(٦٣٣هـ-٦٧٦هـ)
وَمِنْ قبُوْرِ المبْطِلِينَ كذَلِك َ، الذِيْنَ شُغِفَ بهَا الضّالوْنَ المنْحَرِفوْنَ: قبرُ إبْرَاهِيْمِ بْن ِ أَبي المجْدِ الدُّسُوْقِيِّ المِصْرِيّ.
وَهَذَا الرَّجُلُ كسَابقِهِ، قدْ نشأَ ضَالا ًّ مُنْحَرِفا، يَزْعُمُ الاطلاعَ عَلى اللوْحِ المحْفوْظِ! وَيَدَّعِي عِلمَ الغيْبِ! وَلهُ أَحْوَالٌ شَيْطانِيَّة ٌ، كحَال ِ كثِيرٍ مِنْ أَشْبَاهِه.
وَكانَ يَقوْلُ: (مَنْ غابَ بقلبهِ بحضْرَةِ رَبهِ: لا يُكلفُ فِي غيْبتِهِ، فإذا خَرَجَ إلىَ عَالمِ الشَّهَادَةِ، قضَى مَا فاتهُ، وَهَذَا حَالُ المبْتَدِئِينَ. أَمّا حَالُ الكمَّل ِ: فلا يَجْرِي عَليْهمْ هَذَا الحكمُ، بَلْ يُرَدُّوْنَ لأَدَاءِ فرْضِهمْ وَسُنَنِهمْ) اه نقلهُ عَنْهُ الشَّعْرَانِيُّ فِي «طبقاتِه» (١/ ١٤٣).
وَقالَ (١/ ١٤٧): (إذا كمُلَ العَارِفُ فِي مَقامِ العِرْفان ِ: أَوْرَثهُ الله ُ عِلمًا بلا وَاسِطةٍ، وَأَخَذَ العُلوْمَ المكتوْبة َ فِي أَلوَاحِ المعَانِي، ففهمَ رُمُوْزَهَا، وَعَرَفَ كنوْزَهَا، وَفك َّ طلسَمَاتِهَا، وَعَلِمَ اسْمَهَا وَرَسْمَهَا، وَأَطلعَهُ الله ُ تَعَالىَ عَلى العُلوْمِ الموْدَعةِ فِي النَّقطِ، وَلوْلا خوْفُ الإنكارِ لنطقوْا بمَا يَبْهَرُ العُقوْل.
وَكذَلِك َ لهمْ مِنْ إشَارَاتِ العِبَارَاتِ عِبَارَاتٌ مُعْجَمَة ٌ، وَأَلسُنٌ مُخْتَلِفة.
[ ٣٢٣ ]
وَكذَلِك َ لهمْ فِي مَعَانِي الحرُوْفِ، وَالقطعِ، وَالوَصْل ِ، وَالهمِّ، وَالشَّكل ِ، وَالنَّصْبِ، وَالرَّفعِ، مَا لا يُحْصَرُ، وَلا يَطلِعُ عَليْهِ إلا َّ هُمْ.
وَكذَلِك َ لهمُ الاطلاعُ عَلى مَا هُوَ مَكتُوْبٌ عَلى أَوْرَاق ِ الشَّجَرِ وَالماءِ وَالهوَاءِ، وَمَا فِي البَرِّ وَالبَحْرِ، وَمَا هُوَ مَكتُوْبٌ عَلى صَفحَةِ قبَّةِ خَيْمَةِ السَّمَاءِ، وَمَا فِي جِبَاهِ الإنس ِ وَالجِنِّ، مِمّا يَقعُ لهمْ فِي الدُّنيا وَالآخِرَة.
وَكذَلِك َ لهمُ الاطلاعُ عَلى مَا هُوَ مَكتُوْبٌ بلا كِتَابةٍ مِنْ جَمِيْعِ مَا فوْقَ الفوْقِيِّ، وَمَا تَحْتَ التَّحْتيِّ، وَلا عَجَبَ مِنْ حَكِيْمٍ يتلقى عِلمًا مِنْ حَكِيْمٍ عَلِيْم. فإنَّ مَوَاهِبَ السِّرِّ اللدُنِيِّ، قدْ ظهَرَ بَعْضُهَا فِي قِصَّةِ مُوْسَى وَالخضِرِ ﵉).
وَكانَ يَقوْلُ (١/ ١٥٧): (أَنا مُوْسَى ﵇ فِي مُنَاجَاتِهِ، وَأَنا عَلِيٌّ فِي حَمْلاتِهِ. أَنا كلُّ وَلِيٍّ فِي الأَرْض ِ، خَلعْتُهُ بيَدَيَّ، أَلبَسُ مِنْهُمْ مَنْ شِئْتُ. أَنا فِي السَّمَاءِ شَاهَدْتُ رَبِّي، وَعَلى الكرْسِيِّ خَاطبْتهُ، أَنا بيَدَيَّ أَبوَابُ النّارِ غلقتهَا، وَبيَدَيَّ جَنَّة ُ الفِرْدَوْس ِ فتَحْتُهَا. مَنْ زَارَنِي أَسْكنْتُهُ جَنَّة َ الفِرْدَوْس).
