فصل في فسَادِ ظنِّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الفِتْنَة َ قدْ أُمِنَتْ مِنْ تَعْظِيْمِ أَصْحَابِ القبوْرِ، وَتَصْوِيْرِ التَّمَاثِيْلِ، وَبيان ِأَنهَا فِتْنَة ٌ عَمْيَاءُ خَطِيْرَة ٌ لا تؤْمَن
قدْ ظنَّ بَعْضُ مَنْ لمْ يَعْرِفْ مَلة َ إبْرَاهِيْمَ الحنِيْفِيَّة َ حَقَّ المعْرِفةِ (١)
، عَليْهِ وَعَلى نبيِّنَا أَفضَلُ الصَّلاةِ وَالتَّسْلِيْمِ: أَنَّ مَا خَشِيَه ُ النَّبيُّ ﷺ عَلى أُمَّتِهِ مِنْ تَعْظِيْمِ القبوْرِ وَآثارِ الصّالِحِيْنَ، وَتَصْوِيْرِ تمَاثِيْلِهمُ المفضِي إلىَ عِبَادَتِهَا وَعِبَادَتِهمْ: إنمَا كانَ ذلِك َ في أَوَّل ِ الأَمْرِ، لِقرْبِ العَهْدِ بعِبَادَةِ الأَوْثان. أَمّا اليوْمَ: فلا، فقدْ أُمنَتْ هَذِهِ الفِتْنَة!
_________________
(١) - كأَحْمَدِ بْن ِمُحَمَّدِ بْن ِ الصِّدِّيْق ِالغمَارِيِّ المغرِبيّ (ت١٣٨٠هـ) في كِتَابهِ «إحْيَاءِ المقبوْر، مِنْ أَدِلةِ اسْتِحْبَابِ بناءِ المسَاجِدِ وَالقِبَابِ عَلى القبوْر». وَقدْ بيَّنَ الشَّيْخُ الأَلبَانِيُّ ﵀ ُ في كِتَابهِ «تَحْذِيْرِ السّاجِد، مِنَ اتِّخاذِ القبوْرِ مَسَاجِد»: فسَادَ ذلِك َ الكِتَابِ وَضَعْفهُ وَتنَاقضَ مُؤَلفِه. وَمِنْ ذلِك َ: أَنَّ الغمَارِيَّ زَعَمَ فِيْهِ (ص١٨ - ١٩): أَنَّ الأَئِمَّة َ اتفقوْا عَلى تَعْلِيْل ِ النَّهْيِّ عَن ِ اتِّخَاذِ المسَاجِدِ عَلى القبوْرِ بعِلتَيْن ِ، قالَ: (إحْدَاهُمَا: أَنْ يُؤَدِّيَ إلىَ تَنْجِيْس ِ المسْجِد. وَثانِيْهمَا - وَهُوَ قوْلُ الأَكثرِيْنَ، بَل ِ الجمِيْعِ حَتَّى مَنْ نصَّ عَلى العِلةِ السّابقةِ-: أَنَّ ذلِك َ قدْ يُؤَدِّي إلىَ الضَّلال ِ وَالفِتنةِ باِلقبْر). ثمَّ زَعَمَ الغمَارِيُّ (ص٢٠ - ٢١): أَنَّ هَذِهِ العِلة َ الأَخِيْرَة َ، قدِ انتفتْ برُسُوْخِ الإيْمَان ِ في نفوْس ِ المؤْمِنِيْنَ، وَنشأَتِهمْ عَلى التَّوْحِيْدِ الخالِص ِ، وَاعْتِقادِهِمْ نفيَ الشَّرِيْكِ مَعَ اللهِ تَعَالىَ، وَأَنهُ سُبْحَانهُ المنْفرِدُ باِلخلق ِ وَالإيْجَادِ وَالتَّصْرِيْف. ثمَّ قالَ: (وَباِنتِفاءِ العِلةِ، يَنْتفِي الحكمُ المترَتبُ عَليْهَا: وَهُوَ كرَاهَة ُ اتخاذِ المسَاجِدِ وَالقِبَابِ عَلى قبوْرِ الأَوْلِيَاءِ وَالصّالحِين). وَقدْ رَدَّ عَليْهِ الشَّيْخُ الأَلبانِيُّ في كِتَابهِ السّابق ِ (ص١١٢ - ١٣٤)، وَبيَّنَ بُطلانَ زَعْمِهِ هَذَا، وَأَنَّ اعْتِقادَ الرَّجُل ِ انفِرَادَ اللهِ باِلخلق ِ وَالإيْجَادِ وَالتَّصْرِيْفِ، دُوْنَ إفرَادِهِ وَحْدَهُ سُبْحَانهُ باِلعِبَادَةِ: لا يَنْفعُهُ، كمَا أَنَّ إيْمَانَ مُشْرِكِي العَرَبِ المتقدِّمِيْنَ بذَلِك َ لمْ يَنْفعْهُمْ، لِصَرْفِهمْ شَيْئًا مِنَ العِبَادَةِ لِغيْرِ اللهِ ﷿، قالَ سُبْحَانهُ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِي اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِي اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾. وَقالَ سُبْحَانهُ: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾. فإنَّ كفرَهُمْ لمْ يَأْتِهمْ مِنْ إخْلالهِمْ بتوْحِيْدِ الرُّبوْبيَّةِ، وَإنمَا جَاءَهُمْ مِنْ إشْرَاكِهمْ في تَوْحِيْدِ العِبَادَة. ثمَّ بيَّنَ الشَّيْخُ الأَلبَانِيُّ (ص١١٥) تنَاقضَ الغمَارِيِّ، وَأَنهُ مَعَ زَعْمِهِ رُسُوْخَ الإيْمَان ِ في نفوْس ِ النّاس ِ، وَنشْأَتِهمْ عَلى التَّوْحِيْدِ الخالِص ِ: ناقضَ نفسَهُ بَعْدَ زَعْمِهِ ذلِك َ بصَفحَاتٍ، فذَكرَ أَنَّ كثِيْرًا مِنَ العَامَّةِ باِلمغرِبِ، يَعْتقِدُوْنَ وَينْطقوْنَ في حَقِّ جُمْلةٍ مِنَ الصّالحِيْنَ بمَا هُوَ كفرٌ صَرِيْحٌ مُخْرِجٌ مِنَ المِلة! وَمِنْ ذلِك َ: قوْلُ الغمَارِيِّ (ص٢٢): (فإنَّ عِنْدَنا باِلمغرِبِ مَنْ يَقوْلُ عَن ِ القطبِ الأَكبَرِ مَوْلانا عَبْدِ السَّلامِ بْن ِمشّيْش رَضِيَ الله ُ عَنْهُ: «إنهُ الذِي خَلقَ الدِّيْنَ وَالدُّنيَا». وَمِنْهُمْ: مَنْ قالَ وَالمطرُ نازِلٌ بشِدَّةٍ: «يَا مَوْلانا عَبْدَ السَّلامِ أُلطفْ بعِبَادِك»!: فهَذَا كفرٌ) اه كلامُه. فمَعَ وُقوْفِ الغمَارِيِّ عَلى مَا تقدَّمَ، وَسَمَاعِهِ لهُ: زَعَمَ مَا زَعَمَ! وَادَّعَى مَا ادَّعَى! فأَينَ توْحِيْدُ أُوْلئِك َ الخالِصُ، وَشِرْكهُمْ باِللهِ ظاهِر؟! بَلْ إنَّ شِرْكهُمْ أَعْظمُ مِنْ شِرْكِ مُشْرِكِي العَرَبِ القدَامَى، فالمشْرِكوْنَ القدَامَى سَالمِوْنَ في تَوْحِيْدِ الرُّبوْبيَّةِ كمَا تقدَّمَ، وَإشْرَاكهُمْ إنمَا هُوَ في تَوْحِيْدِ العِبَادَة. أَمّا إذا اضْطرُّوْا وَضَاقتْ عَليْهمُ السُّبُلُ: فيُخْلِصُوْنَ التَّوْحِيْدَ وَالعِبَادَة َللهِ، كمَا قالَ عَنْهُمْ سُبْحَانهُ فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾. أَمّا مُشْرِكو زَمَانِنَا: فشِرْكهُمْ مُطرِدٌ مَعَهُمْ في أَحْوَالهِمْ كلهَا! بَلْ إنهُمْ يُخْلِصُوْنَ الشِّرْك َ باِللهِ في شَدَائِدِهِمْ، فإنهُمْ رُبَّمَا دَعَوا الله َوَمَعَهُ غيْرَهُ في الرَّخَاءِ، فإذا اشْتَدَّ بهمُ الكرْبُ، وَبعُدَ عَنْ ظنِّهمُ الفرَجُ: أَخْلصُوْا الدُّعَاءَ لِشُرَكائِهمْ مِنْ دُوْن ِ اللهِ، وَلمْ يَدْعُوْهُ سُبْحَانه. بَلْ إنَّ كثِيْرًا مِنْهُمْ: قدْ فسَدَ عِنْدَهُ تَوْحِيْدُ الرُّبوْبيَّةِ أَيضًا - فصَارَ شِرْكهُ وَكفرُهُ أَعْظمَ مِنْ كفرِ المتقدِّمِيْنَ مِنْ غيْرِ وَجْهٍ -: فيزْعُمُ أَنَّ فلانا لهُ تَصَرُّفٌ في الكوْن ِ! أَوْ خَلقُ الدُّنيا وَالدِّين ِ! كمَا في قوْل ِ ذلِك َ المشْرِكِ الذِي حَكى قوْلهُ الغمَارِيّ.
