وَهَذِهِ المخارِيقُ الشَّيْطانِيَّة ُ لِلمُشْرِكِينَ وَالضّالينَ الجاهِلِينَ: يَعْرِفُ حَقِيْقتَهَا الموَحِّدُوْنَ فِي كلِّ عَصْرٍ وَكلِّ مِصْرٍ، فلا تُغْوِيْهمُ الشَّيَاطِينُ عَمّا هُمْ عَليْهِ مِنَ الهدَى وَالحقِّ المبين ِ، وَلا تَزِيدُهُمْ هَذِهِ الخزَعْبلاتُ إلا َّ بَصِيرَة ً وَإيْمَانا، وَتَصْدِيْقا بإخْبَارِ اللهِ وَرَسُوْلِهِ ﷺ وَإيقانا، وَقِيَامًا بمَا أَمَرَ الله ُ وَرَسُوْلهُ ﷺ تِجَاهَهَا، فقلوْبهُمْ مَعَ هَذِهِ الفِتن ِ سَالِمَة ٌ خَالِيَة ٌ، كمَا أَخْبرَ بذَلك َ نبيُّهُمْ ﷺ فقالَ: «تُعْرَضُ الفِتَنُ عَلى القلوْبِ كالحصِيرِ عُوْدًا عُوْدًا، فأَيُّ قلبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيْهِ نُكتَة ٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكتَة ٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلى قلبَيْن ِ عَلى أَبْيَضَ مِثْل ِ الصَّفا فلا تَضُرُّهُ فِتْنَة ٌمَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ، وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا، كالكوْزِ مُجَخِّيًا، لا يَعْرِفُ مَعْرُوْفا وَلا يُنْكِرُ مُنْكرًا، إلا َّ مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاه» رَوَاهُ الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِهِ» (٥/ ٤٠٥، ٣٨٦) وَمُسْلِمٌ في «صَحِيْحِهِ» (١٤٤) مِنْ حَدِيْثِ حُذَيْفةِ بْن ِ اليمَان ِ رَضِيَ الله ُ عَنْه.
وَقدْ ذكرَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمية َ ﵀ ُ فِي جُمْلةٍ مِنْ كتبهِ طرَفا كبيرًا مِنْ تِلك َ المخارِيْق ِ الشَّيْطانِيَّةِ، وَذكرَ أَنهُ لوْ ذكرَ كلَّ مَا يَعْرِفهُ مِنْ ذلِك َ لاحْتَاجَ إلىَ مُجَلدٍ كبيرٍ فِي ذلِك َ!
[ ٢٨٥ ]
وَأَكتفِي بذِكرِ شَيْءٍ مِمّا ذكرَهُ ﵀ ُ:
* مِنْ ذلِك َ: قوْلهُ ﵀ ُ: (وَأَعْرِفُ مِنْ هَؤُلاءِ عَدَدًا، وَمِنْهُمْ: مَنْ كانَ يُحْمَلُ فِي الهوَاءِ إلىَ مَكان ٍ بَعِيْدٍ وَيَعُوْد!
* وَمِنْهُمْ: مَنْ كانَ يُؤْتى بمَال ٍ مَسْرُوْق ٍ، تَسْرُقهُ الشَّيَاطِينُ، وَتَأْتِيْهِ به!
* وَمِنْهُمْ: مَنْ كانَتْ تدُلهُ عَلى السَّرِقاتِ بجُعْل ٍ يَحْصُلُ لهُ مِنَ النّاس ِ، أَوْ بعَطاءٍ يُعْطوْنهُ إذا دَلهمْ عَلى سَرِقاتِهمْ، وَنَحْو ذلك) (١).
* وَقالَ: (وَمِنْ هَؤُلاءِ: مَنْ يَسْتَغِيْثُ بمَخلوْق ٍ، إمّا حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ، سَوَاءٌ كانَ ذلِك َ المخلوْقُ مُسْلِمًا أَوْ نَصْرَانِيًّا أَوْ مُشْرِكا: فيَتَصَوَّرُ الشَّيْطانُ بصُوْرَةِ ذلِك َ المسْتَغاثِ بهِ، وَيَقضِي بَعْضَ حَاجَةِ ذلِك َ المسْتَغِيْثِ، فيَظنُّ أَنهُ ذلِك َ الشَّخْصُ، أَوْ هُوَ مَلك ٌ عَلى صُوْرَتِه.
وَإنمَا هُوَ شَيْطانٌ أَضَلهُ لمّا أَشْرَك َ باِللهِ، كمَا كانَتِ الشَّيَاطِينُ تَدْخُلُ في الأَصْنَامِ، وَتُكلمُ المشْرِكِين.
* وَمِنْ هَؤُلاءِ: مَنْ يَتَصَوَّرُ لهُ الشَّيْطانُ وَيَقوْلُ لهُ: «أَنا الخضِرُ»! وَرُبَّمَا أَخْبرَهُ ببَعْض ِ الأُمُوْرِ! وَأَعَانهُ عَلى بَعْض ِ مَطالِبهِ! كمَا جَرَى ذلِك َ لِغَيرِ وَاحِدٍ مِنَ المسْلِمِينَ وَاليَهُوْدِ وَالنَّصَارَى.
_________________
(١) - «الفرْقانُ، بَينَ أَوْلِيَاءِ الرَّحْمَن ِ وَأَوْلِيَاءِ الشَّيْطان» (ص٢٢٦).
[ ٢٨٦ ]
* وَكثِيرٌ مِنَ الكفارِ بأَرْض ِ المشْرِق ِ وَالمغْرِبِ، يَمُوْتُ لهمُ الميِّتُ، فيَأْتِي الشَّيْطانُ بَعْدَ مَوْتِهِ عَلى صُوْرَتِهِ - وَهُمْ يَعْتَقِدُوْنَ أَنهُ ذلِك َ الميِّتُ - وَيَقضِي الدُّيوْنَ، وَيَرُدُّ الوَدَائِعَ، وَيَفعَلُ أَشْيَاءَ تَتَعَلقُ باِلميِّتِ، وَيَدْخُلُ إلىَ زَوْجَتِهِ، وَيَذْهَب. وَرُبمَا يَكوْنوْنَ قدْ أَحْرَقوْا مَيَّتَهُمْ باِلنّارِ! كمَا يَصْنَعُ كفارُ الهِنْدِ، فيَظنُّوْنَ أَنهُ عَاشَ بَعْدَ مَوْتِه!
* وَمِنْ هَؤُلاءِ: شَيْخٌ كانَ بمصْرَ أَوْصَى خَادِمَهُ فقالَ: «إذا أَنا مِتُّ فلا تَدَعْ أَحَدًا يُغَسِّلني، فأَنا أَجِيءُ وَأُغسِّلُ نَفسِي!».
