أَمّا زَعْمُ المعْتَرِض ِ: أَنَّ هَذَا مَذْهَبُ أَكثرِ الفقهَاءِ وَعُلمَاءِ الحدِيْثِ، كالبُخارِيِّ وَالنَّسَائِيِّ وَغيْرِهِمَا: فإنْ كانَ مَقصِدُهُ بمَذْهَبهمُ: القوْلَ بنَسْخِ حَدِيْثِ «الأَرْضُ كلهَا مَسْجِدٌ إلا َّ المقبرَة َ وَالحمّامَ»: فكذِبٌ.
وَإنْ كانَ مَقصِدُهُ بمذْهَبهمُ: القوْلَ بجوَازِ الصَّلاةِ المطلقةِ فِي المقابرِ عامة ً: فكذِبٌ مِثلهُ، وَالصَّوَابُ خلافه.
قالَ الحافِظ ُ ابْنُ حَجَرٍ فِي «الفتْحِ» فِي شَرْحِ حَدِيْثِ ابْن ِ عُمَرَ مَرْفوْعًا: «اِجْعَلوْا فِي بُيوْتِكمْ مِنْ صَلاتِكمْ، وَلا تتخِذُوْهَا قبوْرًا» [خ (٤٣٢)]: (وَقدْ نقلَ ابنُ المنذِرِ عَنْ أَكثرِ أَهْل ِالعِلمِ: أَنهُمُ اسْتَدَلوْا بهَذَا الحدِيْثِ عَلى أَنَّ المقبَرَة َ، ليْسَتْ بمَوْضِعٍ لِلصَّلاةِ، وَكذَا قالَ البَغوِيُّ فِي «شَرْحِ السُّنَّةِ» وَالخطابيّ) اه كلامُه.
وَليْسَ مَا زَعَمَهُ المعترِضُ مَذْهبًا للبُخارِيِّ وَلا النَّسَائِيِّ رَحِمَهُمَا الله ُ. بلْ قدْ صَرَّحَ البُخارِيُّ فِي «صَحِيْحِهِ» بتَحْرِيْمِهِ لا القوْل ِ بهِ، وَبوَّبَ عَلى ذلِك َ بابيْن ِ:
[ ١٧٧ ]
أَوَّلهمَا: فِي «كِتابِ الصَّلاةِ»: «بابُ كرَاهِيَةِ الصَّلاةِ فِي المقابر».
وَالآخرُ: فِي «كِتَابِ الجنائِزِ»: «بابُ مَا يُكرَهُ مِنَ اتخاذِ المسَاجدِ عَلى القبوْر».
وَمُرَادُهُ ﵀ ُ باِلكرَاهِيَةِ هُنَا: التَّحْرِيْمُ، وَيدُلُّ عَليْهِ قوْلهُ: «بَابُ مَا يُكرَهُ مِنَ اتخاذِ المسَاجِدِ عَلى القبوْر».
وَاتخاذُ المسَاجِدِ عَلى القبوْرِ مُحَرَّمٌ باِلإجْمَاعِ كمَا تقدَّمَ - وَهُوَ مُحَرَّمٌ عِنْدَ المعْتَرِض ِكذَلِك َ- فلا يَصِحُّ أَنْ تُحْمَلَ الكرَاهَة ُ هُنَا عَلى شَيْءٍ غيْرِه.
وَسَيَأْتِي في الفصْل ِ القادِمِ بيانُ مُرَادِ الأَئِمَّةِ بلفظِ «الكرَاهَةِ»، وَأَنهُمْ يعْنُوْنَ بهَا التَّحْرِيْمَ تارَة ً، وَالتَّنْزِيهَ أُخْرَى.
[ ١٧٨ ]