فصل في زَعْمِ جَمَاعَةٍ مِنَ القبوْرِيِّينَ: أَنْ لا عَوْدَة َ لِلشِّرْكِ في جَزِيْرَةِ العَرَبِ، وَلا حَاجَة َ لِسَدِّ ذرَائِعِهِ وَوَسَائِلِهِ، وَأَنَّ قوْلَ النَّبيِّ ﷺ «لا يَجْتَمِعُ دِيْنان ِ في جَزِيْرَةِ العَرَبِ»، وَقوْلهُ ﷺ «إنَّ الشَّيْطانَ قدْ أَيسَ أَنْ يَعْبُدَهُ المصَلوْنَ في جَزِيْرَةِ العَرَبِ»: دَلِيْلان ِ عَلى صِحَّةِ أَعْمَالهِمُ الشِّرْكِيَّةِ المنافِيَةِ لِلإيْمَان ِ، وَبيان ِ فسَادِ اسْتِدْلالهِمْ وَنقضِهِ، وإخْبَارِ النَّبيِّ ﷺ بعَوْدَةِ الشِّرْكِ إلىَ جَزِيْرَةِ العَرَبِ بَعْدَ انتِشَارِ الإسْلامِ، وَإكمَال ِ الرِّسَالةِ، لِتَفرِيْطِ النّاس ِ في سَدِّ ذرَائِعِ الشِّرْكِ، وَمَنْعِ أَسْبَابه
قدْ زَعَمَ جَمَاعَة ٌمِنْ سَدَنةِ القبوْرِ، وَدُعَاةِ الضَّلالةِ إلىَ دَارِ الثبوْرِ: أَنَّ قوْلَ النَّبيِّ ﷺ «إنَّ الشَّيْطانَ قدْ أَيسَ أَنْ يَعْبُدَهُ المصَلوْنَ في جَزِيْرَةِ العَرَبِ، وَلكِنْ في التَّحْرِيْش ِ بَيْنَهُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ في «صَحِيْحِهِ» (٢٨١٢) مِنْ حَدِيْثِ جَابرِ بْن ِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ الله ُ عَنْه.
وَزَعَمُوْا كذَلِك َ: أَنَّ قوْلهُ ﷺ: «لا يَجْتَمِعُ في جَزِيْرَةِ العَرَبِ دِيْنَان ِ» رَوَاهُ الفاكِهيُّ في «أَخْبَارِ مَكة َ» (٣/ ٤٤) (١٧٦٢) وَالبَيْهَقِيُّ في «سُننِهِ الكبْرَى» (٦/ ١١٥) مِنْ حَدِيْثِ ابْن ِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيْدِ بْن ِ المسَيِّبِ عَنْ أَبي هُرَيْرَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْه (١).
_________________
(١) - وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزّاق ِ في «مُصَنَّفِهِ» (٦/ ٥٣) (٩٩٨٤) مُرْسَلا ً، مِنْ حَدِيْثِ سَعِيْدِ بْن ِ المسَيِّب. وَرَوَاهُ مَالِك ٌ في «الموَطإ» (١٦٥١) عَن ِ ابْن ِ شِهَابٍ مُرْسَلا ً. وَهَذَان ِ المرْسَلان ِ مَوْصُوْلان ِ حَقِيْقة ً، مِنْ حَدِيْثِ أَبي هُرَيْرَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ، وَقدْ تقدَّم.
[ ١٩٩ ]
فزَعَمُوْا أَنهُمَا: إخْبَارَان ِ مِنَ النَّبيِّ ﷺ وَبشارَاتان ِ عَلى خُلوِّ جَزِيْرَةِ العَرَبِ مِنْ دِيْن ٍ ثان ٍ يَكوْنُ فِيْهَا! وَإخْبَارَان ِ كذَلِك َ بسَلامَتِهَا مِنَ الشِّرْكِ وَالكفر!
قالوْا: فدَلَّ ذلِك َ عَلى أَنَّ مَا يَفعَلوْنهُ عِنْدَ القبوْرِ وَالأَضْرِحَةِ وَالمشَاهِدِ، مِنْ دُعَاءٍ وَاسْتِغاثةٍ وَذبْحٍ وَغيْرِهِ: ليْسَ بشِرْكٍ وَلا كفرٍ، وَإلا َّ لكانتْ تِلك َ الأَفعَالُ مُخالِفة ً لخبرِ النَّبيِّ ﷺ وَبشارَتِه!