فلمّا مَاتَ: رَأَى خَادِمُهُ شَخْصًا فِي صُوْرَتِهِ! فاعْتَقدَ أَنهُ هُوَ دَخَلَ وَغسَّلَ نَفسَهُ! فلمّا قضَى ذلِك َ الدّاخِلُ غسْلهُ - أَيْ غسْلَ الميِّتِ - غاب!
وَكانَ ذلِك َ شَيْطانا، وَكانَ قدْ أَضَلَّ الميِّتَ، وَقالَ: «إنك َ بَعْدَ الموْتِ تَجِيءُ فتَغْسِلُ نفسَك َ!»، فلمّا مَاتَ جَاءَ أَيْضًا فِي صُوْرَتِهِ لِيُغوِيَ الأَحْيَاءَ، كمَا أَغوَى الميِّتَ قبْلَ ذلك.
* وَمِنْهُمْ: مَنْ يرَى عَرْشا فِي الهوَاءِ وَفوْقهُ نوْرٌ، وَيَسْمَعُ مَنْ يُخَاطِبُهُ وَيَقوْلُ: «أَنا رَبك َ!»، فإنْ كانَ مِنْ أَهْل ِ المعْرِفةِ: عَلِمَ أَنهُ شَيْطانٌ فزَجَرَهُ، وَاسْتَعَاذَ باِللهِ مِنْهُ فيَزُوْلُ ذلك) (١).
_________________
(١) - «الفرْقانُ، بَينَ أَوْلِيَاءِ الرَّحْمَن ِ وَأَوْلِيَاءِ الشَّيْطان» (ص٣٢٩ - ٣٣٠).
[ ٢٨٧ ]
* قالَ: (وَقدْ جَرَتْ هَذِهِ القِصَّة ُ لِغيرِ وَاحِدٍ مِنَ النّاس ِ، فمِنْهُمْ مَنْ عَصَمَهُ الله ُ، وَعَرَفَ أَنهُ الشَّيْطانُ، كالشَّيْخِ عَبْدِ القادِرِ فِي حِكايتِهِ المشْهُوْرَةِ حَيْثُ قالَ: «كنْتُ مَرَّة ً فِي العِبَادَةِ، فرَأَيتُ عَرْشا عَظِيْمًا، وَعَليْهِ نوْرٌ، فقالَ لِي: يَا عَبْدَ القادِرِ! أَنا رَبك َ! وَقدْ حَللتُ لك َ مَا حَرَّمْتُ عَلى غيرِك!
قالَ: فقلتُ لهُ: أَنتَ الله ُ الذِي لا إلهَ إلا َّ هُوَ؟! اِخْسَأْ يا عَدُوَّ الله.
قالَ: فتَمَزَّقَ ذلِك َ النوْرُ، وَصَارَ ظلمَة.
وَقالَ: يَا عَبْدَ القادِرِ نجَوْتَ مِنِّي بفِقهك َ فِي دِينِك َ، وَعِلمِك َ وَبمُنازَلاتِك َ فِي أَحْوَالِك َ، لقدْ فتنْتُ بهَذِهِ القِصَّةِ سَبْعِينَ رَجُلا ً».
فقِيْلَ لهُ: كيْفَ عَلِمْتَ أَنهُ الشَّيْطان؟
قالَ: «بقوْلِهِ لِي: حَللتُ لك َ مَا حَرَّمْتُ عَلى غيرِك َ! وَقدْ عَلِمْتُ أَنَّ شَرِيْعَة َ مُحَمَّدٍ ﷺ لا تُنْسَخُ، وَلا تبدَّل. وَلأَنهُ قالَ: أَنا رَبُّك َ، وَلمْ يَقدِرْ أَنْ يَقوْلَ: أَنا الله ُ الذِي لا إلهَ إلا َّ أَنا».
* وَمِنْ هَؤُلاءِ: مَن ِ اعْتَقدَ أَنَّ المرْئِيَّ هُوَ الله ُ! وَصَارَ هُوَ وَأَصْحَابهُ يَعْتَقِدُوْنَ أَنهُمْ يَرَوْنَ الله َ تَعَالىَ فِي اليَقظةِ! وَمُسْتَنَدُهُمْ مَا شَاهَدُوْه!
وَهُمْ صَادِقوْنَ فِيْمَا يُخْبرُوْنَ بهِ، وَلكِنْ لمْ يَعْلمُوْا أَنَّ ذلِك َ هُوَ الشَّيْطان.
[ ٢٨٨ ]
* وَهَذَا قدْ وَقعَ كثِيرًا لِطوَائِفَ مِنْ جُهّال ِ العُبّادِ، يَظنُّ أَحَدُهُمْ أَنهُ يَرَى الله َ تَعَالىَ بعَيْنِهِ فِي الدُّنيا! لأَنَّ كثِيرًا مِنْهُمْ رَأَى مَا ظنَّ أَنهُ الله ُ، وَإنمَا هُوَ شَيْطان) (١).
* قالَ: (وَمِنْهُمْ: مَنْ يَرَى أَشْخاصًا فِي اليَقظةِ يَدَّعِي أَحَدُهُمْ أَنهُ نبيٌّ! أَوْ صِدِّيقٌ! أَوْ شَيْخٌ مِنَ الصّالحِينَ! وَقدْ جَرَى هَذَا لِغيرِ وَاحِد.
* وَمِنْهُمْ: مَنْ يَرَى فِي مَنَامِهِ أَنَّ بَعْضَ الأَكابرِ: إمّا الصِّدِّيقُ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ، أَوْ غيرُهُ، قدْ قصَّ شَعْرَهُ، أَوْ حَلقهُ، أَوْ أَلبسَهُ طاقِيَّتَهُ، أَوْ ثوْبهُ: فيُصْبحُ وَعَلى رَأْسِهِ طاقِيَّة ٌ، وَشَعْرُهُ مَحْلوْقٌ أَوْ مُقصَّرٌ! وَإنمَا الجِنُّ قدْ حَلقوْا شعْرَهُ أَوْ قصَّرُوْه) (٢).
* ثمَّ قالَ: (فإني أَعْرِفُ مَنْ تُخَاطِبُهُ النَّبَاتاتُ بمَا فِيْهَا مِنَ المنَافِعِ! وَإنمَا يُخَاطِبُهُ الشَّيْطانُ الذِي دَخَلَ فِيْهَا.
* وَأَعْرِفُ مَنْ يُخَاطِبُهُمُ الحجَرُ وَالشَّجَرُ! وَتَقوْلُ: «هَنِيْئًا لك َ يَا وَلِيَّ اللهِ» فيَقرَأُ آية َ الكرْسِيِّ فيَذْهَبُ ذلك.
