فصل في تَمَثل ِ الشَّيَاطِين ِ باِلمقبُوْرِينَ المسْتَغَاثِ بهمْ وَالمعْبُوْدِينَ، تَغْرِيرًا بعُبّادِهِمْ وَإضْلالا ً لهمْ! كمَا كانتْ تصْنَعُ بأَسْلافِهمْ مِنَ عُبّادِ الأَصْنَام
ثمَّ غرَّرَتْ بهمُ الشَّيَاطِينُ حَتَّى عَبَدُوْا أُوْلئِك َ المنْسُوْبينَ زُوْرًا إلىَ الصَّلاحِ وَالاسْتِقامَةِ، أَحْيَاءً وَمَيِّتِينَ، فتَمَثلتْ لهمْ بصُوَرِ رِجَال ٍ صَالحِينَ قدْ مَاتوْا أَوْ مَا زَالوْا حَيِّينَ، يُخاطِبُوْنهُمْ فيُكلمُوْهُمْ، وَيَدْعُوْنَهُمْ فيُجِيْبُوْا دَعَوَاتِهمْ وَيُغِيْثُوْا لهفاتِهمْ، وَيُنَجُّوْا هَلكاهُمْ، وَيُخْرِجُوْا غرْقاهُمْ.
حَتَّى عَلقتْهُمْ وَزَادَتْ تَعَلقهُمْ فِيْهمْ، فأَصْبَحُوْا يَدْعُوْنَهَا فِي كلِّ كبيرٍ وَصَغِيرٍ، وَكلِّ عَظِيْمٍ وَحَقِير.
كمَا كانَتْ تَفعَلُ الشَّيَاطِينُ مَعَ عُبّادِ الأَصْنَامِ، وَالملائِكةِ وَغيرِهِمْ مِنَ المشْرِكِينَ قبْلهُمْ.
فكانَتْ تَدْخُلُ فِي الأَصْنَامِ وَتُخَاطِبُهُمْ، وَتَقضِي لهمْ شَيْئًا مِنْ حَوَائِجِهمْ، حَتَّى أَضَلتْهُمْ، وَزَيَّنَتْ لهمْ شِرْكهُمْ.
قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمية َ- كمَا فِي «مَجْمُوْعِ الفتَاوَى» (١/ ٣٦٠) -: (وَمِنْ هَؤُلاءِ: مَنْ يَأْتِي إلىَ قبْرِ الشَّيْخِ الذِي يُشْرِك ُ بهِ وَيَسْتَغِيْثُ بهِ، فينزِلُ عَليْهِ مِنَ الهوَاءِ طعامٌ، أَوْ نفقة ٌ، أَوْ سِلاحٌ، أَوْ غيرُ ذلِك َ،
[ ٢٧٣ ]
مِمّا يَطلبُهُ، فيَظنُّ ذلِك َ كرَامَة ً لِشَيْخِهِ، وَإنمَا ذلِك َ كلهُ مِنَ الشَّيَاطِين.
وَهَذَا مِنْ أَعْظمِ الأَسْبَابِ التي عُبدَتْ بهَا الأَوْثانُ، وَقدْ قالَ الخلِيْلُ ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ﴾ كمَا قالَ نوْحٌ ﵇.
وَمَعْلوْمٌ: أَنَّ الحجَرَ لا يُضِلُّ كثِيرًا مِنَ النّاس ِ إلا َّ بسَبَبٍ اقتَضَى ضَلالهمْ، وَلمْ يَكنْ أَحَدٌ مِنْ عُبّادِ الأَصْنَامِ يَعْتَقِدُ أَنهَا خَلقتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، بَلْ إنمَا كانوْا يَتَّخِذُوْنَهَا شُفعَاءَ وَوَسَائِط َ لأَسْبَاب:
مِنْهُمْ: مَنْ صَوَّرَهَا عَلى صُوَرِ الأَنبيَاءِ وَالصّالحِين.
وَمِنْهُمْ: مَنْ جَعَلهَا تَمَاثِيْلَ وَطلاسِمَ لِلكوَاكِبِ وَالشَّمْس ِ وَالقمَر.
