فصل في بيان ِحَال ِالأَحَادِيْثِ المرْوِيَّةِ في فضْل ِ زِيَارَةِ قبْرِ النَّبيِّ ﷺ، وَأَنهَا مَوْضُوْعَة ٌ، مَعَ كوْن ِ زِيَارَةِ قبْرِهِ ﷺ قرْبَة ً مِنَ القرَبِ، وَطاعَة ً مِنَ الطاعَاتِ، بشَرْطِ أَنْ لا يَكوْنَ ذلِك َ بشَدِّ رَحْل ٍ إليْه
أَمّا مَا يَحْتَجُّ بهِ بَعْضُ المبْطِليْنَ، مِمّا يُرْوَى في هَذَا البابِ مِنْ أَحَادِيْثَ، كحَدِيْثِ «مَنْ حَجَّ وَلمْ يَزُرْنِي: فقدْ جَفانِي»، وَحَدِيْثِ «مَنْ زَارَنِي وَزَارَ أَبي فِي عَامٍ وَاحِدٍ: ضَمِنْتُ لهُ عَلى اللهِ الجنة»: فليْسَ لهمْ حُجَّة ٌ في شَيْءٍ مِنْهُ، وَكلُّ مَا في هَذَا البابِ، مَوْضُوْعٌ لا يَصِحُّ، ولا يُحْتَجُّ بمِثلِه.
وَقدْ جَمَعَهَا الحافِظ ُ محمَّدُ بْنُ أَحْمَدِ بْن ِعَبْدِ الهادِي المقدِسِيُّ ﵀ ُ في كِتَابهِ «الصّارِمِ المنْكِي، في الرَّدِّ عَلى السُّبْكِيّ»، وَتكلمَ فِيْهِ عَلى كلِّ حَدِيْثٍ بمَا يَشْفِي وَيَكفِي، وَبَيَّنَ أَنهَا جَمِيْعًا بَاطِلة ٌ لا تَصِحّ.
قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابنُ تَيْمية َ ﵀ ُ (٢٧/ ٢١٦):
(وَقدْ يَحْتَجُّ بَعْضُ مَنْ لا يَعْرِفُ الحدِيْثَ، باِلأَحَادِيْثِ المرْوِيَّةِ في زِيَارَةِ قبْرِ النَّبيِّ ﷺ كقوْلِهِ: «مَنْ زَارَنِي بَعْدَ مَمَاتِي: فكأَنما زَارَنِي فِي حَيَاتِي» رَوَاهُ الدَّارَقطنيّ (٢/ ٢٧٨).
وَأَمّا مَا ذكرَهُ بَعْضُ النّاس ِ مِنْ قوْلِهِ: «مَنْ حَجَّ وَلمْ يَزُرْنِي: فقدْ جَفانِي»: فهَذَا لمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنَ العُلمَاء.
[ ١٠٣ ]
وَهُوَ مِثْلُ قوْلِهِ: «مَنْ زَارَنِي وَزَارَ أَبي فِي عَامٍ وَاحِدٍ: ضَمِنْتُ لهُ عَلى اللهِ الجنة».
فإنَّ هَذَا أَيْضًا بَاطِلٌ باِتفاق ِ العُلمَاءِ، وَلمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ، وَلمْ يَحْتَجَّ بهِ أَحَدٌ، وَإنمَا يَحْتَجُّ بَعْضُهُمْ بحدِيثِ الدَّارَقطنيّ.
ثمَّ قالَ ﵀ ُ (٢٧/ ٢١٦ - ٢١٩):
(وَلكِنَّ هَذَا وَإنْ كانَ لمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنَ العُلمَاءِ فِي كتبِ الفِقهِ وَالحدِيْثِ، لا مُحْتَجًّا وَلا مُعْتَضِدًا بهِ، وَإنْ ذكرَهُ بَعْضُ المتأَخِّرِيْنَ: فقدْ رَوَاهُ أَبوْ أَحْمَدَ ابْنُ عَدِيٍّ فِي «كِتَابِ الضُّعَفاءِ» (٨/ ٢٤٨) لِيبيِّنَ ضَعْفَ رِوَايتِه.
فذَكرَهُ بحدِيْثِ النُّعْمَان ِ بْن ِشِبْل ٍالبَاهِلِيِّ البَصْرِيِّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نافِعٍ عَن ِ ابْن ِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: «مَنْ حَجَّ وَلمْ يَزُرْنِي: فقدْ جَفانِي» قالَ ابْنُ عَدِيٍّ (٨/ ٢٤٩): «لمْ يَرْوِهِ عَنْ مَالِكٍ غيْرُ هَذَا!».
يَعْنِي: وَقدْ عُلِمَ أَنهُ ليْسَ مِنْ حَدِيْثِ مَالِكٍ، فعُلِمَ أَنَّ الآفة َ مِنْ جِهَتِه.