* وَأَعْرَفُ مَنْ يَقصِدُ صَيْدَ الطيرِ، فتُخاطِبُهُ العَصَافِيرُ وَغيْرُهَا وَتَقوْلُ: «خُذْنِي حَتَّى يَأْكلنِي الفقرَاء»! وَيَكوْنُ الشَّيْطانُ قدْ دَخَلَ فِيْهَا، كمَا يَدْخُلُ فِي الإنس ِ وَيُخاطِبُهُ بذَلك.
_________________
(١) - «مَجْمُوْعُ الفتَاوَى» (١/ ١٧٢).
(٢) - «الفرْقانُ، بَينَ أَوْلِيَاءِ الرَّحْمَن ِ وَأَوْلِيَاءِ الشَّيْطان» (ص٣٣٠ - ٣٣١).
[ ٢٨٩ ]
* وَمِنْهُمْ: مَنْ يَكوْنُ فِي البَيْتِ وَهُوَ مُغلقٌ، فيَرَى نفسَهُ خَارِجَهُ وَهُوَ لمْ يُفتَحْ! وَباِلعَكس! وَكذَلِك َ فِي أَبوَابِ المدِينةِ! وَتَكوْنُ الجِنُّ قدْ أَدْخلتهُ وَأَخْرَجَتْهُ بسُرْعة.
* أَوْ تَمُرُّ بهِ أَنوَارٌ! أَوْ تُحْضِرُ عِنْدَهُ مَنْ يَطلبُهُ! وَيَكوْنُ ذلِك َ مِنَ الشَّيَاطِين ِ، يَتَصَوَّرُوْنَ بصُوْرَةِ صَاحِبه. فإذا قرَأَ آية َ الكرْسِيِّ مَرَّة ً بَعْدَ مَرَّةٍ: ذهَبَ ذلِك َ كله.
* وَأَعْرِفُ مَنْ يُخَاطِبُهُ مُخَاطِبٌ وَيَقوْلُ لهُ: «أَنا مِنْ أَمْرِ اللهِ»، وَيَعِدُهُ بأَنهُ المهْدِيُّ الذِي بشرَ بهِ النَّبيُّ ﷺ، وَيُظهرُ لهُ الخوَارِق!
مِثْلَ أَنْ يَخْطرَ بقلبهِ تَصَرُّفٌ فِي الطيْرِ وَالجرَادِ فِي الهوَاءِ، فإذا خَطرَ بقلبهِ ذهَابُ الطيرِ أَوِ الجرَادِ يَمِيْنًا أَوْ شَمَالا ً: ذهَبَ حَيْثُ أَرَادَ! وَإذا خَطرَ بقلبهِ قِيَامُ بَعْض ِ الموَاشِي أَوْ نوْمُهُ أَوْ ذهَابهُ: حَصَلَ لهُ مَا أَرَادَ مِنْ غيرِ حَرَكةٍ مِنْهُ فِي الظاهِر!
وَتَحْمِلهُ إلىَ مَكة َ وَتأْتِي بهِ، وَتأْتيْهِ بأَشْخَاص ٍ فِي صُوْرَةٍ جَمِيْلةٍ، وَتَقوْلُ لهُ: «هَذِهِ الملائِكة ُ الكرُوْبيُّوْنَ، أَرَادُوْا زِيارَتك َ»! فيَقوْلُ فِي نفسِهِ: «كيْفَ تَصَوَّرُوْا بصُوْرَةِ المرْدَان؟!» فيَرْفعُ رَأْسَهُ فيَجِدُهُمْ بلِحَى!
وَيَقوْلُ لهُ: «عَلامَة ُ أَنك َ أَنتَ المهْدِيُّ: أَنك َ تنبتُ فِي جَسَدِك َ شَامَة ٌ» فتنبتُ وَيرَاهَا! وَغيرُ ذلك. وَكلهُ مِنْ مَكرِ الشَّيْطان.
[ ٢٩٠ ]
وَهَذَا بابٌ وَاسِعٌ، لوْ ذكرْتُ مَا أَعْرِفهُ مِنْهُ لاحْتَاجَ إلىَ مُجَلدٍ كبير) (١).
* قالَ: (وَلقدْ أَخبرَ بَعْضُ الشُّيُوْخِ الذِينَ كانَ قدْ جَرَى لهمْ مِثْلُ هَذَا بصُوْرَةِ مُكاشَفةٍ وَمُخَاطبَةٍ فقالَ: «يُرُوْنني الجِنُّ شَيْئًا برّاقا مِثْلَ الماءِ وَالزُّجَاج»، وَيُمَثلوْنَ لهُ فِيْهِ مَا يطلبُ مِنْهُ الإخْبَارُ به!
قالَ: «فأُخبرُ النّاسَ بهِ! وَيُوْصِلوْنَ إليَّ كلامَ مَن ِ اسْتَغَاثَ بي مِنْ أَصْحَابي، فأُجيْبُهُ، فيُوْصِلوْنَ جَوَابي إليْه!
وَكانَ كثِيرٌ مِنَ الشُّيُوْخِ الذِيْنَ حَصَلَ لهمْ كثِيرٌ مِنْ هَذِهِ الخوَارِق ِ: إذا كذَّبَ بهَا مَنْ لمْ يَعْرِفهَا، وَقالَ: «إنكمْ تَفعَلوْنَ هَذَا بطرِيق ِ الحِيْلةِ، كمَا يُدْخَلُ النّارُ بحجَرِ الطلق ِ، وَقشُوْرِ النّارَنجِ، وَدِهْن ِ الضَّفادِعِ وَغيرِ ذلِك َ مِنَ الحِيَل ِ الطبيْعِيَّة». فيَعْجَبُ هَؤُلاءِ المشَايخُ، وَيَقوْلوْنَ: «نَحْنُ وَاللهِ لا نعْرِفُ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الحِيَل».
فلمّا ذكرَ لهمُ الخبيرُ: «إنكمْ لصَادِقوْنَ في ذلِك َ، وَلكِنْ هَذِهِ الأَحْوَالُ شَيْطانِيَّة»: أَقرُّوْا بذَلِك َ، وَتابَ مِنْهُمْ مَنْ تابَ الله ُ عَليْهِ، لمّا تبَيَّنَ لهمُ الحقُّ، وَتبَيَّنَ لهمْ مِنْ وُجُوْهٍ أَنهَا مِنَ الشيْطان.
وَرَأَوْا أَنهَا مِنَ الشَّيَاطِين ِ: لمّا رَأَوْا أَنها تَحْصُلُ بمِثْل ِالبدَعِ المذْمُوْمَةِ فِي الشَّرْعِ، وَعِنْدَ المعَاصِي لله. فلا تَحْصُلُ عِنْدَ مَا يُحِبُّهُ الله ُ
_________________
(١) - «الفرْقانُ، بَينَ أَوْلِيَاءِ الرَّحْمَن ِ وَأَوْلِيَاءِ الشَّيْطان» (ص٣٥١ - ٣٥٣).
