فصل وَقدْ سُئِلَ شَيْخُ الإسْلامِ أَبوْ العَبّاس ِأَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الحلِيْمِ ابْنُ تَيْمية َ ﵀ ُ- كمَا في «مَجْمُوْعِ الفتَاوَى» (٢٧/ ٦٤ - ٧٠) - عَمَّنْ يَزُوْرُ القبوْرَ، وَيَسْتنْجِدُ لِمَرَض ٍ أَلمَّ بهِ أَوْ بمَنْ يُحِبُّهُ باِلمقبوْرِ، وَيَزْعُمُ أَنهُ إنمَا يُرِيْدُ أَنْ يَكوْنَ المقبوْرُ وَاسِطة ً بَيْنَهُ وَبَينَ الله.
وَفِيْمَنْ يَنْذُرُ لِلزَّوَايا وَالمشَايخِ، وَفِيْمَنْ يَسْتَغِيْثُ بشَيْخِهِ، وَفِيْمَنْ يَجِيءُ إلىَ قبْرِ شَيْخِهِ وَيُمَرِّغُ وَجْهَهُ عَليْهِ، وَيَمْسَحُهُ بيَدَيهِ، ثمَّ يَمْسَحُ بهمَا وَجْهَهُ، وَنَحْوِ ذلك.
فأَجَابَ شَيْخُ الإسْلامِ ﵀ ُ بقوْلِهِ:
(الحمْدُ للهِ رَبِّ العَالمِيْنَ، الدِّينُ الذِي بَعَثَ الله ُ بهِ رُسُلهُ، وَأَنزَلَ بهِ كتبهُ: هُوَ عِبَادَة ُ اللهِ وَحْدَهُ لا شَرِيْك َ لهُ، وَاسْتِعَانتهُ وَالتَّوَكلُ عَليْهِ، وَدُعَاؤُهُ لِجَلبِ المنافِعِ، وَدَفعِ المضَارِّ، كمَا قالَ تعَالىَ: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدْ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
وَقالَ تعَالىَ: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾.
وَقالَ تعَالىَ: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.
[ ٢٤٩ ]
وَقالَ تعَالىَ: ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلًا (٥٦) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾.
قالتْ طائِفة ٌمِنَ السَّلفِ: «كانَ أَقوَامٌ يَدْعُوْنَ المسِيْحَ، وَعُزَيْرًا، وَالملائِكة َ، فقالَ الله ُ تعَالىَ: هَؤُلاءِ الذِيْنَ تَدْعُوْنهُمْ عِبَادِي، كمَا أَنتمْ عِبَادِي، وَيَرْجُوْنَ رَحْمَتي، كمَا تَرْجُوْنَ رَحْمَتي، وَيَخافوْنَ عَذَابي كمَا تَخافوْنَ عَذَابي، وَيتقرَّبوْنَ إليَّ كمَا تتقرَّبوْنَ إليَّ.
فإذا كانَ هَذَا حَالُ مَنْ يَدْعُوْ الأَنبيَاءَ وَالملائِكة َ، فكيْفَ بمَنْ دُوْنهُمْ؟!
وَقالَ تعَالىَ: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾.
وَقالَ تعَالىَ: ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾.
فبينَ سُبْحَانهُ: أَنَّ مَنْ دُعِيَ مِنْ دُوْن ِ اللهِ مِنْ جَمِيْعِ المخْلوْقاتِ مِنَ الملائِكةِ وَالبشرِ وَغيْرِهِمْ: أَنهُمْ لا يَمْلِكوْنَ مِثقالَ ذرَّةٍ في مُلكِهِ، وَأَنهُ ليْسَ لهُ شَرِيْك ٌ في مُلكِهِ، بَلْ هُوَ سُبْحَانهُ لهُ الملك ُ وَلهُ الحمْدُ، وَهُوَ عَلى كلِّ شَيْءٍ قدِيْر.
[ ٢٥٠ ]
وَأَنهُ ليْسَ لهُ عَوْنٌ يعَاوِنهُ كمَا يَكوْنُ لِلمَلِكِ أَعْوَانٌ وَظهَرَاء.
