وَقدْ ثبتَ عَنْهُ ﷺ في «الصَّحِيْحِ»: أَنهُ كانَ يَقوْلُ: «إنَّ مَنْ كانَ قبْلكمْ، كانوْا يَتَّخِذُوْنَ القبوْرَ مَسَاجِدَ، أَلا فلا تَتَّخِذُوْا القبوْرَ مَسَاجِدَ، فإني أَنهَاكمْ عَنْ ذلك»، وَالله ُ أَعْلم) اه كلامُ شَيْخِ الإسْلامِ ﵀.
فصل وَكانتْ فتْوَاهُ هَذِهِ نَحْوَ سَنَةِ (٧٠٩هـ) وَبَعْدَ سِنِينَ: أَنكرَ فتيَاهُ هَذِهِ جَمَاعَة ٌ مِنْ أَهْل ِ البدَعِ سَنَة َ (٧٢٦هـ)، وَحَصَلَ لهُ ﵀ ُ بسَببهَا، مِحَنٌ عَظِيْمَة ٌ، وَضَجَّ المبطِلوْنَ مِنْهَا، وَشَرِقوْا بهَا، وَلمْ يَسْتَطِيْعُوْا دَفعَهَا، فكذَبوْا عَليْهِ، وَحَرَّفوْا مُرَادَهُ، لِينفرُوْا النّاسَ مِنْهُ، وَيَحْمِلوْا بذَلِك َ عَليْهِ، وَزَعَمُوْا أَنهُ يُحَرِّمُ زِيَارَة َ قبْرِ النَّبيِّ ﷺ مُطلقا، وَمَزَاعِمَ أُخْرَى كاذِبة ً، وَكتبُوْا إلىَ السُّلطان ِ بذَلِك َ، فحَبسَهُ سُلطانُ مِصْرَ بقلعَةِ دِمَشْقَ، بكتَابٍ وَرَدَ مِنْهُ في شَهْرِ شَعْبَانَ سنة (٧٢٦هـ).
قالَ الحافِظُ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدِ بْن ِعَبْدِ الهادِي المقدِسِيُّ (ت٧٤٤هـ) في «العُقوْدِ الدُّرِّيةِ» بَعْدَ أَنْ سَاقَ هَذِهِ الفتْيَا كامِلة ً (ص٣٣٠ - ٣٤١): (هَذَا آخِرُ مَا أَجَابَ بهِ شَيْخُ الإسْلامِ، وَالله ُ ﷾ أَعْلم.
وَلهُ مِنَ الكلامِ في مِثْل ِ هَذَا كثِيرٌ كمَا أَشَارَ إليْهِ في الجوَاب.
وَلمّا ظفِرُوْا في دِمَشْقَ بهَذَا الجوَابِ: كتبوْهُ وَبعَثوْا بهِ إلىَ الدِّيارِ المِصْرِيةِ، وَكتبَ عَليْهِ قاضِي الشّافِعِيَّةِ: «قابلتُ الجوَابَ عَنْ
[ ٩٥ ]
هَذَا السُّؤَال ِ المكتوْبِ عَلى خَط ِّ ابْن ِ تَيْمية َ فصَحَّ».
إلىَ أَنْ قالَ: «وَإنمَا المخزِي جَعْلهُ: زِيَارَة َ قبْرِ النَّبيِّ ﷺ وَقبوْرِ الأَنْبيَاءِ رِضْوَانُ اللهِ تَعَالىَ عَليْهمْ أَجْمَعِيْنَ مَعْصِيَة ً باِلإجْمَاعِ، مَقطوْعًا بهَا» هَذَا كلامُه.
فانْظرْ إلىَ هَذَا التَّحْرِيْفِ عَلى شَيْخِ الإسْلامِ، وَالجوَابُ ليْسَ فِيْهِ المنْعُ مِنْ زِيَارَةِ قبوْرِ الأَنْبيَاءِ وَالصّالِحِينَ، وَإنمَا ذكرَ فِيْهِ قوْليْن ِ: في شَدِّ الرَّحْل ِ، وَالسَّفرِ إلىَ مُجَرَّدِ زِيَارَةِ القبُوْر.
وَزِيَارَة ُ القبُوْرِ مِنْ غيْرِ شَدِّ رَحْل ٍ إليْهَا مَسْأَلة ٌ، وَشَدُّ الرَّحْل ِ لِمُجَرَّدِ الزِّيارَةِ مَسْأَلة ٌ أُخْرَى.