وَجَوَابُ هَذِهِ الإيْرَادَاتِ البَارِدَاتِ السّاقِطاتِ، مِنْ وُجُوْهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا تَحْرِيْفٌ لِلكلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَصَرْفٌ لهُ عَنْ حَقيْقتِه.
وَمُرَادُ النَّبيِّ ﷺ مِنْ قوْلِهِ «لا يَجْتَمِعُ في جَزِيْرَةِ العَرَبِ دِيْنَان» - كمَا هُوَ عِنْدَ أَهْل ِ العِلمِ الرَّبانِييْنَ، لا عُبّادِ القبوْرِ مِنَ المشْرِكِيْنَ -: أَمْرٌ بوُجُوْبِ خُلوِّ الجزِيْرَةِ مِنْ دِيْن ٍ ثان ٍ غيْرَ الإسْلامِ، لا خبرٌ وَبشارَة ٌ بخلوِّهَا!
وَقدْ دَلَّ عَلى هَذَا المعْنَى أَحَادِيْثُ كثِيْرَة ٌ، مِنْهَا:
* حَدِيْثُ عَائِشَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْهَا قالتْ: (كانَ آخِرُ مَا عَهدَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ أَنْ قالَ: «لا يُتْرَك ُ بجَزِيْرَةِ العَرَبِ دِيْنَان» رَوَاهُ الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِه» (٦/ ٢٧٥).
وَهَذَا مَا فهمَهُ الصَّحَابة ُ وَأَئِمَّة ُ الإسْلامِ: فرَوَى ابْنُ زَنْجُوْيه في «الأَمْوَال ِ» (١/ ٢٧٦) (٤١٧) قالَ: (أَخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبيْدٍ حَدَّثنَا عُبَيْدُ اللهِ
[ ٢٠٠ ]
بْنُ عُمَرَ عَنْ نافِعٍ عَن ِ ابْن ِ عُمَرَ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا: أَنَّ عُمَرَ أَخْرَجَ اليَهُوْدَ وَالنَّصَارَى وَالمجُوْسَ مِنَ المدِيْنةِ، وَضَرَبَ لِمَنْ قدِمَهَا مِنْهُمْ أَجَلا ً، إقامَة َ ثلاثِ ليَال ٍ، قدْرَ مَا يَبيْعُوْنَ سِلعَهُمْ، وَلمْ يَكنْ يَدَعُ أَحَدًا مِنْهُمْ يُقِيْمُ بَعْدَ ثلاثِ ليَال ٍ، وَكانَ يَقوْلُ: «لا يَجْتَمِعُ دِيْنَان ِ في جَزِيْرَةِ العَرَب»).
وَرَوَاهُ:
- القاسِمُ بْنُ سَلامٍ في «الأَمْوَال» (١/ ١٨٠) (٢٧٢) أَيْضًا: أَخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبيْدٍ بهِ،
- وَابْنُ أبي شَيْبَة َ في «مُصَنَّفِهِ» (١٢/ ٣٤٥) في «كِتَابِ الجهَادِ»، «مَنْ قالَ لا يَجْتَمِعُ اليَهُوْدُ وَالنَّصَارَى مَعَ المسْلِمِيْنَ في مِصْرٍ»: حَدَّثنَا عَبْدَة ُ بنُ سُليْمَانَ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بنَحْوِه.
وَرَوَى عَبْدُ الرَّزّاق ِ في «مُصَنَّفِهِ» (٤/ ١٢٥ - ١٢٦) (٧٢٠٨) (٦/ ٥٦) (٩٩٩٠) في «كِتَابِ أَهْل ِ الكِتَابِ»، «إجْلاءُ اليَهُوْدِ مِنَ المدِيْنَةِ» قالَ: (أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَن ِ الزُّهْرِيِّ عَن ِ ابْن ِ المسَيِّبِ: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ دَفعَ خَيْبَرَ إلىَ اليَهُوْدِ عَلى أَنْ يَعْمَلوْا فِيْهَا، وَلهمْ شَطرُ ثمَرِهَا.