[ ٦٧ ]
وَهَذَا باطِلٌ، بَلْ إنْ كانَ النَّبيُّ ﷺ قدْ خَشِيَ تِلك َ الفِتْنة َ عَلى أُمَّتِهِ وَصَحَابتهِ، وَهُوَ فِيْهمْ بيْنَ أَظهُرِهِمْ، وَفِيْهمْ أَصْحَابهُ، وَهُمْ حَدِيثو عَهْدٍ باِلوَحْيِّ، وَقدْ ظهرَ التَّوْحِيْدُ وَاسْتَقرَّ، وَزَهَقَ الباطِلُ وَالشِّرْك ُ وَاندَحَرَ: فمَا يُخْشَى عَلى مَنْ بَعْدَهُمْ - بَعْدَ وَفاتِهِ ﷺ، وَذهَابِ أَصْحَابهِ، وَتصَرُّمِ القرُوْن ِ المفضَّلةِ، وَتخرُّمِ أَئِمَّةِ الإسْلامِ فِيْهَا - لهُوَ أَكثرُ وَأَكبر.
لِهَذَا لمّا حَذَّرَ النَّبيُّ ﷺ أُمَّتَهُ مِنْ فِتْنَةِ المسِيْحِ الدَّجّال ِ، وَبالغَ في التَّحْذِيْرِ حَتَّى قالَ ﷺ: «مَا بَعَثَ الله ُمِنْ نبيٍّ إلا َّ أَنذَرَ أُمَّتَهُ، أَنذَرَهُ نوْحٌ
[ ٦٩ ]
وَالنَّبيُّوْنَ مِنْ بَعْدِهِ، وَإنهُ يَخْرُجُ فِيْكمْ فمَا خَفِيَ عَليْكمْ مِنْ شَأْنِهِ، فليْسَ يَخْفى عَليْكمْ أَنَّ رَبَّكمْ ليْسَ عَلى مَا يَخْفى عَليْكمْ (ثلاثا).
إنَّ رَبَّكمْ ليْسَ بأِعْوَرَ، وَإنهُ أَعْوَرُ عَيْن ِ اليمْنَى، كأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَة ٌ طافِيَة» رَوَاهُ البُخارِيُّ في «صَحِيْحِهِ» (٤٤٠٣)، (٣٠٥٧)، (٣٣٣٧) وَمُسْلِمٌ (١٦٩) مِنْ حَدِيْثِ ابن ِ عُمَرَ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا.
فلمّا حَذَّرَهُمْ ﷺ مِنْهُ، وَخَشِيَ أَصْحَابهُ عَلى أَنفسِهمْ فِتْنَتهُ وَشَرَّهُ: قالَ لهُمْ ﷺ مُطمْئِنًا: «غيْرُ الدَّجّال ِ أَخْوَفنِي عَليْكمْ، فإنْ يخْرُجْ وَأَنا فِيْكمْ فأَنا حَجِيْجُهُ دُوْنكمْ. وَإنْ يَخْرُجْ وَلسْتُ فِيْكمْ، فامْرُؤٌ حَجِيْجُ نفسِهِ، وَالله ُ خَلِيْفتِي عَلى كلِّ مُسْلم.
إنهُ شَابٌّ جَعْدٌ قطط ٌ، عَيْنُهُ طافِيَة ٌ، وَإنهُ يَخْرُجُ مِنْ خلةٍ بينَ الشّامِ وَالعِرَاق ِ، فعاثٍ يَمِيْنًا وَشِمَالا ً، يَا عِبَادَ اللهِ اثبتوْا» رَوَاهُ الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِهِ» (٤/ ١٨١) وَمُسْلِمٌ في «صَحِيْحِهِ» (٢٩٣٧) وَالتِّرْمِذِيُّ (٢٢٤٠) وَأَبوْ دَاوُوْدَ (٤٣٢١) وَابنُ مَاجَهْ (٤٠٧٥) مِنْ حَدِيْثِ النوّاس ِ بْن ِسَمْعَانَ رَضِيَ الله ُ عَنْه.