وَأَنَّ الشُّفعَاءَ عِنْدَهُ لا يَشْفعُوْنَ إلا َّ لِمَن ِ ارْتضَى، فنفى بذَلِك َ وُجُوْهَ الشِّرْك.
وَذلِك َ أَنَّ مَنْ يَدْعُوْنَ مِنْ دُوْنِهِ:
* إمّا أَنْ يَكوْنَ مَالِكا،
* وَإمّا أَنْ لا يَكوْنَ مَالِكا.
وَإذا لمْ يَكنْ مَالِكا:
* فإمّا أَنْ يَكوْنَ شَرِيْكا،
* وَإمّا أَنْ لا يَكوْنَ شَرِيْكا.
وَإذا لمْ يَكنْ شَرِيْكا:
* فإمّا أَنْ يَكوْنَ مُعَاوِنا،
* وَإمّا أَنْ يَكوْنَ سَائِلا ً طالِبًا.
فالأَقسَامُ الأُوَلُ الثلاثة ُ، وَهِيَ: الملك ُ، وَالشِّرْكة ُ، وَالمعاوَنة ُ: مُنتفِيَة.
وَأَمّا الرّابعُ: فلا يَكوْنُ إلاَّ مِنْ بَعْدِ إذنِهِ، كمَا قالَ تعَالىَ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾.
وَكمَا قالَ تعَالىَ: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾.
[ ٢٥١ ]
وَقالَ تعَالىَ: ﴿أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾.
وَقالَ تعَالىَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾.
وَقالَ تعَالىَ: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.
وَقالَ تعَالىَ: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
فإذَا جَعَلَ مَن ِ اتخذَ الملائِكة َ وَالنبيينَ أَرْبابا كافِرًا، فكيْفَ مَن ِ اتخذَ مَنْ دُوْنهُمْ مِنَ المشَايخِ وَغيْرِهِمْ أَرْبابا.
وَتفصِيْلُ القوْل ِ: أَنَّ مَطلوْبَ العَبْدِ إنْ كانَ مِنَ الأُمُوْرِ التي لا يَقدِرُ عَليْهَا إلا َّ الله ُ تعَالىَ: مِثلَ أَنْ يَطلبَ شِفاءَ مَرِيْضِهِ مِنَ الآدَمِيِّيْنَ وَالبهَائِم. أَوْ وَفاءَ دَينِهِ مِنْ غيْرِ جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ، أَوْ عَافِيَة َ أَهْلِهِ، وَمَا بهِ مِنْ بَلاءِ الدُّنيا وَالآخِرَةِ، وَانتِصَارَهُ عَلى عَدُوِّهِ، وَهِدَاية َ قلبهِ، وَغفرَانَ ذنبهِ، أَوْ دُخُوْلهُ الجنة َ، أَوْ نجَاتهُ مِنَ النّارِ، أَوْ أَنْ يَتَعَلمَ العِلمَ وَالقرْآنَ، أَوْ أَنْ يُصْلِحَ قلبهُ، وَيُحْسِنَ خُلقهُ، وَيُزَكي نفسَهُ، وَأَمْثالَ ذلك.
[ ٢٥٢ ]
فهَذِهِ الأُمُوْرُ كلهَا لا يَجُوْزُ أَنْ تطلبَ إلا َّ مِنَ اللهِ تعَالىَ، وَلا يَجُوْزُ أَنْ يَقوْلَ لِمَلكٍ، وَلا نبيٍّ، وَلا شَيْخٍ - سَوَاءٌ كانَ حَيًّا أَوْ مَيتا-: «اغفِرْ ذنبي»، وَلا «انصُرْنِي عَلى عَدُوِّي»، وَلا «اشْفِ مَرِيْضِي»، وَلا «عَافِنِي» أَوْ «عَافِ أَهْلِي أَوْ دَابَتي»، وَمَا أَشبهَ ذلك.
وَمَنْ سَأَلَ ذلِك َ مَخْلوْقا كائِنًا مَنْ كانَ: فهوَ مُشْرِك ٌ برَبهِ، مِنْ جِنْس ِ المشْرِكِيْنَ الذِيْنَ يَعْبُدُوْنَ الملائِكة َ وَالأَنبيَاءَ وَالتَّمَاثِيْلَ، التي يُصَوِّرُوْنهَا عَلى صُوَرِهِمْ.