ثمَّ قالَ: (وَقدْ كنْتُ أَنا وَأَوْلِيَاءُ اللهِ تَعَالىَ أَشْيَاخًا فِي الأَزَل ِ، بَينَ يَدَي قدِيْمِ الأَزَل ِ، وَبَينَ يَدَي رَسُوْل ِ اللهِ ﷺ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَخْلعَ عَلى جَمِيْعِ الأَوْلِيَاءِ بيَدَيَّ، فخلعْتُ عَليْهمْ بيَدَيَّ، وَقالَ لِي رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: «يَا إبْرَاهِيْمُ أَنتَ نقِيْبٌ عَليْهمْ») إلىَ آخِرِ خُرَافاتِه.
[ ٣٢٤ ]
وَقالَ أَيضًا (١/ ١٥٨): (أَشْهَدَنِي الله ُ تَعَالىَ مَا فِي العُلا وَأَنا ابْنُ سِتِّ سِنِينَ، وَنظرْتُ فِي اللوْحِ المحْفوْظِ وَأَنا ابْنُ ثمَان ِ سِنِينَ، وَفككتُ طلسَمَ السَّمَاءِ وَأَنا ابْنُ تِسْعِ سِنِينَ، وَرَأَيْتُ فِي السَّبْعِ المثانِي حَرْفا مُعْجَمًا حَارَ فِيْهِ الجِنُّ وَالإنسُ، ففهمْتُهُ وَحَمِدْتُ الله َ تَعَالىَ عَلى مَعْرِفتِهِ، وَحَرَّكتُ مَا سَكنَ، وَسَكنْتُ مَا تَحَرَّك َ بإذن ِ اللهِ تَعَالىَ، وَأَنا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَة َ سَنة).
وَلهُ نظمٌ خَبيْثٌ كنثْرِهِ، مِنْهُ قوْلهُ (١/ ١٥٨):
أَنا الحرْفُ لا أُقرَا لِكلِّ مُنَاظِرٍ
وَكلُّ الوَرَى مِنْ أَمْرِ رَبِّي رَعِيَّتي
وَمَا قلتُ هَذَا القوْلُ فخْرًا وَإنّمَا
أَتَى الإذنُ كيْ لا يَجْهَلوْنَ طرِيْقتي
فأَوْصَلتُ ذاتِي باِتِّحَادِي بذَاتِهِ
بغيرِ حُلوْل ٍ بَلْ بتَحْقِيْق ِ نِسْبَتي
أَنا ذلِك َ القطبُ المبَارَك ُ أَمْرُهُ
فكلُّ مَدَارِ الكلِّ مِنْ حَوْل ِ ذرْوَتِي
وَبي قامَتِ الأَشْيَاءُ فِي كلِّ أُمَّةٍ
بمخْتَلفِ الآرَاءِ وَالكلُّ أُمَّتي
وَلا جَامِعٌ إلا َّ وَلِي فِيْهِ مِنْبَرٌ
وَفِي حَضْرَةِ المخْتَارِ فزْتُ ببُغْيَتي
نعَمْ نشْأَتِي فِي الحبِّ مِنْ قبْل ِ آدَمٍ
وَسِرِّيَ فِي الأَكوَان ِ مِنْ قبْل ِ نشْأَتِي
أَنا كنْتُ فِي العَليَاءِ مَعْ نوْرِ أَحْمَدٍ
عَلى الدُّرَّةِ البَيْضَاءِ فِي خَلوِيَّتي
أَنا كنْتُ فِي رُؤْيا الذَّبيْحِ فِدَاؤُهُ
بلطفِ عِنَايَاتٍ وَعَين ِ حَقِيْقةِ
أَنا كنْتُ مَعْ إدْرِيْسَ لمّا أَتَى العُلا وَأُسْكِنَ فِي الفِرْدَوْس ِ أَنعَمِ بُقعَةِ
أَنا كنْتُ مَعْ عِيْسَى عَلى المهْدِ ناطِقا وَأَعْطيْتُ دَاوُوْدًا حَلاوَة َ نغْمَةِ
[ ٣٢٥ ]
أَنا كنْتُ مَعْ نوْحٍ بمَا شَهدَ الوَرَى
بحَارًا وَطوْفانا عَلى كفِّ قدْرَةِ
أَنا القطبُ شَيْخُ الوَقتِ فِي كلِّ حَالةٍ
أَنا العَبْدُ إبْرَاهِيْمُ شَيْخُ الطرِيقةِ
وَفي كلامِهِ السّابق ِ نظمًا وَنثرًا مِنَ الضّلالاتِ المكفرَاتِ: مَا لوْ قسِّمَ عَلى أُمَّةٍ لأَوْبقهَا، عِيَاذا باِللهِ مِنْ ضَلالِهِ وَضَلال ِ أَتباعِهِ وَأَصْحَابه.
[ ٣٢٦ ]