[ ٢٩١ ]
وَرَسُوْلهُ ﷺ مِنَ العِبَادَاتِ الشَّرْعِيَّةِ، فعَلِمُوْا أَنهَا حِيْنَئِذٍ مِنْ مَخَارِق ِ الشَّيْطان ِ لأَوْلِيَائِهِ، لا مِنْ كرَامَاتِ الرَّحْمَن ِ لأَوْلِيَائِه) (١).
* وَقالَ: (وَمِثْلُ هَذَا وَاقِعٌ كثِيرًا فِي زَمَانِنَا وَغيرِه.
* وَأَعْرِفُ مِنْ ذلِك َ مَا يَطوْلُ وَصْفهُ، فِي قوْمٍ اسْتَغَاثوْا بي أَوْ بغيرِي، وَذكرُوْا أَنهُ أَتى شَخْصٌ عَلى صُوْرَتِي أَوْ صُوْرَةِ غيرِي! وَقضَى حَوَائِجَهُمْ! فظنُّوْا أَنَّ ذلِك َ مِنْ برَكةِ الاسْتِغَاثةِ بي أَوْ بغيرِي! وَإنمَا هُوَ شَيْطانٌ أَضَلهُمْ وَأَغوَاهُمْ.
وَهَذَا هُوَ أَصْلُ عِبَادَةِ الأَصْنَامِ، وَاتخاذِ الشُّرَكاءِ مَعَ اللهِ تَعَالىَ فِي الصَّدْرِ الأَوَّل ِ مِنَ القرُوْن ِ الماضِيَةِ، كمَا ثبَتَ ذلِك َ، فهَذَا أَشْرَك َ باِللهِ نعُوْذُ باِللهِ مِنْ ذلك) (٢).
* وَقالَ: (وَكثِيرٌ مِنْ هَؤُلاءِ يَطِيرُ فِي الهوَاءِ، وَتَكوْنُ الشَّيَاطِينُ قدْ حَمَلتْهُ، وَتَذْهَبُ بهِ إلىَ مَكة َ وَغيرِهَا. وَيَكوْنُ مَعَ ذلِك َ زِندِيقا يَجْحَدُ الصَّلاة َ وَغيرَهَا مِمّا فرَضَ الله ُ وَرَسُوْلهُ ﷺ، وَيَسْتَحِلُّ المحَارِمَ التي حَرَّمَهَا الله ُ وَرَسُوْلهُ ﷺ.
وَإنمَا يَقتَرِنُ بهِ أُوْلئِك َ الشَّيَاطِينُ لِمَا فِيْهِ مِنَ الكفرِ وَالفسُوْق ِ وَالعِصْيَان ِ، حَتَّى إذا آمَنَ باِللهِ وَرَسُوْلِهِ ﷺ، وَتابَ وَالتزَمَ
_________________
(١) - «الفرْقانُ، بَينَ أَوْلِيَاءِ الرَّحْمَن ِ وَأَوْلِيَاءِ الشَّيْطان» (ص٣٦٧ - ٣٦٩).
(٢) - «مَجْمُوْعُ الفتَاوَى» (١/ ٣٥٠).
[ ٢٩٢ ]
طاعَة َ اللهِ وَرَسُوْلِهِ ﷺ: فارَقتْهُ تِلك َ الشَّيَاطِينُ، وَذهَبَتْ تِلك َ الأَحْوَالُ الشَّيْطانِيَّة ُ مِنَ الإخْبَارَاتِ وَالتّأْثِيرَات.
وَأَنا أَعْرِفُ مِنْ هَؤُلاءِ عَدَدًا كثِيرًا، باِلشّامِ وَمِصْرَ وَالحِجَازِ وَاليَمَن.
وَأَمّا الجزِيرَة ُ (١)
وَالعِرَاقُ وَخُرَاسَانُ وَالرُّوْمُ: ففِيْهَا مِنْ هَذَا الجِنْس ِ أَكثرُ مِمّا باِلشّامِ وَغيرِهَا. وَبلادُ الكفارِ مِنَ المشْرِكِينَ وَأَهْل ِ الكِتَابِ أَعْظم) (٢).
_________________
(١) - صَدَقَ ﵀ ُ، فقدْ كانتِ الجزِيْرَة ُ - إنْ كانَ يَعْني جَزِيرَة َ العَرَبِ - عَامِرَة ً بتِلك َ الأَحْوَال ِ الشَّيْطانِيَّةِ، خَالِيَة ً مِنَ الكرَامَاتِ الرَّحْمَانِيَّةِ، تَعُجُّ بهَا البدَعُ وَالضَّلالاتُ وَالشِّرْكِيّاتُ، حَتَّى بَلغَ مِنْ سَفههمْ، وَضَيَاعِ دِينِهمْ، وَضَعْفِ حُلوْمِهمْ وَفسَادِ عُلوْمِهمْ: أَنْ كانوْا يَطلبُوْنَ قضَاءَ كثِيرٍ مِنْ حَوَائِجِهمْ مِنَ النَّخِيْل ِ وَالأَشْجَارِ وَالأَحْجَار! فلمّا أَرَادَ الله ُ بأَهْلِهَا خَيرًا - وَهِيَ مَعْقِلُ الإسْلامِ، وَمَأْرِزُ الإيْمَان ِ- أَخْرَجَ لها مِنْ أَبنائِهَا وَعُلمَائِهَا: الشَّيْخَ الإمَامَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الوَهّابِ ﵀ ُ، فدَعَى النّاسَ إلىَ مَا دَعَتْ إليْهِ رُسُلُ اللهِ عَليْهمْ صَلوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ: ﴿أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. وَقالَ لِقوْمِهِ مَا قالتْهُ الأَنبيَاءُ لأَقوَامِهَا مِنْ قبْلِهِ: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. وَبَقِيَ عَلى ذلِك َ سِنِينَ عَدَدًا، يَلقى فِي سَبيْلِهِ مَا لقِيَهُ أَسْلافهُ أَئِمَّة ُ الهدَى، حِينَ دَعَوْا إلىَ تَوْحِيْدِ اللهِ أَهْلَ الضَّلال ِ وَالرَّدَى. حَتَّى آزَرَهُ الله ُ وَأَيدَهُ باِلإمَامِ مُحَمَّدِ بْن ِ سُعُوْدٍ رَحِمَهُمَا الله ُ فرَفعَ سَيْفهُ عَلى مَنْ تَطاوَلَ حَيْفه. حَتَّى عَمَّ الإيْمَانُ أَرْكانَ البلادِ، وَقمِعَ بهِ أَهْلُ الشِّرْكِ وَالزَّيْغِ وَالفسَادِ وَالإفسَادِ، وَعَادَتْ لِلإسْلامِ جِدَّتهُ، وَعَادَ لِحِمَاهُ حُمَاتهُ وَمَنْعَتُه. فخلتِ الجزِيْرَة ُ مِمّا كانَ فِيْهَا مِنْ مَعَالِمِ الإشْرَاك، وَتَعَطلتِ الأَحْوَالُ الشَّيْطانِيَّة ُ مِمّا ذكرَهُ شَيْخُ الإسْلامِ هنا وَهُنَاك، فقرَّتْ بهِ أَعْينُ الموَحِّدِيْنَ، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾.
