قدْ وَجَدْتُ لأُوْلئِك َ المبْطِلِيْنَ أَثرًا آخَرَ عَن ِ ابْن ِ عَبّاس ٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا، رُبَّمَا اسْتَدَلوْا بهِ: أَنَّ قبْرَ آدَمَ ﵇ في مَسْجِدِ الخيْف.
وَهَذَا قدْ رَوَاهُ الدّارَقطنيُّ ﵀ ُ في «سُننِهِ» (٢/ ٧٠ - ٧١) - مَجْمَعِ الغرَائِبِ، كمَا أَرَادَهُ - فقالَ: حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلدٍ حَدَّثنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْن ِ سُليْمَانَ العَلافُ حَدَّثنَا صَبَاحُ بْنُ مَرْوَانَ حَدَّثنَا عَبْدُ الرَّحْمَن ِ بْنُ مَالِكِ بْن ِ مِغْوَل ٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن ِ مُسْلِمِ بْن ِ هُرْمُزَ عَنْ سَعِيْدِ بْن ِ جُبَيْرٍ وَعُرْوَة َ عَن ِ ابْن ِ عَبّاس ٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا قالَ: «صَلى جِبْرِيْلُ ﵇ عَلى آدَمَ ﵇: كبَّرَ عَليْهِ أَرْبعًا، وَصَلى جِبْرِيْلُ باِلملائِكةِ يَوْمَئِذٍ، وَدُفِنَ في مَسْجِدِ الخيْفِ، وَأُخِذَ مِنْ قِبَل ِ القِبْلةِ، وَلحِدَ لهُ، وَسُنِّمَ قبْرُه».
وَهَذَا الحدِيْثُ بَاطِلٌ، وَمِمَّنْ أَعَلهُ: رَاوِيْهِ الدّارَقطنيُّ، فإنهُ قالَ ﵀ ُ بَعْدَ رِوَايتِهِ لهُ: (عَبْدُ الرَّحْمَن ِ بْنُ مَالِكِ بْن ِ مِغْوَل ٍ: مَتْرُوْك ٌ، وَرَوَاهُ أَبوْ إسْمَاعِيْلَ المؤَدِّبُ عَن ِ ابْن ِ هُرْمُزَ عَنْ أَبي حَزْرَة َ عَنْ عُرْوَة َ، قوْلهُ بَعْضَ هَذَا الكلام).
وَلهُ عِلة ٌ أُخْرَى غيْرَ عَبْدِ الرَّحْمَن ِ هَذَا: وَهِيَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْن ِ هُرْمُزَ، ضَعِيْفٌ، ضَعَّفهُ أَئِمَّة ُ الحدِيْثِ، كالإمَامِ أَحْمَدَ وَيَحْيَى بْن ِ مَعِيْن ٍ، وَأَبي دَاوُوْدَ وَالنَّسَائِيِّ وَأَبي عَمْرٍو الفلاس ِ، وَأَبي حَاتِمٍ الرّازِيِّ وَغيْرِهِمْ.
[ ١٤٧ ]
وَقدْ جَاءَ حَدِيْثُ ابْن ِ عَبّاس ٍ هَذَا مِنْ طرِيْق ِ أُخْرَى: فرَوَاهُ الفاكِهيُّ في «أَخْبَارِ مَكة» (٤/ ٢٦٨) (٢٦٠٠) قالَ: حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَنْصُوْرٍ عَنْ سَعِيْدِ بْن ِ سَالِمٍ عَن ِ ابْن ِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءٍ عَن ِ ابْن ِ عَبّاس ٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا قالَ: (قبْرُ آدَمَ ﵇ بمَكة َ، أَوْ في مَسْجِدِ الخيْفِ، وَقبْرُ حَوّاءَ بجُدَّة).