قالَ يُوْنسُ بْنُ هَارُوْنَ: «كانَ النُّعْمَانُ هَذَا مُتَّهَمًا».
وَقالَ أَبوْ حَاتِمٍ ابْنُ حِبّانَ: «يأْتِي مِنَ الثقاتِ باِلطامّات».
وَقدْ ذكرَ أَبوْ الفرَجِ ابْنُ الجوْزِيُّ هَذَا الحدِيْثَ في «الموْضُوْعَاتِ» (٢/ ٢١٧)، وَرَوَاهُ مِنْ طرِيْق ِ أَبي حَاتِمٍ ابْن ِ حِبّانَ: «حَدَّثنا أَحْمَدُ بْنُ عُبيْدٍ حَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْن ِ النُّعْمَان ِ بْن ِ شِبْل ٍ حَدَّثنا جَدِّي عَنْ مَالِك».
[ ١٠٤ ]
ثمَّ قالَ أَبو الفرَجِ (٢/ ٢١٧): «قالَ أَبوْ حَاتِمٍ: النُّعْمَانُ يَأْتِي عَن ِ الثقاتِ باِلطامّات. وَقالَ الدَّارَقطنيُّ: الطعْنُ في هَذَا الحدِيْثِ مِنْ مُحَمَّدِ بْن ِ مُحَمَّدٍ، لا مِنْ نُعْمَان» اه.
وَأَمّا الحدِيْثُ الآخَرُ: «مَنْ زَارَنِي وَزَارَ أَبي في عَامٍ وَاحِدٍ: ضَمِنْتُ لهُ عَلى اللهِ الجنَّة»: فهَذَا ليْسَ في شَيْءٍ مِن الكتبِ، لا بإسْنَادٍ مَوْضُوْعٍ، وَلا غيْرِ مَوْضُوْع.
وَقدْ قِيْلَ: إنَّ هَذَا لمْ يُسْمَعْ في الإسْلامِ، حَتَّى فتحَ المسْلِمُوْنَ بَيْتَ المقدِس ِ، فِي زَمَن ِ صَلاحِ الدِّين (ت٥٨٩هـ).
فلِهَذَا لمْ يَذْكرْ أَحَدٌ مِنَ العُلمَاءِ لا هَذَا وَلا هَذَا، لا عَلى سَبيْل ِ الاعْتِضَادِ، وَلا عَلى سَبيْل ِ الاعْتِمَاد.
بخِلافِ الحدِيْثِ الذِي قدْ تقدَّمَ: فإنهُ قدْ ذكرَهُ جَمَاعَة ٌ وَرَوَوْهُ، وَهُوَ مَعْرُوْفٌ مِنْ حَدِيْثِ حَفص ِ بْن ِ سُليْمَانَ الغاضِرِيِّ - صَاحِبِ عَاصِمٍ - عَنْ ليْثِ بْن ِ أَبي سُليْمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَن ِ ابْن ِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ حَجَّ فزَارَنِي بَعْدَ مَوْتِي: كانَ كمَنْ زَارَنِي فِي حَيَاتِي» (١).
وَقدِ اتفقَ أَهْلُ العِلمِ باِلحدِيْثِ عَلى الطعْن ِ في حَدِيْثِ حَفص ٍ هَذَا دُوْنَ قِرَاءَتِه.
_________________
(١) - رَوَاهُ الطبَرَانِيُّ في «المعْجَمِ الكبير» (١٢/ ٤٠٦) وَ«الأَوْسَطِ» (١/ ٢٠١) وَابْنُ عَدِيٍّ في «الكامِل» (٣/ ٢٧٢) وَالدّارَقطنيُّ في «سُننِه» (٢/ ٢٧٨) وَالبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيْمَان» (٣/ ٤٨٩).
[ ١٠٥ ]
قالَ البَيْهَقِيُّ فِي «شُعَبِ الإيْمَان» (٣/ ٤٨٩): «رَوَى حَفصُ بْنُ أَبي دَاوُوْدَ - وَهُوَ ضَعِيْفٌ - عَنْ ليْثِ بْن ِ أَبي سُليْمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَن ِ ابْن ِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ حَجَّ فزَارَنِي بَعْدَ مَوْتِي: كانَ كمَنْ زَارَنِي فِي حَيَاتِي».
قالَ يَحْيَى بْنُ مَعِيْن ٍ عَنْ حَفص ٍ هَذَا: «ليْسَ بثقةٍ، وَهُوَ أَصَحُّ قِرَاءَة ً مِنْ أَبي بَكرٍ ابْن ِ عَيّاش ٍ، وَأَبوْ بَكرٍ أَوْثقُ مِنْه».
وَفي رِوَايةٍ عَنْهُ: «كانَ حَفصٌ أَقرَأَ مِنْ أَبي بَكرٍ، وَكانَ أَبوْ بَكرٍ صَدُوْقا، وَكانَ حَفصٌ كذّابا».