(٢) - «مَجْمُوْعُ الفتَاوَى» (١/ ٣٦٣).
[ ٢٩٣ ]
* وَقالَ ﵀ ُ أَيْضًا: (وَأَصْحَابُ الحلاّجِ لمّا قتِلَ كانَ يَأْتِيْهمْ مَنْ يَقوْلُ: «أَنا الحلاّجُ»! فيَرَوْنهُ فِي صُوْرَتِهِ عِيَانا!
* وَكذَلِك َ شَيْخٌ بمصْرَ يُقالُ لهُ: «الدُّسُوْقِيُّ» (١) بَعْدَ أَنْ مَاتَ: كانَ يَأْتِي أَصْحَابهُ مِنْ جهَتِهِ رَسَائِلُ وَكتبٌ مَكتُوْبة ٌ! وَأَرَانِي صَادِقٌ مِنْ أَصْحَابهِ الكِتَابَ الذِي أَرْسَلهُ، فرَأَيتهُ بخط ِّ الجِنِّ! وَقدْ رَأَيتُ خَط َّ الجِنِّ غيرَ مَرَّةٍ، وَفِيْهِ كلامٌ مِنْ كلامِ الجِنّ (٢).
وَذاك َ المعْتَقِدُ يَعْتَقِدُ أَنَّ الشَّيْخَ حَيٌّ! وَكانَ يَقوْلُ: «انتقلَ ثمَّ مَات»!
* وَكذَلِك َ شَيْخٌ آخَرُ كانَ باِلمشْرِق ِ، وَكانَ لهُ خَوَارِقُ مِنَ الجِنِّ، وَقِيْلَ: كانَ بَعْدَ هَذَا يَأْتِي خَوَاصَّ أَصْحَابهِ فِي صُوْرَتِهِ، فيَعْتَقِدُوْنَ أَنهُ هُو!
* وَهَكذَا الذِيْنَ كانوْا يَعْتَقِدُوْنَ بَقاءَ عَلِيٍّ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ، أَوْ بَقاءَ مُحَمَّدِ بْن ِ الحنفِيَّةِ: قدْ كانَ يَأْتِي إلىَ بَعْض ِ أَصْحَابهمْ جِنِّيٌّ فِي صُوْرَتِه!
* وَكذَا مُنْتَظرُ الرّافِضَةِ: قدْ يرَاهُ أَحَدُهُمْ أَحْيَانا، وَيَكوْنُ المرْئِيُّ جِنِّيًّا.
_________________
(١) - إبْرَاهِيْمُ بْنُ أَبي المجْدِ بْن ِ قرَيْش ٍ الدُّسُوْقِيّ المِصْرِيّ (٦٣٣هـ-٦٧٦هـ)، سَيَأْتِي بيانُ حَالِهِ بمشِيْئَةِ اللهِ فِي فصْل ٍ قادِم (ص٣٢٣ - ٣٢٦).
(٢) - ذكرَ جُمْلة ً مِنْ هَذِهِ الرَّسَائِل ِ الشَّيْطانِيَّةِ: الشَّعْرَانِيُّ فِي «طبقاتِهِ» فِي تَرْجَمَةِ الدُّسُوْقِيِّ (١/ ١٤٣ - ١٥٨)، غيْرَ أَنهُ زَعَمَ أَنهَا رَسَائِلُ كتبَهَا الدُّسُوْقِيُّ إلىَ أَصْحَابهِ بلغاتٍ مُخْتَلِفةٍ! وَزَعَمَ أَنَّ الدُّسُوْقِيَّ يَتَكلمُ باِلسِّرْيَانِيِّ! وَالعَجَمِيِّ! وَالعِبرَانِيِّ! وَالزِّنجِيِّ! وَسَائِرِ لغاتِ الطيرِ وَالوُحُوْش!
[ ٢٩٤ ]
فهَذَا بابٌ وَاسِعٌ وَاقِعٌ كثِيرًا، وَكلمَا كانَ القوْمُ أَجْهَلَ: كانَ عِنْدَهُمْ أَكثرَ، ففِي المشْرِكِينَ أَكثرُ مِمّا فِي النَّصَارَى، وَهُوَ فِي النَّصَارَى، كمَا هُوَ فِي الدّاخِلِينَ فِي الإسْلام) (١).
* وَقالَ ﵀ ُ: (حَتَّى أَني أَعْرِفُ مِنْ هَؤُلاءِ جَمَاعَاتٍ يَأْتوْنَ إلىَ الشَّيْخِ نفسِهِ الذِي اسْتَغاثوْا بهِ، وَقدْ رَأَوْهُ أَتاهُمْ فِي الهوَاءِ، فيَذْكرُوْنَ ذلِك َ لهُ، هَؤُلاءِ يَأْتوْنَ إلىَ هَذَا الشَّيْخِ، وَهَؤُلاءِ يَأْتوْنَ إلىَ هَذَا الشَّيْخِ، فتَارَة ً يَكوْنُ الشَّيْخُ نفسُهُ لمْ يَكنْ يَعْلمُ بتِلك َ القضِيَّة!
فإنْ كانَ يُحِبُّ الرّئاسَة َ: سَكتَ! وَأَوْهَمَ أَنهُ نفسَهُ أَتاهُمْ وَأَغاثهُمْ!
وَإنْ كانَ فيْهِ صِدْقٌ مَعَ جَهْل ٍ وَضَلال ٍ: قالَ: هَذَا مَلك ٌ صَوَّرَهُ الله ُ عَلى صُوْرَتِي!
وَجَعَلَ هَذَا مِنْ كرَامَاتِ الصّالحِينَ، وَجَعَلهُ عُمْدَة ً لِمَنْ يَسْتَغِيْثُ باِلصّالحِينَ وَيَتَّخِذُهُمْ أَرْبابا، وَأَنهُمْ إذا اسْتَغاثوْا بهمْ بَعَثَ الله ُ مَلائِكة ً عَلى صُوَرِهِمْ تُغِيْثُ المسْتغِيْثَ بهمْ.