وَهَذَا وَإنْ لمْ يَكنْ حُجَّة ً وَلوْ صَحَّ، لالترَدُّدِ وَالشَّك ِّ في مَوْضِعِ القبْرِ بَيْنَ مَسْجِدِ الخيْفِ وَبَيْنَ مَكة َ: إلا َّ أَنهُ كذَلِك َ ضَعِيْفٌ، وَفي سَنَدِهِ عِلتان ِ:
إحْدَاهُمَا: عَنْعَنَة ُ ابْن ِجُرَيْجٍ، وَهُوَ ثِقة ٌ غيْرَ أَنهُ مُدَلسٌ مُكثِرٌ مِنْهُ، وَقدْ عَنْعَن.
وَالثّانِيَة ُ: سَعِيْدُ بْنُ سَالِمٍ، لهُ أَوْهَام.
وَهَذِهِ العِللُ مِنْ حَيْثُ الإسْنَادُ، وَإلا َّ فإنَّ مَتْنَهُ مُنْكرٌ، يُظهرُ نكارَتهُ الوَجْهُ الأَوَّلُ، وَالثّانِي، وَالثالِثُ، وَالرّابعُ المتقدِّمة ُ في الفصْل ِ السّابق (ص١٣٤ - ١٣٦).
يُضَافُ لها وَجْهَان ِ آخَرَان ِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ في لفظِهِ في مَتنِهِ الثّانِي ترَدُّدًا وَعَدَمَ جَزْمٍ بَيْنَ مَكة َ وَمَسْجِدِ الخيْفِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلى اضْطِرَابٍ وَعَدَمِ ضَبْطٍ، فيسْقط ُ الاحْتِجَاجُ به.
الثانِي: أَنَّ هَذَا أَمْرٌ غيْرُ مَشْهُوْرٍ عِنْدَ أَهْل ِ العِلمِ، فإنهُمْ- مَعَ تَسَاهُل ِ بَعْضِهمْ - لمْ يَذْكرُوْا أَنَّ آدَمَ - ﵇ - دُفِنَ في مَسْجِدِ
[ ١٤٨ ]
الخيْفِ، وَإنْ لمْ يَشْتَرِطوْا الصِّحَة َ فِيْمَا يَرْوُوْنهُ وَيُوْرِدُوْنهُ، فقدْ ذكرَ ابْنُ جَرِيْرٍ في «تارِيْخِهِ» (١/ ١٦١) وَتبعَهُ ابْنُ كثِيْرٍ في «البدَايةِ وَالنِّهَايةِ» (١/ ١٠٨) أَقوَالا ً عِدَّة ً في مَوْضِعِ دَفن ِ آدَمَ، لمْ يَكنْ هَذَا مِنْهَا.
قالَ الحافِظ ُ ابْنُ كثِيْرٍ في «البدَايةِ وَالنِّهَايَةِ» (١/ ١٠٨): (وَاخْتَلفوْا في مَوْضِعِ دَفنِهِ: فالمشْهُوْرُ: أَنهُ دُفِنَ عِنْدَ الجبَل ِالذِي أُهبط َ مِنْهُ في الهِنْد.
وَقِيْلَ: بجبَل ِأبي قبَيْس ٍ بمَكة.
وَيُقالُ: إنَّ نُوْحًا ﵇ لمّا كانَ زَمَنُ الطوْفان ِ، حَمَلهُ هُوَ وَحَوَّاءَ في تَابوْتٍ، فدَفنَهُمَا ببَيْتِ المقدِس. حَكى ذلِك َ ابْنُ جَرِيْر.
وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ بَعْضِهمْ أَنهُ قالَ: «رَأْسُهُ عِنْدَ مَسْجِدِ إبْرَاهِيْمَ، وَرِجْلاهُ عِنْدَ صَخْرَةِ بَيْتِ المقدِس») اه.
قلتُ:
رِوَاية ُ ابْن ِعَسَاكِرَ هَذِهِ عَنْ بَعْضِهمْ: مُخَالِفة ٌ لِمَا ثبَتَ في «الصَّحِيْحَيْن» مِنْ حَدِيْثِ أَبي هُرَيْرَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ عَن ِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: «خَلقَ الله ُ آدَمَ وَطوْلهُ سِتُّوْنَ ذِرَاعًا» [خ (٣٣٢٦)، (٦٢٢٧) م (٢٨٤١)].
