أَمّا دَلِيْلهُ الثانِي: فقالَ: (بناءُ رَسُوْل ِاللهِ ﷺ مَسْجِدَهُ فِي مَقبَرَةٍ لِلمُشْرِكِيْنَ، وَهَذَا أَمْرٌ مَشْهُوْرٌ وَهُوَ فِي «الصَّحِيْحَيْن ِ» (١» انتهَى كلامُه.
وَهَذَا فِيْهِ تَلبيْسٌ وَتَدْلِيْسٌ، فإنَّ بناءَ الرَّسُوْل ِ ﷺ لِمَسْجِدِهِ فِي مَقبَرَةٍ لِلمُشْرِكِيْنَ، كانَ بَعْدَ نبْش ِ قبوْرِهِمْ وَإزَالتِها. وَهذَا ليْسَ مَحَلَّ النِّزَاعِ، وَإنمَا النِّزَاعُ فِي جَوَازِ الصَّلاةِ فِي المقبرَةِ قبْلَ النَّبْش.
لِهَذَا لمْ يَذْكرِ المعْتَرِضُ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ أَمَرَ الصَّحَابة َ بنَبْش ِ قبوْرِ المشْرِكِيْنَ وَإزَالتِهَا، لِيسْلمَ لهُ اعْتِرَاضُه!
قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابنُ تَيْمية َ ﵀ ُ-كمَا فِي «مَجْمُوْعِ الفتاوَى» (٢١/ ٣٢١) -: (ومَسْجِدُ رَسُوْل ِاللهِ ﷺ قدْ كانَ مَقبَرَة ً لِلمُشْرِكِيْنَ، وَفِيْهِ نخلٌ وَخِرَبٌ، فأَمَرَ النَّبيُّ ﷺ باِلنَّخل ِ فقطِعَتْ، وجُعِلتْ قِبلة َ المسْجدِ، وَأَمَرَ باِلخِرَبِ فسُوِّيتْ، وأَمَرَ باِلقبوْرِ فنبشتْ، فهَذِهِ مَقبَرَة ٌ مَنْبُوْشَة ٌ، كانَ فِيْهَا المشْرِكوْن) انتهَى، وَهَذَا فِي «الصَّحِيْحَيْن» (١) وَتقدَّم.
_________________
(١) - رَوَاهُ البُخارِيُّ في «صَحِيْحِهِ» (٣٩٣٢) وَمُسْلِم (٥٢٤).
[ ١١٧ ]
كمَا أَنَّ دَلِيْلَ المعْترِض ِ هَذَا: دَلِيْلٌ عَليْهِ لا لهُ، وَبَيَانهُ: أَنهُ لوْ كانتِ الصَّلاة ُفِي المقبَرَةِ جَائِزَة ً تصحُّ، لمَا نبشَ النَّبيُّ ﷺ قبوْرَ المشْرِكِيْنَ وَأَخْرَجَهَا، وَلصَلوْا عَليْهَا دُوْنَ نبْش.
وَلكِنْ لمّا أَمَرَ النَّبيُّ ﷺ بنَبْشِهَا: دَلَّ ذلِك َ عَلى حُرْمَةِ الصَّلاةِ فِيْهَا قبْلَ النَّبش ِ، وَعَدَمِ صِحَّتِهَا.
يُضَافُ إلىَ ذلك:
أَنَّ اخْتِيَارَ تِلك َ الأَرْض ِ لِتَكوْنَ مَسْجِدًا للنَّبيِّ ﷺ وَالمسْلِمِيْنَ، كانَ بوَحْيٍ مِنَ اللهِ سُبْحَانهُ، كمَا فِي قِصَّةِ ناقةِ رَسُوْل ِاللهِ ﷺ، وبرُوْكِهَا فِي ذلِك َ المكان.
فوَجَبَ عِنْدَ اخْتِيَارِ اللهِ ﷿ لهَا: إصْلاحُهَا وتهْيئَتُهَا للمُصَلينَ، وَإزَالة ُ مَا يُفسِدُ ذلك.
فلا يجُوْزُ لِغيْرِهِمْ مِنَ المسْلِمِيْنَ أَنْ يَعْمَدُوْا إلىَ مَقبَرَةِ مُشْرِكِيْنَ أَوْ مُسْلِمِيْنَ، فينبشُوْهَا دُوْنَ حَاجَةٍ، لِيصَلوْا فِيْهَا لِما سَبَق.
[ ١١٨ ]