* وَلهِذَا أَعْرِفُ غيرَ وَاحِدٍ مِنَ الشُّيُوْخِ الأَكابرِ، الذِيْنَ فِيْهمْ صِدْقٌ وَزُهْدٌ وَعِبَادَة ٌ، لمَّا ظنوْا هَذَا مِنْ كرَامَاتِ الصّالحِينَ: صَارَ أَحَدُهُمْ يُوْصِي مُرِيْدِيْهِ يَقوْلُ: «إذا كانتْ لأَحَدِكمْ حَاجَة ٌ: فليسْتَغِثْ
_________________
(١) - «مَجْمُوْعُ الفتَاوَى» (١٣/ ٩٤ - ٩٥).
[ ٢٩٥ ]
بي، وَليَسْتَنْجِدْنِي، وَليَسْتَوْصِني»! وَيَقوْلُ: «أَنا أَفعَلُ بَعْدَ مَوْتِي مَا كنْتُ أَفعَلُ فِي حَيَاتِي»!
وَهُوَ لا يَعْرِفُ أَنَّ تِلك َ شَيَاطِينُ تَصَوَّرَتْ عَلى صُوْرَتِهِ لِتضِلهُ، وَتُضِلَّ أَتباعَهُ، فتُحَسِّنُ لهمُ الإشْرَاك َ باِللهِ، وَدُعَاءَ غيرِ اللهِ، وَالاسْتِغاثة َ بغيرِ اللهِ، وَأَنهَا قدْ تُلقِي فِي قلبهِ: أَنا نفعَلُ بَعْدَ مَوْتِك َ بأَصْحَابك َ، مَا كنا نفعَلُ بهمْ فِي حَيَاتِك!
فيَظنُّ هَذَا مِنْ خِطابٍ إلهِيٍّ أُلقِيَ فِي قلبهِ: فيأْمُرُ أَصْحَابهُ بذَلِك.
* وَأَعْرِفُ مِنْ هَؤُلاءِ: مَنْ كانَ لهُ شَيَاطِينُ تَخْدِمُهُ فِي حَيَاتِهِ بأَنوَاعِ الخدَمِ، مِثْلُ خِطابِ أَصْحَابهِ المسْتغِيْثِينَ بهِ، وَإعانتِهمْ وَغيرِ ذلك.
فلمّا مَاتَ: صَارُوْا يَأْتوْنَ أَحَدَهُمْ فِي صُوْرَةِ الشَّيْخِ! وَيُشْعِرُوْنهُ أَنهُ لمْ يَمُتْ! وَيُرْسِلوْنَ إلىَ أَصْحَابهِ رَسَائِلَ بخِطاب!
* وَقدْ كانَ يَجْتَمِعُ بي بَعْضُ أَتبَاعِ هَذَا الشَّيْخِ، وَكانَ فِيْهِ زُهْدٌ وَعِبَادَة ٌ، وَكانَ يُحِبُّني وَيُحِبُّ هَذَا الشَّيْخَ، وَيَظنُّ أَنَّ هَذَا مِنَ الكرَامَاتِ! وَأَنَّ الشَّيْخَ لمْ يَمُتْ! وَذكرَ لِي الكلامَ الذِي أَرْسَلهُ إليْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ! فقرَأَهُ فإذا هُوَ كلامُ الشَّيَاطِينِ بعَيْنِه!
* وَقدْ ذكرَ لِي غيرُ وَاحِدٍ مِمَّنْ أَعْرِفهُمْ: أَنهُمُ اسْتَغاثوْا بي: فرَأَوْنِي فِي الهوَاءِ! وَقدْ أَتَيْتُهُمْ وَخَلصْتُهُمْ مِنْ تِلك َ الشَّدَائِدِ!
[ ٢٩٦ ]
مِثْلَ مَنْ أَحَاط َ بهِ النَّصَارَى الأَرْمَنُ لِيَأْخُذُوْه. وَآخَرُ قدْ أَحَاط َ بهِ العَدُوُّ وَمَعَهُ كتبٌ مُلطفاتٌ مِنْ مُنَاصِحِينَ، لوِ اطلعوْا عَلى مَا مَعَهُ لقتلوْهُ، وَنَحْو ذلك!
فذَكرْتُ لهمْ: أَني مَا دَرَيْتُ بمَا جَرَى أَصْلا ً! وَحَلفتُ لهمْ عَلى ذلِك َ حَتَّى لا يَظنُّوْا أَني كتَمْتُ ذلِك َ كمَا تُكتَمُ الكرَامَات.
وَأَنا قدْ عَلِمْتُ أَنَّ الذِي فعَلوْهُ ليْسَ بمَشْرُوْعٍ، بَلْ هُوَ شِرْك ٌ وَبدْعة.
ثمَّ تَبَيَّنَ لِي فِيْمَا بَعْدُ، وَبَيَّنْتُ لهمْ: أَنَّ هَذِهِ شَيَاطِينُ تَتَصَوَّرُ عَلى صُوْرَةِ المسْتَغاثِ به) (١).
* وَقالَ: (وَأَعْرِفُ عَدَدًا كثِيرًا وَقعَ لهمْ فِي عِدَّةِ أَشْخاص ٍ، يَقوْلُ لِي كلٌّ مِنَ الأَشْخاص ِ: «إني لمْ أَعْرِفْ أَنَّ هَذَا اسْتَغاثَ بي!» وَالمسْتغِيْثُ قدْ رَأَى ذلِك َ الذِي هُوَ عَلى صُوْرَةِ هَذَا! وَمَا اعْتقدَ أَنهُ إلا َّ هَذَا!
* وَذكرَ لِي غيرُ وَاحِدٍ: أَنهُمُ اسْتَغاثوْا بي - كلٌّ يَذْكرُ قِصَّة ً غيرَ قِصَّةِ صَاحِبهِ - فأَخْبَرْتُ كلا ًّ مِنْهُمْ: أَني لمْ أُجِبْ أَحَدًا مِنْهُمْ، وَلا عَلِمْتُ باِسْتِغاثتِه!
فقِيْلَ: هَذَا يَكوْنُ مَلكا؟
_________________
(١) - «مَجْمُوْعُ الفتَاوَى» (١٧/ ٤٥٨).
[ ٢٩٧ ]
فقلتُ: الملك ُ لا يُغِيْثُ المشْرِك َ، إنمَا هُوَ شَيْطانٌ أَرَادَ أَنْ يُضِله) (١).