وَمِنْ جِنْس ِ دُعَاءِ النَّصَارَى لِلمَسِيْحِ وَأُمِّهِ، قالَ الله ُ تعَالىَ: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
وَقالَ تَعَالىَ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
وَأَمّا مَا يَقدِرُ عَليْهِ العَبْدُ: فيَجُوْزُ أَنْ يُطلبَ مِنْهُ في بَعْض ِ الأَحْوَال ِ دُوْنَ بَعْض.
فإنَّ «مَسْأَلة َ المخلوْق» ِ قدْ تَكوْنُ جَائِزَة ً، وَقدْ تَكوْنُ مَنْهيًّا عَنْهَا، قالَ الله ُ تَعَالىَ: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾.
وَأَوْصَى النَّبيُّ ﷺ ابنَ عَبّاس ٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا: «إذا سَأَلتَ فاسْأَل ِ الله َ، وَإذا اسْتَعَنْتَ فاسْتَعِنْ باِلله» (١).
_________________
(١) - رَوَاهُ الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِهِ» (١/ ٢٩٣، ٣٠٧) وَالتِّرْمِذِيُّ في «جَامِعِهِ» (٢٥١٦) وَقالَ: «حَسَنٌ صَحِيْح».
[ ٢٥٣ ]
وَأَوْصَى النَّبيُّ ﷺ طائِفة ًمِنْ أَصْحَابهِ: أَنْ لا يَسْأَلوْا النّاسَ شَيْئًا. فكانَ سَوْط ُ أَحَدِهِمْ يَسْقط ُ مِنْ كفهِ، فلا يَقوْلُ لأَحَدٍ ناوِلني إياه (١).
وَثبتَ في «الصَّحِيْحَيْن»: أَنهُ ﷺ قالَ: «يَدْخُلُ الجنة َ مِنْ أُمَّتي سَبْعُوْنَ أَلفا بغيْرِ حِسَابٍ، وَهُمُ الذِيْنَ لا يَسْتَرْقوْنَ وَلا يَكتوُوْنَ، وَلا يَتطيَّرُوْنَ، وَعَلى رَبِّهمْ يتوَكلوْن» [خ (٥٧٠٥)، (٥٧٥٢)، (٦٤٧٢) م (٢١٦)، (٢١٨)، (٢٢٠)].
_________________
(١) - رَوَى مُسْلِمٌ في «صَحِيْحِهِ» (١٠٤٣) مِنْ حَدِيْثِ عَوْفِ بْن ِ مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ قالَ: (كنّا عِنْدَ رَسُوْل ِ اللهِ ﷺ تِسْعَة ً، أَوْ ثَمَانِيَة ً، أَوْ سَبْعَة ً، فقالَ: «أَلا تُبَايعُوْنَ رَسُوْلَ اللهِ؟» وَكنّا حَدِيْثَ عَهْدٍ ببَيْعَة. فقلنَا: قدْ بَايَعْنَاك َ يَا رَسُوْلَ اللهِ! ثمَّ قالَ: «أَلا تُبَايعُوْنَ رَسُوْلَ اللهِ؟». فقلنَا: قدْ بَايَعْنَاك َ يَا رَسُوْلَ اللهِ! ثمَّ قالَ: «أَلا تُبَايعُوْنَ رَسُوْلَ اللهِ؟». قالَ: فبَسَطنَا أَيْدِيَنَا، وَقلنَا: بَا يَعْنَاك َ يَا رَسُوْلَ اللهِ، فعَلامَ نُبَايعُك؟ قالَ: «عَلى أَنْ تَعْبُدُوْا الله َوَلا تُشْرِكوْا بهِ شَيْئًا، وَالصَّلوَاتِ الخمْس ِ، وَتُطِيْعُوْا» -وَأَسَرَّ كلِمَة ً خَفِيَّة ً- «وَلا تَسْأَلوْا النّاسَ شَيْئًا». قالَ: فلقدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أُوْلئِك َ النَّفرِ، يَسْقط ُ سَوْط ُ أَحَدِهِمْ، فمَا يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلهُ إياه). وَرَوَاهُ الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِهِ» (٦/ ٢٧)، وَأَبوْ دَاوُوْدَ في «سُنَنِهِ» (١٦٤٢)، وَابْنُ مَاجَهْ (٢٨٦٧)، وَالنَّسَائِيُّ في «سُنَنِه» (٤٦٠). وَرَوَى وَكِيْعٌ في «الزُّهْدِ» (١٤٠) (١/ ٣٧٠ - ٣٧١)، وَابْنُ الجعْدِ في «مُسْنَدِهِ» (٢/ ٩٩٣) (٢٨٧٣): عَن ِابْن ِأبي ذِئْبٍ عَنْ محمَّدِ بْن ِ قيْس ٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَن ِ بْن ِ يَزِيْدِ بْن ِ مُعَاوِيَة َ عَنْ ثوْبانَ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: «مَنْ يَتَقبَّلْ لِي بوَاحِدَةٍ، وَأَتقبَّلْ لهُ باِلجنَّة؟». قالَ ثوْبانُ: قلتُ: أَنا. فقالَ ﷺ: «لا تَسْأَل ِ النّاسَ شَيْئًا». قالَ: فكانَ ثوْبانُ يَقعُ سَوْطهُ وَهُوَ رَاكِبٌ، فلا يَقوْلُ لأَحَدٍ نَاوِلنِيْهِ حَتَّى يَنْزِلَ فيَأْخُذُه. وَرَوَاهُ الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِهِ» (٥/ ٢٧٧): حَدَّثنَا وَكِيْعٌ به، وَابْنُ مَاجَهْ في «سُننِهِ» (١٨٣٧): حَدَّثنَا عَلِيُّ بْنُ محمَّدٍ حَدَّثنَا وَكِيْعٌ به. وَفي البابِ: حَدِيْثُ جَمَاعَةٍ آخَرِيْنَ، مِنْهُمْ أَبوْ ذرٍّ الغِفارِيُّ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ دَعَاهُ فقالَ لهُ: «هَلْ لك َ إلىَ بَيْعَةٍ وَلك َ الجنَّة؟». قالَ أَبوْ ذرٍّ: قلتُ: نَعَم. وَبَسَط َ أَبوْ ذرٍّ يَدَه. فقالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَشْتَرِط ُعَليْهِ: «أَنْ لا تَسْأَلَ النّاسَ شَيْئًا». قالَ أَبوْ ذرٍّ: قلتُ: نَعَم. قالَ: «وَلا سَوْطك َ إنْ سَقط َ مِنْك َ، حَتَّى تنْزِلَ فتَأْخُذَه» رَوَاهُ الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِهِ» (٥/ ١٧٢) وَغيْرُه.
[ ٢٥٤ ]
وَالاسْتِرْقاءُ: طلبُ الرُّقيةِ، وَهُوَ مِنْ أَنوَاعِ الدُّعَاءِ، وَمَعَ هَذَا فقدْ ثبتَ عَنْهُ ﷺ أَنهُ قالَ: «مَا مِنْ رَجُل ٍ يَدْعُوْ لهُ أَخُوْهُ بظهْرِ الغيْبِ دَعْوَة ً، إلا َّ وَكلَ الله ُ بهَا مَلكا، كلمَا دَعَا لأَخِيْهِ دَعْوَة ً قالَ الملك ُ: وَلك َمِثْلُ ذلِك» (١).
وَمِنَ المشْرُوْعِ في الدُّعَاءِ: دُعَاءُ غائِبٍ لِغائِب. وَلهِذَا أَمَرَ النَّبيُّ ﷺ باِلصَّلاةِ عَليْهِ، وَطلبنَا الوَسِيْلة َ له.