فمَضَى عَلى ذلِك َ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ، وَأَبوْ بَكرٍ، وَصَدْرًا مِنْ خِلافةِ عُمَرَ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا.
ثمَّ أُخْبرَ عُمَرُ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ- في وَجَعِهِ الذِي مَاتَ مِنْهُ -: «لا يَجْتَمِعُ بأَرْض ِ العَرَبِ دِيْنَان ِ» أَوْ قالَ «بأَرْض ِ الحِجَازِ دِيْنَان ِ»:
[ ٢٠١ ]
ففحَّصَ عَنْ ذلِك َ حَتَّى وَجَدَ عَليْهِ الثبْت. ثمَّ دَعَاهُمْ فقالَ: «مَنْ عِنْدَهُ عَهْدٌ مِنْ رَسُوْل ِاللهِ ﷺ فليأْتِ بهِ، وَإلا َّ فإني مُجْلِيْكمْ». قالَ ابْنُ المسَيِّبِ: فأجْلاهُمْ عُمَر).
وَرَوَى مَالِك ٌ في «الموَطإ» (١٦٥١): عَن ِ ابْن ِ شِهَابٍ: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قالَ: «لا يَجْتَمِعُ دِيْنَان ِ في جَزِيْرَةِ العَرَب».
قالَ ابْنُ شِهَابٍ: ففحَّصَ عَنْ ذلِك َ عُمَرُ بْنُ الخطابِ حَتَّى أَتاهُ الثلجُ وَاليقِيْنُ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قالَ: «لا يَجْتَمِعُ دِيْنَان ِ في جَزِيْرَةِ العَرَبِ»، فأَجْلى يَهُوْدَ خيْبَر.
قالَ أَبو الوَلِيْدِ الباجِيُّ (ت٤٩٤هـ) في «المنْتَقى في شَرْحِ الموَطإ» بَعْدَهُ (٧/ ١٩٥): (وَقوْلهُ ﷺ «لا يبْقينَّ دِيْنَان ِ بأَرْض ِ العَرَبِ»: يُرِيْدُ - وَالله ُ أَعْلمُ - لا يبْقى فِيْهَا غيْرُ دِيْن ِ الإسْلامِ، وَأَنْ يُخْرَجَ مِنْهَا كلُّ مَنْ يتدَينُ بغيْرِ دِيْن ِ الإسْلام.
قالَ مَالِك ٌ: «يُخْرَجُ مِنْ هَذِهِ البلدَان ِ كلُّ يَهُوْدِيٍّ أَوْ نصْرَانِيٍّ أَوْ ذِمِّيٍّ كانَ عَلى غيْرِ مِلةِ الإسْلام»).
ثمَّ قالَ الباجِيُّ (٧/ ١٩٦): (وَقوْلُ ابْن ِ شِهَابٍ «ففحَّصَ عُمَرُ بنُ الخطابِ عَنْ ذلِك»: قالَ مَالِك ٌ: «مَعْنَاهُ: كشَفَ عَنْ هَذَا القوْل ِ، هَلْ يَصِحُّ عَن ِ النَّبيِّ ﷺ».
قالَ: «حِيْنَ جَاءَهُ الثلجُ» قالَ: «مَعْنَاهُ اليَقِيْنُ الذِي لا شَك َّ فِيْهِ، يُرِيْدُ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ ذلِك» فأَجْلى عُمَرُ بْنُ الخطابِ يهُوْدَ خَيْبَر) اه.
[ ٢٠٢ ]
وَهَذَا المعْنَى - أَي وُجُوْبَ إخْرَاجِ المشْرِكِيْنَ وَأَهْل ِ الكِتَابِ مِنْ جَزِيْرَةِ العَرَبِ، وَعَدَمَ إبقاءِ دِيْن ٍ في الجزِيْرَةِ يُتَعبَّدُ بهِ غيْرَ الإسْلامِ - قدْ جَاءَ في غيْرِ حَدِيْثٍ، مِنْ ذلِك َ:
* قوْلهُ ﷺ: «أَخْرِجُوْا المشْرِكِيْنَ مِنْ جَزِيْرَةِ العَرَبِ» رَوَاهُ الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِهِ» (١/ ٢٢٢) وَالبُخارِيُّ في «صَحِيْحِهِ» (٣٠٥٣)، (٣١٦٨)، (٤٤٣١) وَمُسْلِمٌ في «صَحِيْحِهِ» (١٦٣٧) وَأَبوْ دَاوُوْدَ في «سُننِهِ» (٣٠٢٩) مِنْ حَدِيْثِ ابْن ِ عَبّاس ٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا في حَدِيْثٍ فِيْهِ طوْل.