* وَقالَ: (وَنَحْنُ نَعْرِفُ كثِيرًا مِنْ هَؤُلاءِ، فِي زَمَانِنَا وَغيرِ زَمَانِنَا: مِثْلَ شَخْص ٍ هُوَ الآنَ بدِمْشَقَ، كانَ الشَّيْطانُ يَحْمِلهُ مِنْ جَبَل ِ الصّالحِيَّةِ إلىَ قرْيةٍ حَوْلَ دِمَشْقَ! فيَجِيءُ مِنَ الهوَاءِ إلىَ طاقةِ البَيْتِ الذِي فِيْهِ النّاسُ! فيَدْخُلُ وَهُمْ يرَوْنه!
* وَيَجِيءُ باِلليْل ِ إلىَ بَابِ الصَّغِيرِ، فيَعْبُرُ مِنْهُ هُوَ وَرِفقتُهُ وَهُوَ مِنْ أَفجَرِ النّاس.
* وَآخَرُ كانَ ب «الشُّوَيْكِ» فِي قرْيةٍ يُقالُ لها «الشّاهِدَة»، يَطِيرُ فِي الهوَاءِ إلىَ رَأْس ِ الجبل ِ! وَالنّاسُ يرَوْنهُ، وَكانَ شَيْطانٌ يَحْمِلهُ، وَكانَ يَقطعُ الطرِيْق) (٢).
* قالَ: (وَشَيْخٌ آخَرُ أَخبرَ عَنْ نفسِهِ: أَنهُ كانَ يَزْنِي باِلنِّسَاءِ، وَيَتَلوَّط ُ باِلصِّبيَان ِ الذِيْنَ يُقالُ لهمْ «الحوّارَات». وَكانَ يَقوْلُ: «يَأْتِيْني كلبٌ أَسْوَدُ، بَينَ عَيْنَيْهِ نُكتتَان ِ بَيْضَاوَان ِ، فيَقوْلُ لِي: فلانٌ! إنَّ فلانا نذَرَ لك َ نذْرًا، وَغدًا يَأْتِيْك َ بهِ، وَأَنا قضَيْتُ حَاجتهُ لأَجْلِك».
فيُصْبحُ ذلِك َ الشَّخْصُ يَأْتِيْهِ بذَلِك َ النذْرِ! وَيُكاشِفهُ هَذَا الشَّيْخُ الكافِر.
_________________
(١) - «مَجْمُوْعُ الفتَاوَى» (١٩/ ٤٧ - ٤٨).
(٢) - «مَجْمُوْعُ الفتَاوَى» (٣٥/ ١١٢).
[ ٢٩٨ ]
قالَ: «وَكنْتُ إذا طلِبَ مِنِّي تَغْييرُ مِثْل ِ اللاذَن ِ أَقوْلُ حَتَّى أَغيْبَ عَنْ عَقلِي، وَإذْ باِللاذَن ِ فِي يَدِي، أَوْ فِي فمِي، وَأَنا لا أَدْرِي مَنْ وَضَعَه»!
قالَ: «وَكنْتُ أَمْشِي وَبَينَ يدَيَّ عَمُوْدٌ أَسْوَدُ عَليْهِ نوْر»!
فلمّا تابَ هَذَا الشَّيْخُ، وَصَارَ يُصَلي، وَيَصُوْمُ، وَيَجْتنِبُ المحارِمَ: ذهَبَ الكلبُ الأَسْوَدُ! وَذهَبَ التَّغْييرُ! فلا يُؤْتى بلاذَن ٍ، وَلا غيرِه.
* وَشَيْخٌ آخَرُ كانَ لهُ شَيَاطِينُ يُرْسِلهُمْ يَصْرَعُوْنَ بَعْضَ النّاس ِ، فيَأْتِي أَهْلُ ذلِك َ المصْرُوْعِ إلىَ الشَّيْخِ يَطلبوْنَ مِنْهُ إبرَاءَهُ، فيُرْسِلُ إلىَ أَتباعِهِ: فيفارِقوْنَ ذلِك َ المصْرُوْعَ، وَيُعْطوْنَ ذلِك َ الشَّيْخَ دَرَاهِمَ كثِيرَة!
وَكانَ أَحْيَانا تأْتيْهِ الجِنُّ بدَرَاهِمَ وَطعَامٍ تَسْرِقهُ مِنَ النّاس.
حَتَّى أَنَّ بَعْضَ النّاس ِ كانَ لهُ تينٌ فِي كوّارَةٍ، فيَطلبُ الشَّيْخُ مِنْ شَيَاطِيْنِهِ تِيْنًا، فيُحْضِرُوْنهُ لهُ، فيَطلبُ أَصْحَابُ الكوّارَةِ التِّينَ، فوَجَدُوْهُ قدْ ذهَبَ!
* وَآخَرُ كانَ مُشْتَغِلا ً باِلعِلمِ وَالقِرَاءَةِ: فجَاءَتهُ الشَّيَاطِينُ أَغرَتهُ وَقالوْا لهُ: «نَحْنُ نُسْقِط ُ عَنْك َ الصَّلاة َ، وَنُحْضِرُ لك َ مَا ترِيد»!
فكانوْا يَأْتوْنهُ باِلحلوَى وَالفاكِهَةِ، حَتَّى حَضَرَ عِنْدَ بَعْض ِ الشُّيُوْخِ العَارِفِينَ باِلسُّنَّةِ: فاسْتتَابَهُ، وَأَعْطى أَهْلَ الحلاوَةِ ثمَنَ حَلاوَتِهمُ التي أَكلهَا ذلِك َ المفتوْنُ باِلشَّيْطان.
[ ٢٩٩ ]
فكلُّ مَنْ خَرَجَ عَن ِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكانَ لهُ حَالٌ: مِنْ مُكاشَفةٍ، أَوْ تَأْثِيرٍ، فإنهُ صَاحِبُ حَال ٍ نفسَانِيٍّ، أَوْ شَيْطانِيّ.
وَإنْ لمْ يَكنْ لهُ حَالٌ، بَلْ هُوَ يَتَشَبَّهُ بأَصْحَابِ الأَحْوَال ِ: فهُوَ صَاحِبُ حَال ٍ بُهْتَانِيّ.
وَعَامَّة ُ أَصْحَابِ الأَحْوَال ِ الشَّيْطانِيَّةِ: يَجْمَعُوْنَ بَينَ الحال ِ الشَّيْطانِيِّ، وَالحال ِ البُهْتَانِيِّ، كمَا قالَ تَعَالىَ: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾) (١).
* وَقالَ: (وَلهِذَا مَن ِ اعْتَمَدَ عَلى مُكاشَفتِهِ التي هِيَ مِنْ أَخْبَارِ الجِنِّ: كانَ كذِبهُ أَكثرَ مِنْ صِدْقِه.
