أَمّا الصَّلاة ُ إلىَ القبْرِ: فصَلاة ٌ مُحَرَّمَة ٌ غيْرُ صَحِيْحَةٍ كذَلِك َ، لِحَدِيْثِ أَبي مَرْثدٍ الغنوِيِّ عَن ِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: «لا تُصَلوْا إلىَ القبوْرِ، وَلا تَجْلِسُوْا عَليْهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ في «صَحِيْحِه» (٩٧٢).
وَبهَذَا قالَ كثِيْرٌ مِنَ الأَصْحَابِ، مِنْهُمُ الآمِدِيُّ، وَأَبوْ عَبْدِ اللهِ ابنُ حَامِدٍ، وَأَبوْ محمَّدٍ ابنُ قدَامَة َ، وَشَيْخُ الإسْلامِ ابنُ تَيْمية َ ﵏.
وَذكرَ القاضِي أَبُوْ يَعْلى مُحَمَّدُ بْنُ الحسَين ِ ابْنُ الفرّاءِ البَغدَادِيُّ (ت٤٥٨هـ): أنَّ حُكمَهُ حُكمُ المصَلي فِيْهَا، لأَنَّ الهوَاءَ تابعٌ لِلقرَارِ، فيَثبتُ فِيْهِ حُكمُهُ، وَلِذَلِك َ لوْ حَلفَ لا يدْخُلُ دَارًا، فدَخَلَ سَطحَهَا: حَنِثَ. وَلوْ خَرَجَ المعْتكِفُ إلىَ سَطحِ المسْجِدِ: كانَ لهُ ذلِك َ، لأَنَّ حُكمَهُ حُكمُ المسْجِد) (١).
وَجَوَّزَ بَعْضُ أَهْل ِ العِلمِ الصَّلاة َ في عُلوِّ الموَاضِعِ المنْهيِّ عَنْهَا، وَقالوْا: (الصَّحِيْحُ قصْرُ النَّهْيِّ عَلى مَا تناوَلهُ، وَأَنهُ لا يُعَدَّى إلىَ غيْرِهِ، لأَنَّ الحكمَ إنْ كانَ تَعَبُّدِيًّا: فالقِيَاسُ فِيْهِ مُمْتَنِعٌ، وَإنْ عُللَ: فإنمَا يُعَللُ بكوْنهِ لِلنجَاسَةِ، وَلا يتخيلُ هَذَا في سَطحِهَا).
_________________
(١) - «المغْني» لابْن ِ قدَامَة (١/ ٤٧٤).
[ ٦٣ ]
وَكلامُهُمْ هَذَا مَرْدُوْدٌ إنْ أُطلِقَ، فإنهُ لا يَصِحُّ إطلاقهُ إلا َّ عَلى الموَاضِعِ التِي عِلة ُ النَّهْيِّ فِيْهَا النَّجاسَة ُ، مَعَ مَنْعِ جَمَاعَاتٍ مِنْ أَهْل ِ العِلمِ إطلاقهُ فِيْهَا، وإنْ كانتِ العِلة ُ النَّجَاسَة ُ كمَا تقدَّمَ في كلامِ القاضِي وَكلامِ غيْرِه.
إلا َّ أَنهُ لا يَصِحُّ إدْخَالُ عُلوِّ المقبَرَةِ في ذلِك َ البتة َ، لاخْتِلافِ العِلةِ، وَتَحَقق ِ عِلةِ النَّهْيِّ الحقِيْقِيَّةِ عَن ِالصَّلاةِ في المقبَرَةِ في العُلوِّ وَفي السُّفل. وَقدْ قرَّرْنا في فصْل ٍ تقدَّمَ (ص٢٧ - ٤٣): أَنَّ عِلة َ النَّهْيِّ عَن ِ الصَّلاةِ في المقابرِ وَعِنْدَهَا، هُوَ مَا في ذلك مِنْ فتْحِ بَابٍ لِلشِّرْكِ وَذرِيْعَةٍ إليْهِ، وَمَا فِيْهِ مِنْ مُشَابَهَةِ اليَهُوْدِ وَالنَّصَارَى المتخِذِيْنَ قبوْرَ أَنبيَائِهمْ مَسَاجِد.
قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابنُ تَيْمية َفي «شَرْحِ العُمْدَةِ» (٢/ ٤٨٠ - ٤٨١): (وَذهَبَتْ طائِفة ٌ مِنْ أَصْحَابنا إلىَ جَوَازِ الصَّلاةِ إلىَ هَذِهِ الموَاضِعِ مُطلقا - أَي الموَاضِعَ المنْهيَّ عَن ِالصَّلاةِ فِيْهَا- مِنْ غيْرِ كرَاهَةٍ! وَهُوَ قوْلٌ ضَعِيْفٌ، لا يَلِيْقُ باِلمذْهَب.
وَمِنْهُمْ: مَنْ لمْ يَكرَهْ ذلِك َ إلا َّ في القبْرِ خَاصَّة ً، لأَنَّ النَّهْيَ عَن ِ النَّبيِّ ﷺ إنمَا صَحَّ في الصَّلاةِ إلىَ القبوْرِ كمَا تقدَّم.
وَلأَنهَا هِيَ التِي يُخافُ أَنْ تُتَّخذَ أَوْثانا، فالصَّلاة ُ إليْهَا شَبيْهَة ٌ باِلصَّلاةِ بيْنَ يَدَيْ الصَّنَمِ، وَذلِك َ أَعْظمُ مِنَ الصَّلاةِ بَيْنَهَا.
وَلِهَذَا يَكرَهُوْنَ مِنَ الصَّلاةِ إلىَ القبْرِ، مَا لا يَكرَهُوْنهُ مِنَ الصَّلاةِ إلىَ المقبَرَة.
[ ٦٤ ]
وَهَذِهِ حُجَّة ُ مَنْ رَأَى التَّحْرِيْمَ وَالإبطالَ، مُخْتَصًّا باِلصَّلاةِ إلىَ القبْرِ، وَإنْ كرِهَ الصَّلاة َ إلىَ تِلك َ الأَشْيَاءِ، وَهُوَ قوْلٌ قوِيٌّ جِدًّا، وَقدْ قالهُ كثِيْرٌ مِنْ أَصْحَابنا.
وَوَجْهُ الكرَاهَةِ في الجمِيْعِ: مَا تقدَّمَ عَن ِ الصَّحَابةِ وَالتابعِيْنَ مِنْ غيْرِ خِلافٍ عَلِمْنَاهُ بَيْنَهُمْ، وَلأَنَّ القبوْرَ قدِ اتخِذَتْ أَوْثانا وَعُبدَتْ، وَالصَّلاة ُ إليْهَا يُشبهُ الصَّلاة َ إلىَ الأَوْثان ِ، وَذلِك َ حَرَامٌ، وَإنْ لمْ يقصِدْهُ المرْءُ، وَلِهَذَا لوْ سَجَدَ إلىَ صَنَمٍ بَيْنَ يدَيهِ لمْ يَجُزْ ذلك) اه.
وَقالَ الشَّيْخُ العَلامَة ُ عَبْدُ الرَّحْمَن ِ بْنُ حَسَن ِ بْن ِ مُحَمَّدِ بْن ِ عَبْدِ الوَهّابِ آل الشَّيْخِ ﵏ ُ في «فتْحِ المجِيْدِ» (ص٢٠٧): (قوْلهُ: «وَالذِيْنَ يَتَّخِذُوْنَ القبوْرَ مَسَاجِدَ» أَي: وَإنَّ مِنْ شِرَارِ النّاس ِ الذِيْنَ يَتَّخِذُوْنَ القبوْرَ مَسَاجِدَ، أَي باِلصَّلاةِ عِنْدَهَا وَإليْهَا، وَبناءِ المسَاجِدِ عَليْهَا، وَتقدَّمَ في الأَحَادِيْثِ الصَّحِيْحَةِ أَنَّ هَذَا مِنْ عَمَل ِاليَهُوْدِ وَالنَّصَارَى) اه.
[ ٦٥ ]