* وَقوْلهُ ﷺ: «لأُخْرِجَنَّ اليَهُوْدَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيْرَةِ العَرَبِ، حَتَّى لا أَدَعَ إلاّ مُسْلِمًا» رَوَاهُ الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِهِ» (١/ ٢٩) (٣/ ٣٤٥) وَمُسْلِمٌ في «صَحِيْحِهِ» (١٧٦٧) وَالتِّرْمِذِيُّ (١٦٠٧) وَأَبوْ دَاوُوْدَ (٣٠٣٠) مِنْ حَدِيْثِ جَابرِ بْن ِ عَبْدِ اللهِ عَنْ عُمَرِ بْن ِ الخطابِ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا.
وَفي رِوَايةٍ لأَحْمَدَ في «مُسْنَدِهِ» (١/ ٣٢) وَالتِّرْمِذِيِّ (١٦٠٦): «لئِنْ عِشْتُ لأُخْرِجَنَّ اليَهُوْدَ وَالنَّصَارَى » الحدِيْث.
الوَجْهُ الثانِي: أَنَّ تأْوِيْلَ القبوْرِيِّيْنَ ذلِك َ، مُخالِفٌ لِمَا ثبتَ عَن ِ النَّبيِّ ﷺ مِنْ عَوْدَةِ الشِّرْكِ إلىَ جَزِيْرَةِ العَرَبِ في أَمَاكِنَ مِنْهَا، وَحُدُوْثِهِ في أَحْيَاءٍ مِنْهُمْ، وَمِنْ ذلِك َ:
* قوْلهُ ﷺ: «لا تقوْمُ السّاعَة ُ حَتَّى تلحَقَ قبائِلُ مِنْ أُمَّتِي باِلمشْرِكِيْنَ، وَحَتَّى يَعْبُدُوْا الأَوْثانَ، وَإنهُ سَيَكوْنُ في أُمَّتِي ثلاثوْنَ كذّابوْنَ، كلهُمْ يَزْعُمُ أَنهُ نبيٌّ، وَأَنا خَاتمُ النَّبيِّيْنَ لا نبيَّ بَعْدِي».
[ ٢٠٣ ]
وَهُوَ حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ، رَوَاهُ:
- أَبوْ دَاوُوْدَ الطيالِسِيُّ في «مُسْنَدِهِ» (ص١٣٣) (٩٩١): حَدَّثنَا حَمّادُ بْنُ زَيدٍ عَنْ أَيوْبَ عَنْ أَبي قلابة َ عَنْ أَبي أَسْمَاءٍ الرَّحَبيِّ عَنْ ثوْبانَ رَضِيَ الله ُ عَنْه.
- وَالتِّرْمِذِيُّ في «جَامِعِهِ» (٢٢١٩): حَدَّثنا قتيْبَة ُحَدَّثنَا حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ بهِ، وَقالَ: (هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ صَحِيْح).
- وَأَبوْ دَاوُوْدَ في «سُننِه» (٤٢٥٢)،
- وَابْنُ أَبي عَاصِمٍ في «الآحَادِ وَالمثانِي» (١/ ٣٣٢) (٤٥٦) وَ«الدِّياتِ» (ص٤٨)،
- وَأَبوْ بَكرٍ البَرْقانِيُّ في «صَحِيْحِهِ»،
- وَالحاكِمُ في «مُسْتَدْرَكِه» (٤/ ٤٤٨ - ٤٤٩).
وَهَذَا كمَا تقدَّمَ صَحِيْحٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ، بَلْ قدْ رَوَى مُسْلِمٌ أَصْلهُ في «صَحِيْحِهِ» (٢٨٨٩): حدَّثنا قتيْبَة ُ بْنُ سَعِيْدٍ عَنْ حَمّادِ بْن ِ زَيْدٍ بهِ، دُوْنَ مَوْضِعِ الشّاهِدِ مِنْهُ، وَهُوَ حَدِيْثٌ طوِيْلٌ، قطعَهُ بَعْضُ الأَئِمَّةِ وَرَوَوْهُ في الأَبْوَاب.