فخشْيَة ُ النَّبيِّ ﷺ العُظمَى كانتْ عَلى أُمَّتِهِ بَعْدَ وَفاتِهِ ﷺ، لا في حَيَاتِه. مَعَ أَنَّ الدَّجّالَ يدَّعِي الإلهِيَّة َ! وَدَعْوَاهُ ظاهِرَة ُ البطلان ِ عِنْدَ المؤْمِنِينَ لا رَيْبَ فِي فسَادِهَا عِنْدَهُمْ وَلا شَك ّ.
فإذا كانتْ فِتْنتهُ عَظِيْمَة ً مَعَ ظهُوْرِ فسَادِهَا، فكيْفَ بمَثيْلتِهَا شَرًّا وَخُبْثا، مَعَ خفائِهَا عَلى كثِيرٍ مِنَ المسْلِمِينَ، وَرَوَاجِهَا عِنْدَ طوَائِفَ مِنْهُمْ؟!
[ ٧٠ ]
وَقدْ خَشِيَ فِتْنَة َ الشِّرْكِ أَنبيَاءُ اللهِ وَرُسُلهُ - صَلوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَليْهمْ- عَلى أَنفسِهمْ، فكيْفَ بمَنْ دُوْنهُمْ؟! قالَ خَلِيْلُ الرَّحْمَن ِ إبْرَاهِيْمُ: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾.
لِهَذَا كانَ يَقوْلُ إبْرَاهِيْمُ التَّيْمِيُّ ﵀ ُ: «مَنْ يَأْمَنُ مِنَ البَلاءِ بَعْدَ خَلِيْل ِاللهِ إبْرَاهِيْمَ حِيْنَ يَقوْلُ: رَبِّ ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾» رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيْرٍ الطبَرِيُّ في «تفسِيْرِه» عِنْدَهَا.
قالَ شَيْخُ الإسْلامِ في «شَرْحِ العُمْدَةِ» (٢/ ٤٥٢): (وَلعَلَّ بَعْضُ النّاس ِ يُخيَّلُ إليْهِ: أَنَّ ذلِك َ كانَ أَوَّلَ الأَمْرِ، لِقرْبِ العَهْدِ بعِبَادَةِ الأَوْثان ِ، وَأَنَّ هَذِهِ المفسَدَة َ قدْ أُمِنَتِ اليَوْمَ! وَليْسَ الأَمْرُ كمَا تخيَّله.
فإنَّ الشِّرْك َ وَتعَلقَ القلوْبِ بغيرِ اللهِ عِبَادَة ً وَاسْتغاثة ً، غالِبٌ عَلى قلوْبِ النّاس ِ في كلِّ وَقتٍ، إلا َّ مَنْ عَصَمَ الله.
وَالشَّيْطانُ سَرِيْعٌ إلىَ دُعَاءِ النّاس ِ إلىَ ذلِك َ، وَقدْ قالَ الحكِيْمُ الخبيْرُ: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾.
وَقالَ إمَامُ الحنفاءِ: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ وَسَيَعُوْدُ الدِّينُ غرِيبا كمَا بدَأَ، وَيَصِيْرُ الصَّغِيْرُ كبيْرًا، فكيْفَ تؤْمَنُ الفِتْنَة؟! بَلْ هِيَ وَاقِعة ٌ كثِيْرَة.
فهَذِهِ هِيَ العِلة ُ المقصُوْدَة ُ لِصَاحِبِ الشَّرْعِ في النَّهْيِّ عَن ِ الصَّلاةِ في المقبَرَةِ، وَاتخاذِ القبوْرِ مَسَاجِدَ لِمَنْ تأَمَّلَ الأَحَادِيْثَ وَنظرَ فِيْهَا،
[ ٧١ ]
وَقدْ نصَّ الشّارِعُ عَلى هَذِهِ العِلةِ كمَا تقدَّم) اه كلامُهُ ﵀.
