اعتقاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب: ظهر الإِمام محمد بن عبد الوهاب في عصر، يوصف بأنه: " عصر الجهالة والخرافة " في كثير من بلاد العالم الإسلامي، فهو عصر وهت فيه صلة المسلمين بأصولهم
[ ١٠١ ]
العلمية والاعتقادية، وكان من آثار ذلك:
جهالة فاشية، سببها، قلة العلم، وتلوثه بالمعكرات.
وانحرافًا في العقيدة، سببه، سيطرة الخرافة والوهم، وانتشار البدع.
واضطراٍبًا في الأعمال، سببه، فقدان المنهج العلمي.
وتأجُّجا في الخلافات، سببه، ضعف الإِيمان، ووهن عُرى الأخوة، وتدني الوعي بمصالح الأمة.
وإِعجابًا بالأجنبي، سببه، التزاور عن الأصالة، وعدم الثقة بالنفسِ.
وتعرُّضاَ لمطامع خارجية، سببه، كل ما تقدم.
ولقد أيقن شيخ الإِسلام محمد بن عبد الوهاب - ﵀ - بألا مخرج لهذه الأمة من هذه الظلمة المطبقة إِلا بنور الكتاب والسنة.
وأيقن أن القاعدة الأولى في الإِصلاح، هي إِصلاح العقيدة وتجديد شعب الإِيمان.
وصدع شيخ الإِسلام محمد بن عبد الوهاب - ﵀ - بما أيقن به، وبدأ بما هو مفتاح الإِصلاح وعمدته وهاديه وحاديه، بدأ بالعقيدة.
[ ١٠٢ ]
وللشيخ أسلوبه المتميز في الاختصار المفيد، والتلخيص السديد.
قال - ﵀ -:
" أُشْهِدُ الله ومن حضرني من الملائكة، وأُشهِدُكُم: أني أعتقد ما اعتَقَدَته الفرقة الناجية، أهل السنة والجماعة، من الإِيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والإِيمان بالقدر خيره وشره.
ومن الإِيمان بالله، الإِيمان بما وصف به نفسه في كتابه، على لسان رسوله ﷺ من غير تحريف، ولا تعطيل، بل أعتقد أن الله ﷾ ليسَ كمثله شيءٌ وهو السميع البصير. فلا أنفي عنه ما وصف به نفسه، ولا أُحرِّف الكلم عن مواضعه، ولا أُلحد في أسمائه وآياته، ولا أُكَيِّف ولا أمثل صفاته تعالى بصفات خَلْقه، فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلا، وأحسن حديثًا، فنَزَّه نفسه عما وصفه به المخالفون من أهل التكييف والتمثيل، وعما نفاه عنه النافون من أهل التحريف والتعطيل، فقال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ - وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢]
[ ١٠٣ ]
وأعتقد أن القرآن كلام الله، مُنزل غير مخلوق، منه بدأ وإِليه يعود، وأنه تكلم به حقيقة، وأنزله على عبده ورسوله وأمينه على وحيه، وسفيره بينه وبين عباده، نبينا محمد ﷺ.
وأومن بأن الله فعّال لما يريد، ولا يكون شيء إلا بإِرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس شيءٌ في العالم يخرج عن تقديره، ولا يصدر إِلا عن تدبيره، ولا مَحيد لاتحد عن القدر المحدود، ولا يتجاوز ما خطَّ له في اللوح المسطور.
وأعتقد الإِيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، فأومن بفتنة القبر ونَعيمه، وبإِعادة الأرواحِ إِلى الأجساد، فيقوم اَلناس لرب العالمين حفاةً عَراةً غُرلاَ، تَدنو منهم الشمس، وتنُصب الموازين، وتوزن بها أعمال العباد:
﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ - وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢ - ١٠٣]
وتنشر الدواوين، فآخِذٌ كِتابه بيمينه، وآخِذٌ كتابه بشماله.
[ ١٠٤ ]
وأومن بحوض نبينا محمد ﷺ بعَرصَة القيامة، ماؤه أشدُّ بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، آنيته عدد نجوم السماء مَنْ شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا.