* وَمِنْ ذلِك َ أَيْضًا: قوْلهُ ﷺ: «لا تقوْمُ السّاعَة ُ حَتَّى تضْطرِبَ أَلياتُ نِسَاءِ دَوْس ٍ عَلى ذِي الخلصَة».
وَذو الخلصَةِ: طاغِيَة ُ دَوْس ٍ التِي كانوْا يَعْبُدُوْنَ في الجاهِليَّة. رَوَاهُ الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِهِ» (٢/ ٢٧١) وَالبُخارِيُّ في «صَحِيْحِهِ» (٧١١٦) وَمُسْلِمٌ (٢٩٠٦) مِنْ حَدِيْثِ أبي هُرَيْرَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْه.
[ ٢٠٤ ]
الوَجْهُ الثالِثُ: ارْتِدَادُ كثِيْرٍ مِنْ قبائِل ِ الجزِيْرَةِ بَعْدَ وَفاةِ النَّبيِّ ﷺ، وَقِتَالُ أبي بَكرٍ الصِّدِّيق ِ مَعَ الصَّحَابةِ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمْ جَمِيْعًا لهمْ: دَلِيْلٌ عَلى بُطلان ِ تَأْوِيْل ِ القبوْرِيِّيْنَ وَفسَادِه.
الوَجْهُ الرّابعُ: ادَّعَاءُ مُسَيْلِمَة َ الكذّابِ النُّبوَّة َ، وَإيْمَانُ أَهْل ِ اليَمَامَةِ بهِ، حَتَّى قاتلهُمُ الصَّحَابة ُ عَلى ذلِك َ زَمَنَ أبي بَكرٍ الصِّدِّيق ِ: دَلِيْلٌ آخَرُ عَلى بُطلان ِ قوْل ِ القبوْرِيِّين.
الوَجْهُ الخامِسُ: خُرُوْجُ الزَّنادِقةِ في خِلافةِ الخلِيْفةِ الرّاشِدِ عَلِيِّ بْن ِ أبي طالِبٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ، المدَّعِيْنَ أُلوْهِيَّتَهُ، وَقتْلهُ لهمْ بحَرْقِهمْ باِلنّارِ، حَتَّى اتصَلَ عَذَابُهُمْ مِنْ نارِ الدُّنيا إلىَ نارِ الآخِرَةِ: دَلِيْلٌ آخَرُ عَلى بُطلان ِ قوْل ِ القبوْرِيين.
الوَجْهُ السّادِسُ: وُجُوْدُ اليَهُوْدِ في بَعْض ِ جَزِيْرَةِ العَرَبِ مِنْ زَمَن ِ النَّبيِّ ﷺ حَتَّى اليَوْم في اليَمَن ِ وَغيْرِهَا، وَوُجُوْدُ النَّصَارَى وَالمجُوْس ِ وَالقرَامِطةِ وَالبَاطِنِيَّةِ وَالرَّوَافِض ِ وَغيْرِهِمْ مِنَ الزَّنادِقةِ وَالكافِرِيْنَ في الجزِيْرَةِ قدِيْمًا وَحَدِيْثًا: دَلِيْلٌ عَلى بُطلان ِ تَأْوِيْلِهمْ.
بَلْ يَلزَمُ أُوْلئِك َ القبوْرِيينَ، المحْتَجِّيْنَ بتلك َ الأَحَادِيْثِ عَلى ذلِك َ الوَجْهِ الفاسِدِ: أَنْ يُصَحِّحُوْا دِيْنَ أُوْلئِك َ الكفارِ، مِنَ اليَهُوْدِ وَالنَّصَارَى وَغيْرِهِمْ! وَهَذا أَمْرٌ لا يَقوْلوْنَ بهِ، وَلا يَسْتَطِيْعُوْنَ قوْلهُ، وَمَنْ قالهُ: كفرَ إجْمَاعًا.
فلا سَبيْلَ لهمْ إلا َّ إبْطالُ تأْوِيْلِهمْ، وَترْك ُ تَحْرِيْفِهمْ.