* كشَيْخٍ كانَ يُقالُ لهُ: «الشيّاحُ» - توَّبْنَاهُ وَجَدَّدْنا إسْلامَهُ - كانَ لهُ قرِيْنٌ مِنَ الجِنِّ يُقالُ لهُ: «عَنْتَرُ»، يُخْبرُه ُبأَشْيَاءَ، فيَصْدُقُ تارَة ً، وَيَكذِبُ تارَة.
فلمّا ذكرْتُ لهُ: أَنك َ تَعْبُدُ شَيْطانا مِنْ دُوْن ِ اللهِ: اعْتَرَفَ بأَنهُ يَقوْلُ لهُ: «يَا عَنْتَرُ لا سُبْحَانك َ! إنك َ إلهٌ قذِر» وَتابَ مِنْ ذلِك َ فِي قِصَّةٍ مَشْهُوْرَة.
* وَقدْ قتَلَ سَيْفُ الشَّرْعِ مَنْ قتَلَ مِنْ هَؤُلاءِ: مِثْلَ الشَّخْص ِ الذِي قتلناهُ سَنَة َ خَمْسَ عَشْرَة َ (٧١٥هـ)، وَكانَ لهُ قرِينٌ يأْتِيْهِ
_________________
(١) - «مَجْمُوْعُ الفتَاوَى» (٣٥/ ١١٣ - ١١٤).
[ ٣٠٠ ]
وَيُكاشِفهُ، فيَصْدُقُ تارَة ً، وَيَكذِبُ تارَة.
وَقدِ انقادَ لهُ طائِفة ٌ مِنَ المنْسُوْبينَ إلىَ أَهْل ِ العِلمِ وَالرّئاسَةِ: فيُكاشِفهُمْ حَتَّى كشفهُ الله ُ لهمْ.
وَذلِك َ أَنَّ القرِيْنَ كانَ تارَة ً يَقوْلُ لهُ: «أَنا رَسُوْلُ اللهِ ﷺ»، وَيَذْكرُ أَشْيَاءَ تنَافِي حَالَ الرَّسُوْل ِ ﷺ، فشُهدَ عَليْهِ أَنهُ قالَ: «إنَّ الرَّسُوْلَ ﷺ يَأْتِيْني، وَيَقوْلُ لِي: كذَا وَكذَا»! مِنَ الأُمُوْرِ التي يَكفرُ مَنْ أَضَافهَا إلىَ الرَّسُوْل ِ ﷺ.
فذَكرْتُ لِوُلاةِ الأُمُوْرِ: أَنَّ هَذَا مِنْ جِنْس ِ الكهّان ِ، وَأَنَّ الذِي يرَاهُ شَيْطانا، وَلهِذَا لا يَأْتِيْهِ فِي الصُّوْرَةِ المعْرُوْفةِ لِلنَّبيِّ ﷺ! بَلْ يَأْتِيْهِ فِي صُوْرَةٍ مُنْكرَةٍ! وَيَذْكرُ عَنْهُ أَنهُ يَخْضَعُ لهُ! وَيُبيْحُ لهُ أَنْ يَتَنَاوَلَ المسْكِرَ! وَأُمُوْرًا أُخْرَى.
وَكانَ كثِيرٌ مِنَ النّاس ِ يَظنُّوْنَ أَنهُ كاذِبٌ فِيْمَا يخْبرُ بهِ مِنَ الرُّؤْيةِ، وَلمْ يَكنْ كاذِبًا فِي أَنهُ رَأَى تِلك َ الصُّوْرَة َ، لكِنْ كانَ كافِرًا فِي اعْتِقادِهِ أَنَّ ذلِك َ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ، وَمِثْلُ هَذَا كثِير.
وَلهِذَا يَحْصُلُ لهمْ تَنَزُّلاتٌ شَيْطانِيَّة ٌ، بحسَبِ مَا فعَلوْهُ مِنْ مُرَادِ الشَّيْطان. فكلمَا بَعُدُوْا عَن ِ اللهِ وَرَسُوْلِهِ ﷺ وَطرِيْق ِ المؤْمِنِينَ: قرُبوْا مِنَ الشَّيْطان ِ، فيَطِيرُوْنَ فِي الهوَاءِ! وَالشَّيْطانُ طارَ بهمْ.
* وَمِنْهُمْ: مَنْ يَصْرَعُ الحاضِرِيْنَ، وَشَيَاطِيْنُهُ صَرَعَتْهُمْ.
[ ٣٠١ ]
* وَمِنْهُمْ: مَنْ يُحْضِرُ طعَامًا وَإدَامًا، وَمَلأَ الإبْرِيْقَ مَاءً مِنَ الهوَاءِ! وَالشَّيَاطِينُ فعَلتْ ذلك.
فيَحْسَبُ الجاهِلوْنَ أَنَّ هَذِهِ كرَامَاتُ أَوْلِيَاءِ اللهِ المتقِينَ! وَإنمَا هِيَ مِنْ جِنْس ِ أَحْوَال ِ السَّحَرَةِ وَالكهَنةِ وَأَمْثالهِمْ.
وَمَنْ لمْ يُمَيِّزْ بَينَ الأَحْوَال ِ الرَّحْمَانِيَّةِ وَالنَّفسَانِيَّةِ: اشْتبَهَ عَليْهِ الحقُّ باِلباطِل.
وَمَنْ لمْ يُنَوِّرِ الله ُ قلبهُ بحقائِق ِ الإيْمَان ِ، وَاتباعِ القرْآن ِ: لمْ يَعْرِفْ طرِيْقَ المحِقِّ مِنَ المبْطِل ِ، وَالتبَسَ عَليْهِ الأَمْرُ وَالحالُ، كمَا التبَسَ عَلى النّاس ِ حَالُ مُسَيْلِمَة َ صَاحِبِ اليَمَامَةِ، وَغيرِهِ مِنَ الكذّابينَ فِي زَعْمِهمْ أَنهُمْ أَنبيَاء! وَإنمَا هُمْ كذّابوْنَ، وَقدْ قالَ ﷺ: «لا تَقوْمُ السّاعَة ُ حَتَّى يَكوْنَ فِيْكمْ ثلاثوْنَ دَجّالوْنَ كذّابوْنَ، كلهُمْ يَزْعُمُ أَنهُ رَسُوْلُ الله» (١» (٢) اه.
_________________
(١) - رَوَاهُ الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِهِ» (٢/ ٤٥٧) وَأَبوْ دَاوُوْدَ في «سُننِهِ» (٤٣٣٣) مِنْ حَدِيْثِ العَلاءِ بن ِ عَبْدِ الرَّحْمَن ِ عَنْ أَبيْهِ عَنْ أَبي هُرَيرَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ، وَإسْنَادُهُ صَحِيْحٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِم.
(٢) - «مَجْمُوْعُ الفتَاوَى» (٣٥/ ١١٦ - ١١٨).
[ ٣٠٢ ]