الإمام أحمد بن محمد بن حنبل: (١) .
قال الإِمام أحمد ابن حنبل رحمه الله تعالى: (٢) .
" أصول السُّنَّةِ عندنا: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ، والاقتداء بهم، وترك البدع، وكل بدعة فهي ضلالة، وترك الخصومات، والجلوس مع أصحاب الأهواء، وترك المراء والجدال، والخصومات في الدين.
والسنة عندنا: آثار رسول الله ﷺ.
والسنة تفسر القرآن، وهي دلائل القرآن.
ومن السنة اللازمة التي مَن ترك منها خصلة لم يَقبلها ويؤمن بها، لم يكن من أهلها: الإيمان بالقدر خيره وشره، والتصديق بالأحاديث فيه، والإِيمان بها، لا يقال: لم؟ ولا كيف؟ إِنما هو التصديق بها والإيمان بها.
ومن لم يعرف تفسير الحديث ويبلغه عقله، فقد كُفي ذلك وأحكم له، فعليه الإِيمان به، والتسليم له، مثل
_________________
(١) أحمد بن محمد بن حنبل، أبو عبد الله الشيباني، أحد الأئمة الأربعة، توفي ببغداد سنة (٢٤١ هـ)، " سير أعلام النبلاء ": (١١ / ١٧٧ - ٣٥٧) .
(٢) انظر: " شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة " للالكائي: (١ / ١٥٦ - ١٦٤) .
[ ٥١ ]
حَديث الصادق المصدوق (١) وما كان مثله في القدر، ومثل أحاديث الرؤية كلها، وإِن نَبت عن الأسماع، واستوحش منها المستمع، فإِنما عليه الإِيمان بها، وألا يردَّ منها حَرفًا واحدًا، وغيرها من الأحاديث المأثورات عن الثقات.
وأن لا يخاصم أحدًا ولا يُناظره، ولا يتعلم الجدل، فإِن الكلام في القدر والرؤية والقرآن، وغيرها من السنن، مكروه منهي عنه، ولا يكون صاحبه إِن أصاب بكلامه السنة: من أهل السنة حتى يدع الجدل ويسلم، ويؤمن بالآثار.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب القدر، باب في القدر: (٦٥٩٤)، ومسلم في كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه. . .: (٢٦٤٣)، وأبو داود في كتاب السنة، باب في القدر: (٤٧٠٨)، والترمذي في كتاب القدر، باب ما جاء في أن الأعمال بالخواتيم: (٢١٣٧)، وابن ماجه في المقدمة، باب في القدر: (٧٦)، من حديث عبد الله بن مسعود، قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: " إِنَّ أحدَكُم يُجمع خَلقُه في بطنِ أمه أربعين يوما، ثم يكون في ذلك عَلقةً مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مُضغةً مثل ذلك، ثم يُرسل الملَك فيَنفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد. فوالذي لا إِله غيره إِن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إِلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها. وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إِلا ذراع، فيَسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها ".
[ ٥٢ ]
والقرآن كلام الله، وليسَ بمخلوق، ولا تضعف أن تقول: ليس بمخلوق، فإِن كلام الله منه، وليس منه شيء مخلوق، وإِياك ومناظرة من أحدث فيه، ومن قال باللفظ وغيره، ومن وقف فيه، فقال: لا أدري مخلوق أو ليس بمخلوق، وإِنما هو كلام الله، وليس بمخلوق.
والإِيمان بالرؤية يوم القيامة، كما روي عن النبي ﷺ من الأحاديث الصحاح.
والإِيمان بالميزان كما جاء، وتوزن أعمال العباد كما جاء في الأثر.
وأنَّ الله ﵎ يكلم العباد يوم القيامة ليس بينهم وبينه ترجمان.
والإِيمان بالحوض، وأن لرسول الله ﷺ حوضًا يوم القيامة ترد عليه أُمته، عرضه مثل طوله مَسيرة شهر، آنيته كعدد نجوم السماء على ما صحت به الأخبار من غير وجه.
والإِيمان بعذاب القبر، وأن هذه الأمة تُفتن في قبورها وتُسأل عن الإِيمان، والإِسلام، ومن ربه، ومن نبيه؟ ويأتيه منكر ونكير كيف شاء الله ﷿، وكيف أراد.
[ ٥٣ ]
والإِيمان بشفاعة النبي ﷺ، وبقوم يخرجون بعدما احترقوا وصاروا فحمًا، فيؤمر بهم إِلى نهر على باب الجنة كما جاء في الأثر، كيف شاء الله، وكما شاء.
والإِيمان أن المسيح الدجال خارج، مكتوب بين عَينيه: كافر، والأحاديث التي جاءت فيه، والإِيمان بأن ذلك كائن، وأن عيسى ابن مريم ينزل فيقتله بباب لُد.