[ ٢٠٥ ]
الوَجْهُ السّابعُ: إخْبَارُ النَّبيِّ ﷺ بخرُوْجِ الدَّجّال ِ، وَأَنهُ يَدَّعِي الإلهِيَّة َ، وَأَنهُ يَطأُ الأَرْضَ كلهَا، حَتَّى لا يَسْلمَ مِنْ فِتنتِهِ أَحَدٌ إلا َّ مَا شاءَ الله ُ، إلا َّ أَهْلُ المدِينتيْن ِ المقدَّسَتيْن ِ مَكة َ وَالمدِيْنَةِ، فإنهُ يُمْنَعُ مِنْ دُخُوْلهِمَا، وَتَحُوْلُ الملائِكة ُ دُوْنهُ، فيقِفُ عَلى مَشَارِفِهمَا، فتَرْجُفُ المدِينة ُ بأَهْلِهَا، فيخْرُجُ خَبَثهَا إليْهِ، فيؤْمِنُوْنَ بهِ رَبا، وَيَكفرُوْنَ باِللهِ، عِيَاذًا باِلله. وَهَذَا يُخالِفُ تَأْوِيْلَ القبوْرِيينَ، وَيُظهرُ فسَادَ قوْلهِم.
وَقدْ جَاءَتْ بذَلِك َ الأَحَادِيْثُ المتوَاتِرَة ُ في شَأْنِهِ، وَمِنْ ذلِك َ: مَا رَوَاهُ البخارِيُّ في «صَحِيْحِهِ» (١٨٨١) وَمُسْلِمٌ (٢٩٤٣) مِنْ حَدِيْثِ أَنس ِ بْن ِ مَالِكٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ عَن ِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: «ليْسَ مِنْ بلدٍ إلا َّ سَيطؤُهُ الدَّجّالُ، إلا َّ مَكة َ وَالمدِينة َ ليْسَ لهُ مِنْ نِقابهَا نقبٌ إلا َّ عَليْهِ الملائِكة ُ صَافينَ يَحْرُسُوْنهَا ثمَّ ترْجُفُ المدِيْنَة ُ بأَهْلِهَا ثلاثَ رَجْفاتٍ، فيُخْرِجُ الله ُ كلَّ كافِرٍ وَمُنَافِق».
الوَجْهُ الثامِنُ: أَنهُ مُخالِفٌ لإجْمَاعِ أَهْل ِ العِلمِ مِنَ الصَّحَابةِ وَالتابعِيْنَ فمَنْ بَعْدَهُمْ، مِمَّنْ كفرُوْا مَن ِ ارْتكبَ ناقِضًا مِنْ نوَاقِض ِ الإسْلامِ، أَوِ ارْتدَّ عَنْهُ، مِنْ أَهْل ِ الجزِيْرَةِ كانَ، أَمْ مِنْ غيْرِهَا، دُوْنَ مُرَاعَاةِ ضَابطِ القبوْرِيِّيْنَ الفاسِد.
الوَجْهُ التّاسِعُ: مُخالفتهُ أَيْضًا وَمُنَاقضَتهُ، لِفِعْل ِ كثِيْرٍ مِنْ هَؤُلاءِ القبوْرِيِّيْنَ، في تَكفِيْرِهِمْ جَمَاعَاتٍ مِنْ أَهْل ِ الجزِيْرَةِ، وَقِتَالهِمْ
[ ٢٠٦ ]
لهمْ، مَعَ كوْنِهمْ دَاخِلِيْنَ في بشَارَةِ النَّبيِّ ﷺ التي زَعَمُوْهَا بخلوِّ الجزِيْرَةِ مِنَ المشْرِكِين.
وَمِنْ ذلِك َ: تَكفِيْرُهُمْ لِلشَّيْخِ الإمَامِ مُحَمَّدِ بْن ِ عَبْدِ الوَهّابِ وَمَنْ ناصَرَهُ وَآزَرَهُ ﵏ ُ، مُحْتَجِّيْنَ بأَنهُمْ خَوَارِجُ! أَوْ نوَاصِبُ! أَوْ مُبْغِضِيْنَ لِلنَّبيِّ ﷺ! أَوْ مُنْتَقِصِيْنَ لهُ، وَهَلمَّ جَرًّا لأَكاذِيْبهْم.
