العقيدة التوقيفية الجامعة (١) لماذا هذا التتبع للعقيدة، في مصادرها العلمية، ومسارها التاريخي، القرون الأولى، ثم القرون: الرابع، والخامس، والسادس، ثم عصر ابن تيمية، ثم ما بعد ابن تيمية إِلى يوم الناس هذا؟
ولماذا الاستشهاد بنصوص اختلفت أزمانها، وتنوعت الخيارات الفقهية لقائليها؟
والجواب عن ذلك:
١ - أنَّ أصول الحق هي التي تجمع الناس، مهما تعددت أمكنتهم، ومهما باعدت بينهم الأزمنة، ومهما اختلفوا في فروع الفقه.
إِنَّ النصوص التي سقناها، والتي نقلت مفهوم العقيدة الإسلامية لدى الحنفية، والحنبلية، والمالكية، والشافعية، وابن تيمية، ومحمد بن عبد الوهاب، هذه النصوص لم تتطابق في المفهوم فحسب، وإِنما تطابقت في اللفظ كذلك.
_________________
(١) الفقرات التالية مُقتطفة من مقدمة " شرح العقيدة الطحاوية " لابن أبي العز تحقيق د / عبد الله التركي، والشيخ شعيب الأرنؤوط، الطبعة (١٤٠٨ هـ) ص (٤١ - ٤٥) .
[ ١٢٣ ]
وهذا برهان على:
ا - الصدور عن الأصلين المعصومين: الكتاب والسنة.
ب - صحة المنهج العلمي في الاعتقاد والفهم.
ج - دقة الالتزام بالمنهج.
فالحق هو الحق في كل زمان ومكان، فإِذا صح منهج التلقي، ومنهج الفهم، وحصل الصدق في الالتزام، اجتمع الناس على الحق، وإِن فصلت بينهم التخوم والقرون.
فالأنبياء والمرسلون، صلى الله عليهم وسلم اجتمعوا على أصل الديانة وإِن لم ير بعضهم بعضا، وإِن ظهروا في عصور تطاولت بينها الآماد:
﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]
والمسلمون مأمورون بالاقتداء بالأنبياء في الاجتماع على الأصول.
٢ - أنَّ العقيدة ليست مذهبًا اجتهاديًا، بل هي الميزان الثابت الذي لا يضطرب ولا يطيش.
إنَّ العقيدة هي معرفة مراد الله تعالى من الديانة، ومن
[ ١٢٤ ]
بعث الرسل، وإِنزال الكتب، وخلق الجن والإِنس، ثم الاستقامة على ذلك والعمل بمقتضاه.
والرسول ﷺ هو القدوة في العلم بمراد الله، وفي العمل بمقتضاه.
ولقد اقتدى الصحابة، ثم سائر القرون المشهود لها بالخيرية بالرسول ﷺ في الاعتقاد الحق.
وندب الله الأئمة في كل عصر لتبيين الاعتقاد الصحيح، الذي هو العقيدة التوقيفية الجامعة.
ومن القول الفصل الدالّ على أن الاعتقاد الصحيح هو الفرقان بين الحق والباطل:
أن الذين التزموا هذه العقيدة استقاموا على الطريقة، وصلحوا وأصلحوا في العلم، والدعوة، والحكم، والعمل، والجهاد.
وأن الذين شذوا عن هذه العقيدة تفرقت بهم السبل، وعقم فهمهم، واضطربت أقوالهم وأفعالهم، وفسدوا، وأفسدوا:
﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢]
يقول ابن تيمية، ﵀:
" وطريقتهم - أي أهل السنة والجماعة - هي دين الإسلام الذي بَعث الله به محمدا ﷺ، لكن لما أخبر
[ ١٢٥ ]
النبي ﷺ: أن أمته «تَفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إِلاّ واحدة» (١) وهي الجماعة، وفي حديث عنه ﷺ أنه قال: «هم مَنْ كان على مِثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» (٢) صار المتمسكون بالإِسلام المحض الخالص عن الشوب، هم أصحاب السنة والجماعة، وفيهم الصدِّيقون، والشهداء والصالحون، ومنهم أعلام الهدى ومصابيح الدجى، وأولو المناقب المأثورة، والفضائل المذكورة، وفيهم الأبدال، الأئمة الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم.
وهم الطائفة المنصورة الذين قال فيهم النبي ﷺ:
«لا تزال طائفةٌ من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرُّهم من خَذلهم ولا من خَالفهم حتى تَقوم الساعة» (٣) .