وَمِنْهُمْ: مَنْ جَعَلهَا لأَجْل ِ الجنّ.
وَمِنْهُمْ: مَنْ جَعَلهَا لأَجْل ِ الملائِكة.
فالمعْبُوْدُ لهمْ فِي قصْدِهِمْ: إنمَا هُوَ الملائِكة ُ وَالأَنبيَاءُ وَالصّالحِوْنَ أَوِ الشَّمْسُ أَوِ القمَر.
وَهُمْ فِي نفس ِ الأَمْرِ يَعْبُدُوْنَ الشَّيَاطِينَ: فهيَ التي تَقصِدُ مِنَ الإنس ِ أَنْ يَعْبُدُوْهَا، وَتُظهرُ لهمْ مَا يَدْعُوْهُمْ إلىَ ذلِك َ كمَا قالَ تَعَالىَ: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾.
وَإذا كانَ العابدُ مِمَّنْ لا يَسْتَحِلُّ عِبَادَة َ الشَّيَاطِين ِ: أَوْهَمُوْهُ أَنهُ إنمَا يَدْعُوْ الأَنْبيَاءَ وَالصّالحِينَ وَالملائِكة َ وَغيرَهُمْ مِمَّنْ يُحْسِنُ العَابدُ ظنَّهُ به.
[ ٢٧٤ ]
وَأَمّا إنْ كانَ مِمَّنْ لا يُحَرِّمُ عِبَادَة َ الجِنِّ: عَرَّفوْهُ أَنهُمُ الجِنّ) اه كلامُ شَيْخِ الإسْلام.
وَهَذَا حَقٌّ لا رَيْبَ فِيْهِ وَلا مِرْية َ، لهِذَا رَوَى عَبْدُ اللهِ بْنُ الإمَامِ أَحْمَدَ فِي «زَوَائِدِهِ عَلى مُسْنَدِ أَبيْهِ» (٥/ ١٣٥) قالَ: (حَدَّثنَا هُدْبة ُ بنُ عَبْدِ الوَهّابِ وَمَحْمُوْدُ بْنُ غيْلانَ قالا: حَدَّثنَا الفضْلُ بْنُ مُوْسَى أَخْبرَنا حُسَينُ بْنُ وَاقِدٍ عَن ِ الرَّبيْعِ بْن ِ أَنس ٍ عَنْ أَبي العَالِيَة َ عَنْ أُبيّ بْن ِ كعْبٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا﴾ قالَ أُبيٌّ: «مَعَ كلِّ صَنَمٍ جِنيَة») اه.
وَأَرْسَلَ النَّبيُّ ﷺ - لمّا فتحَ مَكة َ- خَالِدَ بنَ الوَلِيْدِ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ إلىَ العُزَّى، فهَدَمَهَا، وَوَجَدَ عِنْدَهَا شَيْطانة ً كانتْ تُضِلُّ النّاسَ لِيَعْبُدُوْا العُزَّى: فقتلها. وَكانَ ذلِك َ لِخَمْس ِ ليال ٍ بقِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَة َ ثمَان.
فرَوَى النَّسَائِيُّ في «سُننِهِ الكبرَى» (١١٥٤٧) (٦/ ٤٧٤): عَنْ عَلِيِّ بن ِ المنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بن ِ فضيْل ٍ عَن ِ الوَلِيْدِ بن ِجُمَيْعٍ عَنْ أَبي الطفيْل ِ: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ لمّا فتحَ مَكة َ: بعَثَ خَالِدَ بنَ الوَلِيْدِ إلىَ نخلة َ، وَكانتْ بهَا العُزَّى لِيهْدِمَهَا.
فأَتاهَا خَالِدٌ - وَكانتِ العُزَّى عَلى ثلاثِ سَمُرَاتٍ - فقطعَ السَّمُرَاتِ، وَهَدَمَ البيْتَ الذِي كانَ عَليْهَا.
[ ٢٧٥ ]
ثمَّ أَتى النَّبيَّ ﷺ فأَخْبرَه.