وَأَخْبَرَ بمَا لنا في ذلِك َ مِنَ الأَجْرِ إذا دَعَوْنا بذَلك َ، فقالَ في الحدِيْثِ: «إذا سَمِعْتُمُ المؤَذنَ فقوْلوْا مِثلَ مَا يَقوْلُ، ثمَّ صَلوْا عَليَّ،
_________________
(١) - رَوَاهُ الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِهِ» (٦/ ٤٥٢)، (٥/ ١٩٥) وَمُسْلِمٌ في «صَحِيْحِه» (٢٧٣٢)، (٢٧٣٣).
[ ٢٥٥ ]
فإنَّ مَنْ صَلى عَليَّ مَرَّة ً، صَلى الله ُ عَليْهِ عَشْرًا. ثمَّ سَلوْا الله َ لِي الوَسِيْلة َ، فإنهَا دَرَجَة ٌ في الجنةِ لا يَنْبَغِي أَنْ تَكوْنَ إلا َّ لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وَأَرْجُوْ أَنْ أَكوْنَ أَنا ذلِك َ العَبْد. فمَنْ سَأَلَ الله َ لِيَ الوَسِيْلة َ: حَلتْ لهُ شَفاعَتي يوْمَ القِيَامَة» (١).
وَيُشْرَعُ لِلمُسْلِمِ: أَنْ يَطلبَ الدُّعَاءَ مِمَّنْ هُوَ فوْقهُ، وَمِمَّنْ هُوَ دُوْنه. فقدْ رُوِيَ طلبُ الدُّعَاءِ مِنَ الأَعْلى وَالأَدْنى، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ وَدَّعَ عُمَرَ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ إلىَ العُمْرَةِ وَقالَ: «لا تنْسَنا مِنْ دُعَائِك َ يَا أَخِي» (٢).
لكِنهُ ﷺ لمّا أَمَرَنا باِلصَّلاةِ عَليْهِ وَطلبِ الوَسِيْلةِ لهُ: ذكرَ أَنَّ مَنْ صَلى عَليْهِ مَرَّة ً، صَلى الله ُ بهَا عَليْهِ عَشْرًا. وَأَنَّ مَنْ
سَأَلَ لهُ الوَسِيْلة َ: حَلتْ لهُ شفاعَتُهُ يَوْمَ القِيَامَة.
فكانَ طلبهُ مِنّا لِمَنْفعَتِنَا في ذلِك َ، وَفرْقٌ بَيْنَ مَنْ طلبَ مِنْ غيْرِهِ شَيْئًا لِمَنْفعَةِ المطلوْبِ مِنْهُ، وَمَنْ يَسْأَلُ غيْرَهُ لحاجَتِهِ إليْهِ فقط.
وَثبتَ في «الصَّحِيْحِ» [م (٢٥٤٢)]: أَنهُ ﷺ ذكرَ أُوَيْسًا القرَنِيَّ وَقالَ لِعُمَرَ: «إن ِ اسْتَطعْتَ أَنْ يَسْتَغفِرَ لك َ فافعَلْ».
وَفي «الصَّحِيْحَيْن» ِ: أَنهُ كانَ بَيْنَ أَبي بَكرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا شَيْءٌ، فقالَ أَبوْ بَكرٍ لِعُمَرَ: «اسْتغفِرْ لِي»، لكِنْ في الحدِيْثِ:
_________________
(١) - رَوَاهُ النَّسَائِيُّ في «سُننِهِ» (٦٧٨) مِنْ حَدِيْثِ عَبْدِ اللهِ بْن ِ عَمْرٍو رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا.
(٢) - رَوَاهُ الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِهِ» (٢/ ٥٩)، (١/ ٢٩) وَأَبوْ دَاوُوْدَ في «سُننِه» (١٤٩٨).
[ ٢٥٦ ]
أَنَّ أَبا بَكرٍ ذكرَ أَنهُ حَنِقَ عَلى عُمَرَ (١).
وَثبَتَ أَنَّ أَقوَاما كانوْا يَسْتَرْقوْنَ، وَكانَ النَّبيُّ ﷺ يرْقِيْهمْ (٢).
وَثبتَ في «الصَّحِيْحَيْن» ِ: (أَنَّ النّاسَ لمّا أَجْدَبوْا سَأَلوْا النَّبيَّ ﷺ أَنْ يَسْتَسْقِي لهمْ فدَعَا الله َ لهمْ فسُقوْا) (٣).