وَمِنَ المعْلوْمِ: أَنَّ الشَّيْخَ مُحَمَّدًا ﵀ ُ وَمَنْ كانَ مَعَهُ، كانوْا في قلبِ الجزِيْرَةِ، وَلم يَكنْ نصِيْبُهُمْ مِنْ تِلك َ البشَارَةِ المزْعُوْمَةِ، كنَصِيْبِ أُوْلئِك َ! فمَا بَالُ البشارَةِ تَجَنبتهُمْ، وَلمْ يَنَالوْا مِنْهَا شَيْئًا غيْرَ التَّكفِيْرِ وَالتَّضْلِيْل ِ، وَخَالفتْهُمْ لِيَدْخُلَ فِيْهَا أَرْبابُ الشِّرْكِ وَالتَّعْطِيْل؟!
وَمَا كانَ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ ضَالا ًّ أَوْ دَاعِيَة ً إلىَ ضَلال ٍ، وَلمْ يَدْعُ النّاسَ لِشَيْءٍ قط، لمْ يَدْعُهُمْ إليْهِ أَنبيَاءُ اللهِ وَرُسُلهُ وَأَئِمَّة ُ الإسْلام.
وَإنمَا دَعَاهُمْ بمَا عَرَفتْهُ الأُمَّة ُ في كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ نبيِّهِ ﷺ، وَأَجْمَعَ عَليْهِ الصَّحَابة ُ وَالتّابعُوْنَ بَعْدَهُمْ وَأَئِمَّة ُ الإسْلام.
وَخُلاصَة ُ دَعْوَتِهِ: أَنَّ العِبَادَة َ للهِ وَحْدَهُ، وَأَنْ لا يُصْرَفَ شَيْءٌ مِنْ حَقِّ اللهِ لِغيْرِ اللهِ، وَلا يُتَعَبَّدَ الله ُ بشَيْءٍ إلا َّ بمَا شَرَع.
وَمَدَارُ دَعْوَتِهِ ﵀ ُ، وَدَعْوَةِ مُنَاصِرِيْهِ: عَلى ذلِك َ، حَتَّى ظهَرَ لِلنّاس ِ صَفاؤُهَا، وَصَلاحُهَا، وَظهَرَ لهمْ عَوَارُ وَكذِبُ أَعْدَائِهَا وَزُوْرُهُمْ وُبهْتَانهُمْ ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ *
[ ٢٠٧ ]
الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾.
الوَجْهُ العَاشِرُ: إخْبَارُ النَّبيِّ ﷺ بضَعْفِ الإسْلامِ آخِرَ الزَّمَان ِ، وَقِلتِهِ وَانْحِسَارِهِ، حَتَّى لا يُقالَ في الأَرْض ِ «الله َ الله َ»، وَأَنَّ الإيْمَانَ يَأْرِزُ إلىَ المدِيْنَةِ كمَا تأْرِزُ الحية ُ إلىَ جُحْرِهَا.
حَتَّى يَبْلغَ الحالُ باِلمسْلِمِيْنَ لِضَعْفِهمْ: أَنْ ينقضَ الأَسْوَدُ ذو السُّوَيْقتيْن ِ الكعْبَة َ حَجَرًا حَجَرًا، لا يَجِدُ مَنْ يَمْنعُهُ وَلا مَنْ يَدْفعُه.
وَفي هَذَا أَحَادِيْثُ في الصِّحَاحِ وَالمسَانِيْدِ، مِنْهَا:
* مَا رَوَاهُ أَنسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قالَ: «لا تقوْمُ السّاعَة ُ حَتَّى لا يُقالَ في الأَرْض ِ: الله َ الله» رَوَاهُ مُسْلِمٌ في «صَحِيْحِه» (١٤٨).
* وَرَوَى البُخارِيُّ في «صَحِيْحِهِ» (١٨٧٦) وَمُسْلِمٌ (١٤٧) عَنْ أبي هُرَيْرَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قالَ: «إنَّ الإيْمَانَ ليَأْرِزُ إلىَ المدِيْنَةِ، كمَا تأْرِزُ الحية ُ إلىَ جُحْرِهَا».
* وَعَنْ أبي هُرَيْرَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ عَن ِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: «يُخْرِبُ الكعْبَة
[ ٢٠٨ ]