وَقالَ البُخارِيُّ: «ترَكوْه».
وَقالَ مُسْلِمُ بْنُ الحجّاجِ: «مترُوْك».
وَقالَ عَلِيُّ بْنُ المدِيْنِيِّ: «ضَعِيْفُ الحدِيْثِ، ترَكتهُ عَلى عَمْد».
وَقالَ النَّسَائِيُّ: «ليْسَ بثقةٍ، وَلا يُكتَبُ حَدِيْثه» وَقالَ مَرَّة ً: «مَتْرُوْك».
وَقالَ صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ البَغدَادِيُّ: «لا يُكتَبُ حَدِيْثهُ، وَأَحَادِيْثهُ كلهَا مَنَاكِيْر».
وَقالَ أَبوْ زُرْعَة َ: «ضَعِيْفُ الحدِيْث».
وَقالَ أَبوْ حَاتِمٍ الرّازِيُّ: «لا يُكتَبُ حَدِيْثهُ، وَهُوَ ضَعِيْفُ الحدِيْثِ لا يَصْدُقُ، مترُوْك ُ الحدِيْث».
وَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَن ِ ابْنُ خِرَاش ٍ: «هُوَ كذّابٌ مترُوْك ٌ يَضَعُ الحدِيْث».
وَقالَ الحاكِمُ أَبوْ أَحْمَدَ: «ذاهِبُ الحدِيْث».
[ ١٠٦ ]
وَقالَ ابْنُ عَدِيٍّ (٣/ ٢٧٦): «عَامَّة ُ أَحَادِيْثِهِ عَمَّنْ رَوَى عَنْهُ، غيْرُ مَحْفوْظة».
وَفي البَابِ حَدِيثٌ آخَرُ رَوَاهُ البزّارُ وَالدّارَقطنيُّ (٢/ ٢٧٨) وَغيْرُهُمَا، مِنْ حَدِيْثِ مُوْسَى بْن ِ هِلال ٍ: حَدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نافِعٍ عَن ِ ابْن ِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ زَارَ قبْرِي: وَجَبَتْ لهُ شَفاعَتِي» (١).
قالَ البَيْهَقِيُّ (٣/ ٤٩٠) - وَقدْ رَوَى هَذَا الحدِيْثَ، ثمَّ قالَ-: «وَقدْ قِيْلَ: «عَنْ مُوْسَى عَنْ عُبَيْدِ اللهِ» وَسَوَاءٌ «عَبْدُ اللهِ» أَوْ «عُبَيْدُ اللهِ» فهُوَ مُنْكرٌ عَنْ نافِعٍ عَن ِ ابْن ِ عُمَرَ، لمْ يَأْتِ بهِ غيْرُه» اه.
وَقالَ العُقيْلِيُّ (٤/ ١٧٠) في مُوْسَى بْن ِ هِلال ٍ هَذَا: «لا يتابعُ عَلى حَدِيثِه».
وَقالَ أَبوْ حَاتِمٍ الرّازِيُّ: «هُوَ مَجْهُوْل».
وَقالَ أَبوْ زَكرِيّا النَّوَاوِيُّ في «شَرْحِ المهَذِّبِ» (٨/ ٢٥٢) لمّا ذكرَ قوْلَ أَبي إسْحَاقَ «وَتسْتَحَبُّ زِيَارَة ُ قبْرِ رَسُوْل ِ اللهِ ﷺ، لِمَا رُوِيَ عَن ِ ابْن ِ عُمَرَ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا عَن ِ النَّبيِّ ﷺ أَنهُ قالَ: «مَنْ زَارَ قبْرِي: وَجَبتْ لهُ شفاعَتِي»» قالَ النَّوَاوِيُّ: «أَمّا حَدِيْثُ ابْن ِ عُمَرَ: فرَوَاهُ أَبوْ بَكرٍ الرّازِيُّ وَالدّارَقطنيُّ وَالبَيْهَقِيُّ بإسْنَادَيْن ِ ضَعِيْفيْن ِ جِدًّا» اه) اه كلامُ شَيْخِ الإسْلامِ ﵀.
_________________
(١) - رَوَاهُ الدُّوْلابيُّ في «الكنَى وَالأَسْمَاءِ» (٢/ ٦٤) وَالبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيْمَان» (٣/ ٤٩٠) وَالعُقيْلِيُّ في «الضُّعفاء» (٤/ ١٧٠).
[ ١٠٧ ]
وَخُلاصَة ُ أَحَادِيْثِ البابِ: مَا قالهُ شَيْخُ الإسْلامِ في مَوْضِعٍ آخرَ-كمَا في «مَجْمُوْعِ فتَاوَاهُ» (١/ ٣٥٦): (وَالأَحَادِيْثُ المرْوِية ُ في زِيارَةِ قبرِهِ ﷺ: كلهَا ضَعِيْفة ٌ، بلْ كذِبٌ) اه.
[ ١٠٨ ]