فقالَ لهُ النَّبيُّ ﷺ: «ارْجِعْ! فإنك َ لمْ تصْنَعْ شَيْئًا».
فرَجَعَ خَالِدٌ، فلمّا أَبصَرَتْ بهِ السَّدَنة ُ- وَهُمْ حَجَبَتهَا- أَمْعَنُوْا في الجبل ِ وَهُمْ يقوْلوْنَ: يا عُزَّى خَبِّلِيْهِ! يَا عُزَّى عَوِّرِيهِ!
فأَتاهَا خَالِدٌ، فإذا هِيَ امْرَأَة ٌ عُرْيانة ٌ! ناشِرَة ٌ شَعْرَهَا، تحْتفِنُ التُّرَابَ عَلى رَأْسِهَا!
فعَمَّمَهَا خَالِدٌ باِلسَّيْفِ فقتلهَا، ثمَّ رَجَعَ إلىَ النَّبيِّ ﷺ فأَخْبرَهُ الخبرَ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ: «تِلك َ العُزَّى».
وَرَوَاهُ:
- أَبوْ نعَيْمٌ الأَصْبَهَانِيُّ في «دَلائِل ِالنُّبُوَّةِ» (ص٤٦٩) مِنْ طرِيق ِ عَلِيِّ بن ِ المنْذِرِ به.
- وَأَبوْ يعْلى الموْصِلِيُّ في «مُسْنَدِهِ» (٢/ ١٩٦ - ١٩٧) (٩٠٢): حَدَّثنَا أَبوْ كرَيْبٍ حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بنُ فضيْل ٍ به.
- وَالبَيْهَقِيُّ في «دَلائِل ِ النُّبُوَّةِ» (٥/ ٧٧) مِنْ طرِيق ِ أَبي يعْلى الموْصِلِيُّ به.
وَأَخْرَجَ الأَزْرَقِيُّ في «أَخْبَارِ مَكة» (١/ ١٢٦): عَن ِ ابن ِ عَبّاس ٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا -وَذكرَ اللاتَ وَالعُزَّى- فقالَ: (كانَ العُزَّى ثلاثُ شَجَرَاتٍ سَمُرَاتٍ بنخلة.
وَكانَ أَوَّلَ مَنْ دَعَا إلىَ عِبَادَتِهَا: عَمْرُو بنُ رَبيْعَة َ، وَالحارِثُ بنُ كعْب.
[ ٢٧٦ ]
وَكانَ في كلِّ وَاحِدَةٍ شَيْطانا يعْبَد.
فلمّا بعَثَ الله ُ مُحَمَّدًا ﷺ بعثَ بَعْدَ الفتْحِ خَالِدَ بنَ الوَلِيْدِ إلىَ العُزَّى لِيَقطعَهَا فقطعَهَا، ثمَّ جَاءَ خَالِدٌ إلىَ النَّبيِّ ﷺ.
فقالَ لهُ النَّبيُّ ﷺ: «مَا رَأَيتَ فِيْهنّ؟»
قالَ: لا شَيْء.
فقالَ ﷺ: «مَا قطعْتهُنَّ! فارْجِعْ فاقطعْ».
فرَجَعَ فقطعَ، فوَجَدَ تَحْتَ أَصْلِهَا امْرَأَة ً! ناشِرَة ً شَعْرَهَا! قائِمَة ً عَليْهنَّ، كأَنهَا تنُوْحُ عَليْهنّ!
فرَجَعَ فقالَ: إني رَأَيتُ كذَا وَكذَا!
فقالَ ﷺ: «صَدَقتَ».
وَأَخْرَجَ الأَزْرَقِيُّ أَيضًا في «أَخْبَارِ مَكة» (١/ ١٢٧): عَنْ مُحَمَّدِ بن ِ السّائِبِ الكلبيُّ قالَ: (كانتْ بنوْ نصْرٍ وَجُشَمُ وَسَعْدُ بنُ بَكرٍ، وَهُمْ عَجُزُ هَوَازِنَ يعْبُدُوْنَ العُزَّى.