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب السنة، باب شرح السنة: (٤٥٩٧)، والترمذي في كتاب الإيمان، باب ما جاء في افتراق هذه الأمة: (٢٦٤٠، ٢٦٤١)، وابن ماجه في كتاب الفتن، باب افتراق الأمم: (٣٩٩٣)، وأحمد في مسنده: (٤ / ١٠٢)، والدارمي في كتاب السير، باب في افتراق هذه الأمة: (٢٥٢١) .
(٢) أخرجه الترمذي في كتاب الإيمان، باب ما جاء في افتراق هذه الأمة: (٢٦٤١)، والطبراني في الصغير، باب من اسمه عيسى: (٧١١) .
(٣) " مجموع الفتاوى لابن تيمية " (٣ / ١٥٩)، وتقدم تخريج الحديث الأخير في الصفحة: (٣١) .
[ ١٢٦ ]
ويقول:
ثم سأل نائب السلطان عن الاعتقاد، فقال أي ابن تيمية:
" ليس الاعتقاد لي، ولا لمن هو أكبر مني بل الاعتقاد يؤخذ عن الله ﷾، ورسوله ﷺ، وما أجمع عليه سلف الأمة، يؤخذ من كتاب الله تعالى ومن أحاديث البخاري ومسلم وغيرهما من الأحاديث المعروفة، وما ثبت عن سلف الأمة " (١) .
ويقول:
" فقلت: لا والله، ليسَ لأحمد بن حنبل في هذا اختصاص، وإنما هذا اعتقاد سلف الأمة، وأئمة أهل الحديث.
وقلت أيضًا: هذا اعتقاد رسول الله ﷺ، وكل لفظ ذكرته، فأنا أذكر به آية أو حديثًا، أو إِجماعًا سلفيًا، وأذكر من ينقل الإِجماع عن السلف من جميع طوائف المسلمين، والفقهاء الأربعة، والمتكلمين، وأهل الحديث والصوفية " (٢) .
_________________
(١) المرجع السابق: ص (٢٠٣) .
(٢) المرجع السابق: ص (١٨٩) .
[ ١٢٧ ]
٣ - أن التوجه الإِسلامي المعاصر نحو العودة إِلى الدين يجب أن يؤسس على هذه العقيدة التوقيفية الجامعة، وأن يُرد ردا جميلًا إِلى الأصول العاصمة من كل زيغ وضلال، فإِن البنيان مهما علا، فإِنه سينهار، وإن الأفق مهما اتسع، فإِنه سيعتكر ويظلم، ما لم يؤسس البنيان على العقيدة المنجية، وما لم يستضئ الأفق المتسع بنورها.
إِن هذه العقيدة الحقة هي التي تُري الانبعاث الإِسلامي الجديد: كيف يؤمن؟ وكيف يَفهم؟ وكيف يعمل؟
وهي التي تُريهم كيف يدعون إِلى الإِسلام وفق المنهج الصحيح، فيُفتون بعلم، ويدعون برفق، ويُوقرون من سبقهم من العلماء والأئمة، ويقتدون بهم ويترضون عنهم.
وكيف يحافظون على وحدة الجماعة، فما أكثر ما كان الإِمام الداعية ابن تيمية - ﵀ - يقول - في كل مجلس حوارٍ ومناقشة تقريبًا -:
" إن الله تعالى أمرنا بالجماعة والائتلاف، ونهى عن الفرقة والاختلاف. وربنا واحد، ورسولنا واحد، وكتابنا واحد، وأصول الدين ليس بين السلف وأئمة الإسلام فيها خلاف،
[ ١٢٨ ]
ولا يحل فيها الافتراق، لأن الله تعالى يقول:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] (١) [آل عمران: ١٠٣] .
ويقول: " فالواجب على المسلم إِذا صار في مدينة من مدائن المسلمين أن يصلي معهم الجمعة والجماعة، ويوالي المؤمنين ولا يعاديهم، وإن رأى بعضهم ضالا أو غاويا، وأمكن أن يهديه ويرشده فعل ذلك، وإِلا فلا يكلف الله نفسًا إِلا وسعها " (٢) .
والعلاقة وثيقة في منهج الإِسلام بين توحيد الله، ووحدة الجماعة.
فقد تابع الرسول ﷺ بين توحيد الله، ووحدة الجماعة، فقال:
«إِن الله يرضى لكم ثلاثًا، ويكره لكم ثلاثًا؛ يرضى لكم: أن تعبدوا الله ولا تُشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تُناصحوا من وَلاه الله أمركم، ويسخطُ لكم: قيل وقال، وإِضاعة المَال، وكثرة السؤال» (٣) .
_________________
(١) مجموع الفتاوى لابن تيمية ": (٣ / ٢٠٥) .
(٢) المرجع السابق: ص (٢٨٦) .
(٣) رواه أحمد في مسنده: (٢ / ٣٦٧) .
[ ١٢٩ ]