدَيْن ِ كالأَفيال ِ! وَقالَ البدَوِيُّ لهذَيْن ِ السَّبْعَيْن ِ: (لا تفارِقاهُ حَتَّى تَحْضُرَا به)! كذَا زَعَمَ الشَّعْرَانِيُّ في «طبقاتِه».
وَلا شَك َّ أَنَّ هَذَا الشَّيْطانَ أَقامَ عَليْهِ شَيْطانين ِ خَشْيَة ً مِنْ تخلفِهِ عَنْ مَسَالِكِ الحثالةِ، وَمَهَاوِي الرَّدَى وَالضَّلالة.
وَمِنْهَا: أَنَّ الشَّعْرَانِيَّ زَعَمَ أَنَّ البَدَوِيَّ بَعْدَ مَوْتِهِ عَاتبَ محمَّدًا السَّرَوِيَّ - أَحَدَ المتصَوِّفةِ - لمّا غابَ عَنْ مَوْلِدِهِ وَقالَ لهُ: (مَوْضِعٌ يَحْضُرُ فِيْهِ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ وَالأَنبيَاءُ عَليْهمُ الصَّلاة ُ وَالسَّلامُ مَعَهُ، وَأَصْحَابُهُمْ وَالأَوْلِيَاءُ: مَا تَحْضُرُه؟!).
وَمِنْهَا: أَنَّ الشَّعْرَانِيَّ زَعَمَ أَنهُ وَصَاحِبٌ لهُ لقِيَا في يَوْمِ سَبْتٍ وَلِيًّا مِنْ أَوْلِيَاءِ الهِنْدِ بزَعْمِهمْ بمصْرَ، فأَضَافاهُ وَمَنْ مَعَهُ - وَكانوْا عَشرَة ً - وَسَأَلاهُ عَنْ أَمْرِهِ: فأَخْبرَهُمْ أَنهُ كانَ ليْلة َالأَرْبعَاءِ عِنْدَ النَّبيِّ ﷺ في المدِينةِ! وَليْلة َ الخمِيْس ِ عِنْدَ قبْرِ الشَّيْخِ عَبْدِ القادِرِ في العِرَاق ِ! وَليْلة َ الجمُعةِ عِنْدَ البَدَوِيّ!
[ ٣٢١ ]
فتعَجَّبَا مِنْ ذلِك َ فقالَ لهمُ الهِنْدِيُّ: (الدُّنيا كلهَا خُطوَة ٌ عِنْدَ أَوْلِيَاءِ اللهِ ﷿).
وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الشَّعْرَانِيُّ في «طبَقاتِهِ» (١/ ١٦٢) عَنْ شَيْخِهِ مُحَمَّدٍ الشِّنّاوِيِّ أَنهُ قالَ: (إنَّ شَخْصًا أَنكرَ حُضُوْرَ مَوْلِدِ البَدَوِيِّ فسُلِبَ الإيْمَانَ! فلمْ يَكنْ فِيْهِ شَعْرَة ٌ تحِنُّ إلىَ دِيْن ِ الإسْلام!
فاسْتَغاثَ بسَيِّدِي أَحْمَدَ فقالَ لهُ: «بشَرْطِ أَنْ لا تَعُوْدَ».
فقالَ: نعَم. فرَدَّ عَليْهِ ثوْبَ إيمَانِه) اه.
وَهَذِهِ الخرَافاتُ لا ترُوْجُ إلا َّ عَلى فاسِدِ عَقل ٍ، مُضَيَّعِ الدِّين ِ، وَمَا زَالَ أَئِمَّة ُ الإسْلامِ يُنْكِرُوْنَ عَلى المتصَوِّفةِ وَالجهّال ِ إقامَة َ الموَالِدِ البدْعِيَّةِ، وَمِنْهَا: مَا يسَمُّوْنهُ الموْلدَ النبوِيَّ! وَلمْ ينْزِلْ بهمْ مَا زَعَمَ أَنهُ نزَلَ بمُنْكِرِ مَوْلِدِ البدَوِيّ!
وَقدْ كانَ الصَّحَابة ُ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمْ جَمِيْعًا أَشَدَّ النّاس ِ حُبًّا لِرَسُوْل ِاللهِ ﷺ، وَأَكثرَهُمْ فِدَاءًا لهُ وَقِتَالا ً مَعَهُ، قدِ اخْتَارَهُمُ الله ُ لِنبيِّهِ ﷺ، وَاصْطفاهُمْ لِصَفِيِّهِ، وَلمْ يقِيْمُوْا مَوْلِدًا لهُ ﷺ.
لِتمامِ عِلمِهمْ، وَسَلامَةِ اعْتِقادِهِمْ، وَمَضَى عَلى ذلِك َ التّابعُوْنَ وَتابعُوْهُمْ، وَعَليْهِ أَئِمَّة ُ الإسْلامِ المهْتَدُوْنَ بَعْدَ ذلك.
وَمَا حَدَثتْ هَذِهِ البدْعَة ُ المسَمّاة ُ باِلموْلِدِ النَّبَوِيِّ، إلا َّ بَعْدَ تَصَرُّمِ القرُوْن ِ المفضلةِ، عَلى يدِ أَحَدِ حُكامِ الفاطِمِيِّينَ الزَّنادِقة.
[ ٣٢٢ ]