وَالشَّيْخُ لا يَمْنَعُ الزِّيارَة َ الخالِية َ عَنْ شَدِّ رَحْل ٍ، بَلْ يَسْتَحِبُّهَا وَيَنْدُبُ إليْهَا. وَكتبُهُ وَمَنَاسِكهُ تَشْهَدُ بذَلِك َ، وَلمْ يَتَعَرَّض ِ الشَّيْخُ إلىَ هَذِهِ الزِّيارَةِ فِي الفتْيَا، وَلا قالَ: «إنهَا مَعْصِيَة ٌ»، وَلا حَكى الإجْمَاعَ عَلى المنْعِ مِنْهَا، وَالله ُسُبْحَانهُ وَتعَالىَ لا تَخْفى عَليْهِ خَافِيَة.
وَلمّا وَصَلَ خَط ُّ القاضِي المذْكوْرِ إلىَ الدِّيارِ المِصْرِيَّةِ: كثرَ الكلامُ، وَعَظمَتِ الفِتْنَة ُ، وَطلِبَ القضَاة ُ بهَا، فاجْتَمَعُوْا وَتكلمُوْا، وَأَشارَ بَعْضُهُمْ بحَبْس ِ الشَّيْخِ، فرَسَمَ السُّلطانُ بهِ، وَجَرَى مَا تقدَّمَ ذِكرُه.
ثمَّ جَرَى بَعْدَ ذلِك َ أُمُوْرٌ عَلى القائِمِيْنَ في هَذِهِ القضِيَّةِ، لا يُمْكِنُ ذِكرُهَا في هَذَا الموْضِع.
[ ٩٦ ]
وَقدْ وَصَلَ مَا أَجَابَ بهِ الشَّيْخُ فِي هَذِهِ المسْأَلةِ إلىَ عُلمَاءِ بَغْدَادَ، فقامُوْا في الانْتِصَارِ لهُ، وَكتبُوْا بمُوَافقتِهِ، وَرَأَيتُ خُطوْطهُمْ بذَلِك َ، وَهَذَا صُوْرَة ُ مَا كتبوْا) ثمَّ أَوْرَدَهَا ابنُ عَبْدِ الهادِي ﵀ ُ، وَرَحِمَهُمْ.
وَذكرَ الحافِظ ُ عَلمُ الدِّيْن ِ أَبوْ مُحَمَّدٍ القاسِمُ بنُ مُحَمَّدِ بن ِ يُوْسُفَ البرْزَالِيُّ (ت٧٣٩ هـ) في «تارِيْخِهِ»: أَنَّ شَيْخَ الإسْلامِ اعْتقِلَ بقلعَةِ دِمَشْقَ، عَصْرَ الاثنيْن ِ سَادِسَ عَشْرَ شَعْبَانَ سَنَة َ (٧٢٦هـ).
ثمَّ قالَ: (وَفي يَوْمِ الجمْعَةِ عَاشِرِ الشَّهْرِ المذْكوْرِ: قرِئَ بجَامِعِ دِمَشْقَ الكِتَابُ السُّلطانِيُّ، الوَارِدُ باِعْتِقالِهِ وَمَنْعِهِ مِنَ الفتيا.
وَهَذِهِ الوَاقِعَة ُ سَببهَا: فتيا وُجِدَتْ بخطهِ في السَّفرِ وَإعْمَال ِ المطِيِّ إلىَ زِيارَةِ قبوْرِ الأَنبيَاءِ عَليْهمُ الصَّلاة ُ وَالسَّلامُ، وَقبوْرِ الصّالحِيْن) اه مِنَ «البدَايَةِ وَالنِّهَايَة» (١٤/ ١٠٧).
وَقالَ الحافِظ ُ العِمَادُ ابْنُ كثِيْرٍ في «البدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ» (١٤/ ١٠٨) في حَوَادِثِ سَنَةِ (٧٢٦هـ): (ثمَّ يَوْمَ الخمِيْس ِ [١١/ ١١/٧٢٦هـ] دَخَلَ القاضِي جَمَالُ الدِّين ِابنُ جملة َ، وَناصِرُ الدِّين ِ مَشَدُّ الأَوْقافِ، وَسَأَلاهُ عَنْ مَضْمُوْن ِ قوْلِهِ في مَسْأَلةِ الزِّيارَة. فكتَبَ ذلِك َ في دَرْجٍ، وَكتبَ تَحْتَهُ قاضِي الشّافِعِيَّةِ بدِمَشْقَ: «قابَلتُ الجوَابَ عَنْ هَذَا السُّؤَال ِ المكتوْبِ عَلى خَطِّ ابْن ِ تَيْمية َ» إلىَ أَنْ قالَ: «وَإنمَا المخزِي جَعْلهُ زِيارَة َ قبْرِ النَّبيِّ ﷺ وَقبوْرِ الأَنبيَاءِ صَلوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَليْهمْ مَعْصِيَة ً باِلإجْمَاعِ، مَقطوْعًا بهَا».
[ ٩٧ ]