والإِيمان قولٌ وعمل يزيد وينقص، كما جاء في الخبر: «أكمل المؤمنين إِيمانًا أحسنهم خلقًا» (١) .
وخيرُ هذه الأمة بعد نبيها، أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، نقدم هؤلاء الثلاثة، كما قدمهم أصحاب رسول الله ﷺ لم يختلفوا في ذلك.
ثم بعد هؤلاء الثلاثة أصحاب الشورى الخمسة: علي بن أبي طالب، وطَلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف،
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب السنة، باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه: (٤٦٨٢)، والترمذي في كتاب الرضاع، باب حق المرأة على زوجها: (١١٦٢)، وأحمد في مسنده: (٢ / ٢٥٠، ٤٧٢)، وصححه ابن حبان في كتاب البر والإحسان، باب حسن الخلق: (٤١٧٦)، والحاكم في كتاب الإيمان: (١ / ٣)، ووافقه الذهبي.
[ ٥٤ ]
وسعد، كلهم يصلح للخلافة، وكلهم إِمام.
ثم من بعد أصحاب الشورى، أهل بدر من المهاجرين، ثم أهل بدر من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ، على قدر الهجرة والسابقة أولًا فأول.
ثم أفضل الناس بعد هؤلاء، أصحاب رسول الله ﷺ القرن الذي بعث فيهم.
كل من صحبه سنة، أو شهرا، أو يوما، أو ساعة، أو رآه ساعةً فهو من أصحابه، له من الصّحْبَةِ على قدر ما صحبه، وكانت سابقته معه، وسمع منه، ونظر إِليه.
فأدناهم صحبة هو أفضل من القَرن الذين لم يروه ولو لقوا الله بجميع الأعمال.
كان هؤلاء الذين صحبوا النبي ﷺ ورأوه وسمعوا منه.
ومن رآه بعينه وآمن به ولو ساعة (١) أفضل بصحبته من التابعين ولو عملوا كل أعمال الخير.
والسمع والطاعة للأئمة.
وأمير المؤمنين، البَر والفاجر، من ولي الخلافة فاجتمع
_________________
(١) المقصود: أي رآه ولو ساعة.
[ ٥٥ ]
الناس عليه ورضوا به، ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسُمي أمير المؤمنين.
والغزو ماضٍ مع الأمراء إِلى يوم القيامة، البَر والفاجر لا يترك.
وقسمة الفَيء، وإِقامة الحدود إِلى الأئمة ماضٍ ليس لأحد أن يطعن عليهم ولا ينازعهم، ودفع الصدقات إِليهم جائزة ونافذة، من دفعها إِليهم أجزأت عنه، برًا كان أو فاجرًا.
وصلاة الجُمعة خلفه وخلف من ولي جائزة تامة، ركعتان من أعادهما فهو مبتدع، تارك للآثار، مخالف للسنة، ليس له من فضل الجمعة شيء إِذا لم ير الصلاة خلف الأئمة من كانوا، برهم وفاجرهم، فالسنة أن تصلي معهم ركعتين، من أعادهما فهو مبتدع، وتدين بأنها تامة ولا يكن في صدرك من ذلك شك.
ومن خرج على إِمام المسلمين، وقد كان الناس اجتمعوا عليه، وأقروا له بالخلافة، بأي وجه كان، بالرضى أو بالغلبة، فقد شق هذا الخارج عصا المسلمين، وخالف الآثار عن رسول الله ﷺ، فإِن مات الخارج عليه، مات ميتة جاهلية.
[ ٥٦ ]
ولا يَحل قتال السلطان، ولا الخروج عليه لأحدٍ من الناس، فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق.
ولا يشهد على أهل القبلة بعمل يعمله بجنةٍ ولا نار، يرجو للصالح ويخاف عليه، ويخاف على المسيء المذنب ويرجو له رحمة الله.
ومن لقي الله بذنب تجب له به النار، تائبًا غير مُصِرٍّ عليه، فإِن الله ﷿ يتوب عليه، ويقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات.
ومن لقيه وقد أقيم عليه حدّ ذلك الذنب في الدنيا فهو كفارته كما جاء الخبر عن رسول الله ﷺ (١) .