وَمَعَ اطرَاحِهَا: حَكاهَا ابْنُ كثِيْرٍ، وَلمْ يَذْكرْ هُوَ، وَلا ابْنُ جَرِيْرٍ: أَنَّ آدَمَ - ﵇ - مَدْفوْنٌ بمَسْجِدِ الخيْف.
وَفي البابِ ثلاثة ُ مَرَاسِيْلَ أُخْرَى سَاقِطة ٌ:
أَحَدُهَا: رَوَاهُ أَبوْ الشَّيْخِ الأَصْبَهَانِيُّ في «العَظمَةِ» (٥/ ١٥٩٢) (١٠٥٦) قالَ: حَدَّثنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْن ِ سَابوْرٍ الدَّقاقُ حَدَّثنَا أَبوْ نعَيْمٍ الحلبيُّ
[ ١٤٩ ]
حَدَّثنَا سُليْمٌ الخشّابُ المكيُّ عَنْ رَجَاءِ بْن ِ أَبي عَطاءٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قالَ: (قبْرُ آدَمَ ﵇ بمِنَى في مَسْجِدِ الخيْفِ، وَقبْرُ حَوّاءَ بجُدَّة).
وَهَذَا مَعَ إرْسَالِهِ، ضَعِيْفٌ فإنَّ فِيْهِ ثلاثَ عِلل ٍ غيْرَ إرْسَالِهِ:
سُليْمُ بْنُ مُسْلِمٍ الخشّابُ: قالَ فِيْهِ الإمَامُ أَحْمَدُ: «لا يُسَاوِي حَدِيْثهُ شَيْئًا» وَقالَ ابْنُ مَعِيْن ٍ: «جَهْمِيٌّ خَبيْثٌ» وَقالَ النَّسَائِيُّ: «مَتْرُوْك ُ الحدِيْث» كمَا في «مِيْزَان ِالاعْتِدَال» لِلذَّهَبيّ (٢/ ٢٣٢).
وَرَجَاءُ بْنُ أَبي عَطاءٍ المِصْرِيُّ: قالَ فِيْهِ الحاكِمُ: «مِصْرِيٌّ صَاحِبُ مَوْضُوْعَات» وَقالَ أَبوْ حَاتِمٍ ابْنُ حِبّانَ: «يَرْوِي الموْضُوْعَات»، نَقلهَا عَنْهُمُ الذَّهَبيُّ في «مِيْزَان ِالاعْتِدَال» (٢/ ٤٦).
وَأَبوْ نعَيْمٍ عُبَيْدُ بْنُ هِشَامٍ الحلبيُّ: ثِقة ٌ، رَوَى لهُ أَبوْ دَاوُوْدَ في «سُننِهِ» إلا َّ أَنهُ تغيَّرَ آخِرَ أَمْرِهِ، قالَ أَبوْ دَاوُوْدَ فِيْهِ: (ثِقة ٌ، إلا َّ أَنهُ تغيَّرَ في آخِرِ أَمْرِهِ، لقنَ أَحَادِيْثَ ليْسَ لها أَصْل).
وَالمرْسَلان ِ الثانِي وَالثالِثُ كحَال ِ سَابقتِهَا: رَوَاهُمَا الفاكِهيُّ في «أَخْبَارِ مَكة» (٤/ ٢٧١) (٢٦٠٨) قالَ: حَدَّثنَا ابْنُ أَبي مَسَرَّة َ وَابْنُ أَبي سَلمَة َ- يَزِيْدُ أَحَدُهُمَا عَلى صَاحِبهِ- قالا: حَدَّثنَا يَحْيى بْنُ عَبْدِ اللهِ بن أبي قزعة قالَ: حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوْسَى قالَ: حَدَّثني زَيدُ بْنُ أَسْلم.
قالَ ابْنُ أَبي سَلمَة َ في حَدِيْثِهِ: عَنْ أَبي: (إنَّ آدَمَ ﵇ لحِدَ لهُ في مَسْجِدِ الخيْفِ، ودُفِنَ في وِترٍ مِنَ الثيَاب).
[ ١٥٠ ]