وَكانتِ اللاتُ وَالعُزَّى وَمَنَاة ُ في كلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ شَيْطانة ٌ تُكلمُهُمْ وَترَاءَا لِلسَّدَنةِ - وَهُمُ الحجَبَة ُ- وَذلِك َ مِنْ صَنِيْعِ إبلِيْسَ وَأَمْرِه).
وَأَخْرَجَ الأَزْرَقِيُّ كذَلِك َفي «أَخْبَارِ مَكة» (١/ ١٢٧ - ١٢٩): عَنْ سَعِيْدِ بن ِ عَمْرٍو الهذَلِيِّ قالَ: (قدِمَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ مَكة َيوْمَ الجمُعَةِ لِعَشْرٍ بقِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَان).
[ ٢٧٧ ]
ثمَّ ذكرَ سَعِيْدٌ: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ بعَثَ خَالِدَ بنَ الوَلِيْدِ إلىَ العُزَّى لِيَهْدِمَهَا، فخَرَجَ خَالِدٌ في ثلاثِينَ فارِسا مِنْ أَصْحَابهِ إلىَ العُزَّى، حَتَّى انتهَى إليْهَا فهَدَمَهَا.
ثمَّ رَجَعَ إلىَ النَّبيِّ ﷺ فقالَ لهُ: «أَهَدَمْتَ؟».
قالَ: نعَم، يا رَسُوْلَ الله.
قالَ: «هَلْ رَأَيتَ شَيْئًا؟».
قالَ: لا.
قالَ: «فإنك َ لمْ تهْدِمْهَا! فارْجِعْ إليْهَا فاهْدِمْهَا».
فخَرَجَ خَالِدُ بنُ الوَلِيْدِ - وَهُوَ مُتَغَيِّظ ٌ- فلمّا انتهَى إليْهَا جَرَّدَ سَيْفهُ، فخَرَجَتِ امْرَأَة ٌ سَوْدَاءُ عُرْيانة ٌ! ناشِرَة ٌ شَعْرَهَا!
فجَعَلَ السّادِنُ يَصِيْحُ بهَا - قالَ خَالِدٌ: وَأَخَذَنِي اقشِعْرَارٌ في ظهْرِي- وَيقوْلُ:
أَعُزَّى! شُدِّي شَدَّة ً لا تُكذِّبي أَعُزَّى! أَلق ِ القِنَاعَ وَشَمِّرِي
أَعُزَّى! إنْ لمْ تقتلِي المرْءَ خَالِدًا فبوْئِي بإثمٍ عَاجِل ٍ أَوْ تنصَّرِي
فأَقبلَ خَالِدٌ باِلسَّيْفِ إليْهَا وَهُوَ يَقوْلُ:
يَا عُزَّى! كفرَانكِ لا سُبْحَانكِ إني رَأَيتُ الله َ قدْ أَهَانكِ
قالَ: فضَرَبهَا باِلسَّيْفِ، فجَزَلها باِثنتين ِ، ثمَّ رَجَعَ إلىَ رَسُوْل ِ اللهِ ﷺ فأَخْبرَهُ.
فقالَ ﷺ: «نعم، تِلك َ العُزَّى قدْ أَيسَتْ أَنْ تعْبَدَ ببلادِكمْ أَبدًا.
[ ٢٧٨ ]
وَكانَ هَدْمُهَا لِخَمْس ِ ليال ٍ بقِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَة َ ثمَان.
وَأَخْرَجَ الأَزْرَقِيُّ كذَلِك َفي «أَخْبَارِ مَكة» (١/ ١٢٢): مِنْ طرِيق ِ الوَاقِدِيِّ عَنْ أَشْيَاخِهِ: أَنَّ الأَصْنَامَ لمّا كسِرَتْ، وَمِنْهَا إسَافٌ وَنائِلة ُ-: خَرَجَتْ مِنْ إحْدَاهُمَا امْرَأَة ٌ سَوْدَاءُ شَمْطاءُ! تَخْمِشُ وَجْهَهَا! عُرْيانة ٌ! ناشِرَة ُ الشَّعْرِ، تدْعُوْ باِلوَيل!