وَكمَا أَبطلتِ الأَدِلة ُ ظنَّ أُوْلئِك َ الظانيْنَ -لِجَهْلِهمْ- أَمْنَ الفِتْنَةِ: فقدْ أَبطلَ ظنَّهُمْ أَيضًا، حَالُ المسْلِمِيْنَ بَعْدَ وَفاةِ نبيِّهمْ ﷺ، وَتأَخُّرِ سِنِيِّهمْ.
فوَقعَ كثِيْرٌ مِنْهُمْ فِيْمَا حَذَّرَ مِنْهُ النَّبيُّ ﷺ وَخَشِيَهُ، حَتَّى عَمَّ ذلِك َ كثِيْرًا مِنْ بلادِ المسْلِمِيْنَ، فبُنِيَتِ المشاهِدُ عَلى القبوْرِ، وَعُظمَ مَنْ فِيْهَا مِنْ مَقبُوْرٍ، وَصُرِفتْ لهُ أَنوَاعٌ مِنَ العِبَادَاتِ، فهُمْ يَدْعُوْنهُ! وَيَسْتَغِيْثوْنَ وَيَسْتَشْفِعُوْنَ، وَيتوَسَّلوْنَ إلىَ اللهِ بهِ! وَيطوْفوْنَ حَوْلهُ! وَيَذْبَحُوْنَ وَينْذُرُوْنَ لهُ! وَيَحْلِفوْنَ بهِ! يَرْجُوْنَ رَحْمَتَهُ وَيَخافوْنَ عِقابهُ! حَتَّى أَصْبَحَ الرَّجُلُ لا يكادُ يجدُ في بلادٍ كثِيْرَةٍ مِنْ بلادِ المسْلِمِيْنَ، مَسْجِدًا خالِيًا مِنْ قبْر.
بَلْ بَلغَ الحالُ بكثِيْرٍ مِنْ أَصْحَابهَا: أَنْ حَجُّوْا إليْهَا، وَعَظمُوْا تُرْبتهَا، وَتبرَّكوْا بجَنَبَاتِهَا، وَفضلوْا الصَّلاة َ فِيْهَا عَلى كثِيْرٍ مِنْ بيوْتِ اللهِ الخالِيَةِ مِنْ ذلك.
بَلْ إنَّ حَالَ جَمَاعَاتٍ مِنْهُمْ، يَقتضِي تفضِيْلهَا عَلى المسَاجِدِ الثلاثةِ التِي لا تشَدُّ الرِّحَالُ إلا َّ إليْهَا، فمِنْهُمْ مَنْ يَحُجُّ إليْهَا كلَّ عَامٍ، وَلمْ يَحُجَّ حَجَّة َ الإسْلامِ! أَوْ حَجَّ مَرَّة ً وَكفته. أَمّا مَشَاهِدُ المشْرِكِيْنَ وَمَعَابدُهُمْ حَوْلَ القبوْرِ وَفِيْهَا: فلا تكفِيْهِ فِيْهَا مَرَّة ٌ، عِيَاذًا باِللهِ مِنَ الخذْلان.
وَمِمّا زَادَ مِنْ ضَلال ِهَؤُلاءِ وَإغوَائِهمْ، وَتحَكمِ أَدْوَائِهمْ
[ ٧٢ ]
بأِبدَانِهمْ: عُلمَاءُ السُّوْءِ، وَشُيُوْخُ الضَّلالةِ، نوّابُ إبْلِيْسَ، وَأَئِمَّة ُ كلِّ مُفلِس ٍ بَئِيْس ٍ، الذِيْنَ زَينوْا لهمْ سُوْءَ أَعْمَالِهمْ، وَقبيْحَ أَفعَالِهمْ.
إمّا تعَبُّدًا مِنْهُمْ للهِ تَعَالىَ بهَذِهِ الأَعْمَال ِ الشِّرْكِيَّةِ، مِنْ جِنْس ِ تعَبُّدِ مُشْرِكِي الجاهِلِيَّة.
وَإمّا تكسُّبًا، وَأَكلا ً لأَمْوَال ِ النّاس ِ باِلبَاطِل ِ، حِيْنَ يبْذُلوْنهَا لِتِلك َ الأَجْدَاثِ، فإذا انصَرَفوْا - مُفلِسِيْنَ مِنْ دِيْنِهمْ وَمِنْ كرَائِمِ أَمْوَالهِمْ - خلصَ أُوْلئِكَ اللصُوْصُ المبْطِلوْنَ إليْهَا، فأَخذُوْهَا وَاسْتَأْثرُوْا بهَا.
[ ٧٣ ]