وَفي «الصَّحِيْحَيْن» ِ أَيضًا: (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخطابِ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ اسْتَسْقى باِلعَبّاس ِ، فدَعَا فقالَ: «اللهُمَّ إنا كنا إذا أَجْدَبنا نتوَسَّلُ إليْك َ بنبينا فتسْقينا، وَإنا نتوَسَّلُ إليْك َبعَمِّ نبيِّنَا فأَسْقِنَا» فيُسْقوْن) [خ (١٠١٠)].
_________________
(١) - رَوَاهُ البُخارِيُّ في «صَحِيْحِهِ» (٣٦٦١)، (٤٦٤٠) مِنْ حَدِيْثِ أَبي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ الله ُ عَنْه.
(٢) - وَمِنْ ذلِك َ: مَا أَخْرَجَهُ البُخارِيُّ في «صَحِيْحِهِ» (٥٦٧٥)، (٥٧٤٣)، (٥٧٤٤)، (٥٧٥٠) وَمُسْلِمٌ (٢١٩١) مِنْ حَدِيْثِ عَائِشَة َرَضِيَ الله ُ عَنْهَا: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ كانَ يَرْقِي يَقوْلُ: «امْسَحِ البَاسَ رَبَّ النّاس ِ، بيَدِك َ الشِّفاءُ، لا كاشِفَ لهُ إلا َّ أَنت». وَمَا أَخْرَجَهُ البُخارِيُّ في «صَحِيْحِهِ» أَيْضًا (٥٧٤٢) مِنْ حَدِيْثِ ثابتٍ عَنْ أَنس ِبْن ِمَالِكٍ رَضِيَ الله ُ عَنْه أَنَّ ثابتًا قالَ لهُ: يَا أَبا حَمْزَة َ اشْتَكيْتُ. فقالَ أَنسٌ: أَلا أَرْقِيْك َ برُقيَةِ رَسُوْل ِاللهِ ﷺ؟ قالَ: بَلى. قالَ: «اللهُمَّ رَبَّ النّاس ِ، مُذْهِبَ البَاس ِ، اشْفِ أَنتَ الشّافي، لا شَافِيَ إلا َّ أَنتَ شِفاءً لا يُغادِرُ سَقمًا».
(٣) - أَخْرَجَهُ البُخارِيُّ في «صَحِيْحِهِ» (٩٣٢)، (٩٣٣)، (١٠٣٣) وَمُسْلِمٌ (٩٨٧) مِنْ حَدِيْثِ أَنس ِبْن ِ مَالِكٍ رَضِيَ الله ُ عَنْه.
[ ٢٥٧ ]
وَفي «السُّنَن» ِ: (أَنَّ أَعْرَابيًّا قالَ لِلنَّبيِّ ﷺ: جَهدَتِ الأَنفسُ، وَجَاعَ العِيَالُ، وَهَلك َ المالُ، فادْعُ الله َ لنا، فإنا نسْتَشْفِعُ باِللهِ عَليْك َ، وَبك َ عَلى الله» [د (٤٧٢٦)].
فسَبَّحَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ حَتَّى عُرِفَ ذلِك َ في وُجُوْهِ أَصْحَابهِ وَقالَ: «وَيْحَك ْ! إنَّ الله َ لا يُسْتَشْفعُ بهِ عَلى أَحَدٍ مِنْ خَلقِهِ، شَأْنُ اللهِ أَعْظمُ مِنْ ذلك»).
فأَقرَّهُ عَلى قوْلِهِ «إنا نسْتَشْفِعُ بك َعَلى اللهِ»، وَأَنكرَ عَليْهِ «نسْتشْفِعُ باِللهِ عَليْك».
لأنَّ الشّافِعَ يَسْأَلُ المشفوْعَ إليْهِ، وَالعَبْدُ يَسْأَلُ رَبهُ وَيَسْتَشْفِعُ إليْهِ، وَالرَّبُّ تعَالىَ لا يَسْأَلُ العَبْدَ وَلا يَسْتشْفِعُ به) اه كلامُ شَيْخِ الإسْلام.
[ ٢٥٨ ]