١٠ - تحديد الألفاظ المتنازع عليها وتعيين مدلولاتها: لقد اشتدت عناية السلف في تحديد الألفاظ، وتعيين مدلولاتها، لأن كثيرًا من الفرق يحتجون بألفاظ متشابهة مجملة يعارضون بها نصوص الكتاب والسنة، وتلك الألفاظ قد وردت في الكتاب، والسنة، وكلام الناس بمعانٍ أُخر غير المعاني التي قصدوها هم بها، فمثلًا التوحيد عند المتكلمين: هو الإِقرار بأن الله واحد في ذاته لا قسيم له، وواحدٌ في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له.
وهذا التعريف لا يتعدى توحيد الربوبية.
والتوحيد الذي جاء به الرسول ﷺ، هو إِثبات الإلهية لله وحده، بأَن يشهد أن لا إِله إِلا الله، ولا يعبد إِلا إِياه، ولا يتوكل إِلا عليه، ولا يوالي إلِا له، ولا يُعادي إِلاَ فيه، ولا يعملَ إِلاَ لأجلِه.
وذلك يتضمن توحيد الربوبية ويتضمن ما أثبته لنفسه.
والألفاظُ نوعان: نوعٌ جاء به الكتاب والسنة، فيجب
[ ١٤٦ ]
على كلِّ مؤمن أن يقِرَّ بموجب ذلك، فيثبت ما أثبته الله ورسوله ﷺ، ومن تمام العلم أن يَبْحَثَ عن مرادِ رسوله بها، ليُثبتَ ما أَثْبَتَه، وينفي ما نفاه من المعاني.
وأما الألفاظُ التي ليست في الكتاب والسنة، ولا اتفق السلف على إِثباتها ونفيها، فهذه ليس على أحد أن يوافق من نفاها أو أثبتها حتى يستفسر عن مراده، فإِن أراد بها معنى يوافق خبر الرسول، أقر به، وإِن أراد بها معنى يخالف خبر الرسول، أنكره.
يقول شيخ الإِسلام ابن تيمية (١) - ﵀ -:
" وإِذا كان المتكلم في مقام الإِجابة لمن عارضه بالعقل، وادعى أن العقل يعارض النصوص، فإِنه قد يحتاج إِلى حل شبهته، وبيان بطلانها، فإِذا أخذ النافي يذكر ألفاظا مجملة، مثل أن يقول: لو كان استوى على العرش لكان جسمًا أو مركَّبًا، وهو منزَّهٌ عن ذلك، ولو خَلَقَ واستوى، وأتى لفصل القضاء، لكانت تحُلُّة الحوادثُ وهو منزَّهٌ عن ذلك، ولو قامت به الصفات لحلَّته الأعراض وهو منزَّهٌ عن
_________________
(١) " درء تعارض العقل والنقل " لابن تيمية: (١ / ٢٣٨ - ٢٣٩) .
[ ١٤٧ ]
ذلك.
فهنا يستفصلُ السائل ويقول له: ماذا تريد بهذه الألفاظ المُجملة؟
فإِن أراد بها حقًا وباطلًا، قُبِلَ الحقُّ، ورُدَّ الباطل، مثل أن يقول: أنا أريد بنفي الجسم نفيَ قيامه بنفسه، وقيام الصفات به، ونفي كونِه مركبًا، فنقول: هو قائم بنفسه، وله صفات قائمة به، وأنتَ إِذا سَمَّيتَ هذا تجسيمًا، لم يَجُز أن أدَعَ الحق الذي دل عليه صحيح المنقول، وصريح المعقول، لأجل تسميتك أنت له بهذا.
وأما قولك: " ليس مركَّبًا "، فإن أردتَ به أنه سبحانه رَكَّبَهُ مركِّب، أو كان متفرِّقًا، فَتَركَّب، وأنه يمكنُ تفرُّقُه وانفصالُه، فالله تعالى منزَّهٌ عن ذلك، وإِن أردت أنه موصوفٌ بالصفات مباينٌ للمخلوقات، فهذا المعنى حقٌ، ولا يجوز رده لأجل تسميتك له مركَّبًا، فهذا ونحوه مما يجاب به ".
ويقول أيضًا:
" فليس لأحدٍ أن يقول: إِن الألفاظ التي جاءت في القرآن موضوعة لمعان، ثم يريد أن يفسر مراد الله بتلك
[ ١٤٨ ]
المعاني، هذا من فعل المفترين، فإِن هؤلاء عمدوا إِلى المعاني، وظنوها ثابتة، فجعلوها هي معنى الواحد، والوجوب، والغنى، والقدم، ونفي المثل.
ثم عمدوا إِلى ما جاء في القرآن من تسمية الله تعالى بأنه أحدٌ وواحدٌ، ونحو ذلك من نفي المثل والكُفْءِ، فقالوا: هذا يَدُلّ على المعاني التي سميناها بهذه الأسماء، وهذا من أعظم الافتراءِ على الله " (١) .