فقِيْلَ لِرَسُوْل ِ اللهِ ﷺ في ذلِك َ فقالَ: «تِلك َ نائِلة ُ، قدْ أَيسَتْ أَنْ تعبدَ ببلادِكمْ أَبدًا».
وَمَا يَرَاهُ هَؤُلاءِ المشْرِكوْنَ فِي كلِّ عَصْرٍ مِنْ خَوَارِقَ شَيْطانِيَّةٍ، هِيَ مِنْ أَسْبَابِ شِرْكِهمْ وَضَلالهِمْ قدِيْمًا وَحَدِيْثًا.
وَمَا رَأَوْهُ مِمّا سَبَقَ، أَوْ سَمِعُوْهُ مِمّا تقدَّمَ: هِيَ مَخَارِيْقُ شَيْطانِيَّة ٌ، مِنْ جِنْس ِ مَخَارِيْق ِ السَّحَرَةِ وَالكهّان ِ، أَرَادَتِ الشَّيَاطِينُ إغوَاءَهُمْ بهَا عَنْ دِيْن ِ اللهِ وَتَوْحِيْدِهِ، كمَا كانتْ تُغْوِي قبْلهُمْ عُبّادَ الأَصْنَامِ وَسَائِرَ المشْرِكِينَ، تَتَمَثَّلُ فِي الأَصْنَامِ وَتُخَاطِبُهُمْ، وَتَقضِي حَاجَاتِهمْ، وَتُغِيْثُ بَعْضَ لهفاتِهمْ.
وَلوْلا تِلك َ الأُمُوْرُ لمَا ضَلوْا باِلأَحْجَارِ وَالأَشْجَارِ، وَلمَا خَشِيَ نبيُّ اللهِ وَخَلِيْلهُ إمَامُ الحنفاءِ، وَأَبوْ الأَنبيَاءِ الأَصْفِيَاءِ مِنْهُ فقالَ: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ﴾.
فهَلْ كانَ إضْلالهنَّ لِكثِيرٍ مِنَ النّاس ِ إلا َّ لِمُوْجِبٍ لِلإضْلال ِ، مُخِيْفٍ لإمَامِ الحنفاءِ مِنَ الوُقوْعِ فِيْهِ وَالضَّلال؟!
[ ٢٧٩ ]
قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابنُ تَيْمية َ-كمَا فِي «مَجْمُوْعِ الفتَاوَى» (١٧/ ٤٦٠ - ٤٦١) -: (وَإنمَا المقصُوْدُ: أَنَّ أَصْلَ الشِّرْكِ فِي العَالمِ كانَ مِنْ عِبَادَةِ البَشَرِ الصّالحِينَ، وَعِبَادَةِ تَمَاثِيْلِهمْ وَهُمُ المقصوْدُوْنَ.
وَمِنَ الشِّرْكِ: مَا كانَ أَصْلهُ عِبَادَة َ الكوَاكِبِ، إمّا الشَّمْسُ، وَإمّا القمَرُ، وَإمّا غيرُهُمَا، وَصُوِّرَتِ الأَصْنَامُ طلاسِمَ لِتِلك َ الكوَاكِب.
وَشِرْك ُ قوْمِ إبْرَاهِيْمَ - وَالله ُ أَعْلمُ - كانَ مِنْ هَذَا، أَوْ كانَ بَعْضُهُ مِنْ هَذَا.
وَمِنَ الشِّرْكِ: مَا كانَ أَصْلهُ عِبَادَة َ الملائِكةِ أَوِ الجِنِّ، وَوُضِعَتِ الأَصْنَامُ لأَجْلِهمْ، وَإلا َّ فنفسُ الأَصْنَامِ الجمَادِيةِ لمْ تُعْبَدْ لِذَاتِهَا، بَلْ لأَسْبَابٍ اقتضَتْ ذلِك َ، وَشِرْك ُ العَرَبِ كانَ أَعْظمُهُ الأَوَّلَ، وَكانَ فِيْهِ مِنَ الجمِيْع) اه.
[ ٢٨٠ ]