أَمّا الصَّلاة ُ في عُلوِّ المقبَرَةِ، وَعُلوِّ بقِيَّةِ الموَاضِعِ المنْهيِّ عَن ِ الصَّلاةِ فِيْهَا: فقدِ اخْتَلفَ مُحَرِّمُو الصَّلاةِ فِيْهَا في ذلك:
فقالَ مُحَققوْهُمْ: لا فرْقَ بَيْنَ سُفلِهَا وَعُلوِّهَا، لأَنَّ الاسْمَ يتناوَلُ الجمِيْعَ، وَالحكمُ مُعَلقٌ باِلاسْم.
وَقالوْا: وَيَدْخُلُ في كلِّ مَوْضِعٍ مِنْهَا، مَا يَدْخُلُ فِيْهِ مُطلقُ البَيْعِ وَالهِبَةِ مِنْ حُقوْق ٍ، مِنْ سُفلِهِ وَعُلوِّهِ، اعْتِبَارًا بمَا يقعُ عَليْهِ الاسْمُ عِنْدَ الإطلاق ِ، فمَنْ باعَ دَارًا: دَخَلَ في ذلِك َ سُفلهَا وَعُلوُّهَا، لِوُقوْعِ الاسْمِ عَلى الجمِيْعِ عِنْدَ الإطلاق ِ، وَلأَنَّ الحكمَ تَعَبُّدٌ، فيناط ُ بمَا يَدْخُلُ في الاسْم.
ثمَّ قالَ المحَرِّمُوْنَ لِلصَّلاةِ في عُلوِّ المقابرِ: إنْ كانَ قدْ بُنِيَ عَلى المقابرِ:
بناءٌ مَنْهيٌّ عَنْهُ كمَسْجِدٍ،
أَوْ بناءٌ في مَقبَرَةٍ مُسَبَّلةٍ:
كانتِ الصَّلاة ُ في عُلوِّ هَذَيْن ِ المبْنَيَيْن ِ: صَلاة ً مُحَرَّمَة ً غيْرَ صَحِيْحَةٍ، لأَنهُمَا مَوْضِعَان ِ مُحَرَّمَان.
[ ٥٩ ]
أَمّا الأَوَّلُ: فلأَنهُ صَلى في مَسْجِدٍ في القبوْرِ، وَاتخاذ ٌ لِلقبوْرِ مَسَاجِدَ، وَدُخُوْلٌ في لعْن ِالنَّبيِّ ﷺ أَهْلَ الكِتَابِ عَليْهِ. فإنهُمْ لمّا اتخذُوْا الأَبنِيَة َ عَلى قبوْرِ أَنْبيَائِهمْ وَصَالِحِيْهمْ: لعِنوْا عَلى ذلِك َ، سَوَاءٌ صَلوْا في قرَارِ المبْنَى أَوْ عُلوِّه.
أَمّا الثانِي: فلأَنَّ الصَّلاة َ فِيْهِ صَلاة ٌعَلى مَكان ٍ مَغْصُوْبٍ، وَالخِلافُ في صِحَّةِ الصَّلاةِ في المكان ِ المغْصُوْبِ مَعْلوْمٌ مَشْهُوْرٌ، مَعَ تَحَقق ِ العِلةِ الأُوْلىَ فِيْهِ كذَلِك.
أَمّا إنْ كانَ الميِّتُ مَدْفوْنا في دَارٍ، أَعْلاهَا باق ٍ عَلى الإعْدَادِ لِلسُّكنَى: فذَكرَ بَعْضُ الأَصْحَابِ جَوَازَ الصَّلاةِ فِيْه.
وَالذِي عَليْهِ المحَققوْنَ مِنْ أَهْل ِ العِلمِ، حَنَابلة ً وَغيْرَهُمْ، وَالذِي يَدُلُّ عَليْهِ كلامُ الإمَامِ أَحْمَدَ، وَأَكثرِ أَصْحَابهِ: أَنهُ لا يُصَلى فِيْهِ، لأَنَّ هَذَا البناءَ مَنْهيٌّ عَنْهُ، وَهُوَ تابعٌ لِلقرَارِ في الاسْم.
وَلأَنَّ الصَّلاة َ في عُلوِّ هَذَا المكان ِ باِلنِّسْبةِ إلىَ الميِّتِ، كالصَّلاةِ في أَسْفلِه.
وَلأَنَّ حِكمَة َ النَّهْيِّ عَن ِ الصَّلاةِ عِنْدَ القبْرِ: هُوَ مَا فِيْهِ مِنَ فتْحِ ذرِيْعَةٍ لِلشِّرْكِ، وَمُشابهَةِ أَهْل ِ الكِتَابِ، باِلتَّعْظِيْمِ المفضِي إلىَ اتخاذِ القبوْرِ أَوْثانا.
وَهَذِهِ الحِكمَة ُ مَوْجُوْدَة ٌ باِلصَّلاةِ في قرَارِ الأَبنِيَةِ وَعُلوِّهَا، سَوَاءٌ قصَدَ المصَلي ذلِك َ، أَوْ تشَبَّهَ بمَنْ يَقصِدُ ذلِك َ، وَخِيْفَ أَنْ يَكوْنَ
[ ٦٠ ]
ذرِيْعَة ً إلىَ ذلك.
وَقدْ ذكرَ ذلِك َ شَيْخُ الإسْلامِ ابنُ تَيْمية َ في «شَرْحِ العُمْدَةِ»، وَرَجَّحَهُ بمَا سَبَقَ (٢/ ٤٧١ - ٤٧٥).
وَكذَلِك َ الحالُ في كلِّ مَا دَخَلَ في اسْمِ المقبَرَةِ، مِمّا حَوْلَ القبوْرِ: لا يُصَلى فِيْه.
فعَلى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكوْنَ المنْعُ مُتَنَاوِلا ً لِحَرِيْمِ القبْرِ المفرَدِ، وَفِنَائِهِ المضافِ إليْهِ، قالهُ الأَصْحَابُ، وَذكرَهُ وَرَجَّحَهُ شَيْخُ الإسْلامِ في «شَرْحِ العُمْدَةِ» (٢/ ٤٦١).
وَهُوَ الذِي تَدُلُّ عَليْهِ الأَدِلة ُ كمَا سَبَقَ، وَإخْرَاجُ هَذِهِ الموَاضِعِ مِنْ عُمُوْمِ الأَدِلةِ، تَحَكمٌ غيْرُ مَقبوْل.
[ ٦١ ]