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الإِيمان، باب علامة الإِيمان حب الأنصار: (١٨)، ومسلم في كتاب الحدود، باب الحدود كفارات لأهلها: (١٧٠٩)، والترمذي في كتاب الحدود، باب ما جاء أن الحدود كفارةٌ لأهلها: (١٤٣٩)، والنسائي في كتاب البيعة، باب البيعة على فراق المشرك: (٤١٧٨)، وأحمد في مسنده: (٥ / ٣١٤، ٣٢٠)، والدارمي في كتاب السير، باب في بيعة النبي ﷺ: (٢٤٥٧)، عن عبادة بن الصامت قال: كنا مع رسول الله ﷺ في مجلس فقال: " بايعونى على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا ثم ستره الله، فهو إِلى الله؛ إِن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه "، فبايعناه على ذلك. (واللفظ للبخاري) .
[ ٥٧ ]
ومن لقيه مُصرًّا غير تائب من الذنوب التي قد استوجبت بها العقوبة، فأمره إِلى الله ﷿ إِن شاء عذّبه، وإِن شاء غفر له، ومن لقيه كافرًا عذّبه ولم يَغفر له.
والرجم حق على من زنى وقد أُحصن إِذا اعترف، أو قامت عليه بينة. وقد رجم رسول الله ﷺ، وقد رَجم الأئمة الراشدون.
ومن انتقص أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ، أو أبغضه لحدثٍ كان منه، أو ذكر مساوئه، كان مبتدعًا حتى يترحم عليهم جميعًا ويكون قلبه لهم سليمًا.
والنفاق هو الكفر، أن يكفر بالله، ويعبد غيره، ويظهر الإِسلام في العلانية، مثل المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ.
وهذه الأحاديث التي جاءت نرويهِا كما جاءت ولا نفسرها.
مثل: «لا تَرجعوا بعدي كفاراَ يَضرب بعضكم رقابَ بعض» (١) .
_________________
(١) أخرجه البخاري واللفظ له، في كتاب الأدب، باب ما جاء في قول الرجل " ويلك ": (٦١٦٦)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان معنى قول النبي ﷺ " لا ترجعوا بعدي كفارًا. . " إِلخ: (٦٦)، وأبو داود في كتاب السنة، باب الدليل على زيادة الإِيمان ونقصانه: (٤٦٨٦)، والنسائي في كتاب تحريم الدم، باب تحريم القتل: (٤١٢٥)، وأحمد في مسنده: (٢ / ٨٥، ٨٧، ١٠٤) .
[ ٥٨ ]
ومثل: «إِذا التَقى المسلمان بسيفيهما فالقاتِل والمَقتول في النار» (١) .
ومثل: «سباب المسلم فُسوق وقِتاله كفر» (٢) .
ومثل: «أَيما رجل قال لأخيه: يا كافر فقد باءَ بها أحَدهما» (٣) .
ومثل: «. . . كُفْرٌ بالله تَبرؤٌ من نَسَب وإنْ دَقّ» (٤) .
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الإِيمان، باب (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا. . .): (٣١)، ومسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب إِذا تواجه المسلمان بسيفيهما: (٢٨٨٨) .
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن. . . إِلخ: (٤٨)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب قول النبي ﷺ " سباب المسلم. . " إِلخ: (٦٤)، والترمذي في كتاب البر والصلة، باب ما جاء في الشتم: (١٩٨٣)، والنسائي في كتاب تحريم الدم، باب قتال المسلم: (٤١٠٥) .
(٣) أخرجه البخاري واللفظ له في كتاب الأدب، باب من أكفر أخاه. . إِلخ: (٦١٠٤)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان حال إِيمان من قال لأخيه: يا كافر: (٦٠) .
(٤) رواه الدارمي في كتاب الفرائض، باب من ادعى إِلى غير أبيه: (٢٨٦٤)، وأبو بكر المروزي في " مسند أبي بكر الصديق " برقم: (٩٠)، وأورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "، كتاب الإِيمان، باب فيمن ادعى غير نسبه. . . إِلخ: (١ / ٩٧) .
[ ٥٩ ]
ونحوه من الأحاديث مما قد صح وحُفظ، فإِنا نسلم له، وإِن لم يعلم تفسيرها، ولا يتكلم فيه، ولا يجادل فيه، ولا نُفسر هذه الأحاديث إِلا مثل ما جاءت ولا نردها إلا بأحقّ منها.
والجنة والنار مخلوقان قد خُلِقتا كما جاء عن رسول الله ﷺ، فمن زعم أنهما لم تخلقا فهو مكذب بالقرآن وأحاديث رسول الله ﷺ، ولا أحسبه يؤمن بالجنة والنار.
ومن مات من أهل القبلة موحدًا يُصلَّى عليه، ويستغفر له، ولا تترك الصلاة عليه لذنب أذنبه صغيرًا كان أو كبيرًا، وأمره إِلى الله ﷿ " (١) .
_________________
(١) " شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة " للالكائي: (١ / ١٥٦ - ١٦٤) .
[ ٦٠ ]