وأومن بأن الصراط منصوب على شَفير جهنم، يمر به الناس على قدر أعمالهم.
وأومن بشفاعة النبي ﷺ، وأنه أول شافع، وأول مُشفَّع، ولا يُنكر شفاعة النبي ﷺ إِلا أهل البدع والضلال. لكنها لا تكون إِلا من بعد الإذن والرضى، كما قال تعالى:
﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]
وهو لا يرضى إِلا التوحيد، ولا يأذن إِلا لأهله.
وأما المشركون فليس لهم من الشفاعة نصيب، كما قال تعالى:
﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]
وأومن بأن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما اليوم موجودتان، وأنهما لا يفنيان.
وأن المؤمنين يَرون ربهم بأبصارهم يوم القيامة كما
[ ١٠٥ ]
يرون القمر ليلة البدر لا يُضامون في رؤيته.
وأومن بأن نبينا محمدًا ﷺ خاتَم النبيين والمرسلين، لا يصح إِيمان عبد حتى يؤمن برسالته، ويشهد بنبوته. وأن أفضل أمته، أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى، ثم بقية العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل الشجرة أهل بيعة الرضوان، ثم سائر الصحابة ﵃.
وأتولَّى أصحاب رسول الله ﷺ، وأذكر محاسنهم، وأترضى عنهم، وأستغفر لهم، وأكف عن مساويهم، وأسكت عما شجر بينهم، وأعتقد فضلهم، عملًا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]
وأترضَّى عن أمهات المؤمنين المطهرات من كل سوء، وأُقر بكرامات الأولياء وما لهم من المكاشفات، إِلا أنهم لا يَستحقون من حق الله تعالى شيئًا، ولا يُطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله.
[ ١٠٦ ]
ولا أشهد لأحد من المسلمين بجنة ولا نار، إلا من شهد له رسول الله ﷺ، ولكني أرجو للمحسن، وأخاف على المسيء.
ولا أكفر أحدا من المسلمين بذنب، ولا أخرجه من دائرة الإسلام.
وأرى الجهاد ماضيا مع كل إمام برا كان أو فاجرا، وصلاة الجماعة خلفهم جائزة.
والجهاد ماض منذ بعث الله محمد ﷺ إلى أن يقاتل آخر هذه الأئمة الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل.
وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين، برهم وفاجرهم، ما لم يأمروا بمعصية الله.
ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به، وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت طاعتهم، وحرم الخروج عليهم.
وأرى هجر أهل البدع ومباينتهم حتى يتوبوا، وأحكم عليهم بالظاهر وأكل سرائرهم إلى الله، وأعتقد أن كل محدثة في الدين بدعة.
[ ١٠٧ ]
وأعتقد أن الإِيمان قولٌ باللسان، وعمل بالأركان، واعتقاد بالجنان، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وهو بضع وسبعون شُعبة، أعلاها: شهادة لا إِله إِلا الله، وأدناها إِماطة الأذى عن الطريق.
وأرى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما توجبه الشريعة المحمدية الطاهرة.
فهذه عقيدة وجيزة حرَّرتها وأنا مشتغل البال لتطلعوا على ما عندي والله على ما نقول وكيل " (١) .
وما برح الشيخ يدعو إِلى هذه العقيدة الصافية المنيرة، ويصدع بالتوحيد ضدّ الشرك، وبالعلم ضد الخُرافة.
وما برح يستعمل في دعوته وسائل الاتصال الشخصي، والكتاب العام، والرسالة العامة والخاصة، والرحلة، والدرس.
وما برح خصومه يَضيقَون به ذرعًا، ويُضيقون عليه المقام والطريق حتى أذن الله بالنصر والتمكين.
_________________
(١) " الدرر السنية في الأجوبة النجديّة " جمع الشيخ عبد الرحمن بن قاسم: (١ / ٢٨ - ٣٠) .
[ ١٠٨ ]