الإمام الشافعي: (١) .
قال الإِمام الشافعي - رحمه الله تعالى -: " الإِيمان قول وعمل، ويزيد وينقص.
وسأله رجل: أي الأعمال عند الله أفضل؟ فقال ما لا يقبل عملًا إِلا به. قال: وما ذاك؟ قال: الإِيمان بالله الذي لا إِله إِلا هو، أعلى الأعمال درجة، وأشرفها منزلة، وأسناها حظًا، قال الرجل: ألا تخبرني عن الإِيمان؛ قول وعمل أو قول بلا عمل؟
فقال: الإيمان عمل لله، والقول بعض ذلك العمل.
وإن الإيمان حالات ودرجات وطبقات، فمنها التام المنتهي تمامُه، والناقص البَيِّن نقصانُه، والراجح الزائد رجحانُه.
فقال الرجل: وإِن الإِيمان ليتمّ وينقص ويزيد؟
قال الشافعي: نعم.
قال: وما الدليل على ذلك؟
قال: إِن الله جلَّ ذكره فرض الإِيمان على جوارح بني
_________________
(١) محمد بن إِدريس بن العباس بن عثمان، أبو عبد الله الهاشمي القرشي، أحد الأئمة الأربعة، توفي في القاهرة سنة (٢٠٤ هـ)، " سير أعلام النبلاء ": (١٠ / ٥ - ٩٩) .
[ ٤٦ ]
آدم فقسمه فيها، وفرقه عليها، فليصر من جوارحه جارحة إِلا وقد وُكلت من الإِيمان بغير ما وكلت به أختها بفرضٍ من الله تعالى.
فمن لقي الله حافظًا لصلواته حافظًا لجوارحه، مؤديًا بكل جارحة من جوارحه ما أمر الله به وفرض عليها، لقي الله مستكملَ الإِيمان من أهل الجنة.
ومن كان لشيءٍ منها تاركًا متعمدًا، مما أمر الله به لقي الله ناقص الإِيمان.
قال الرجل: قد عرفت نقصانه وإِتمامه، فمن أين جاءت زيادته؟
فقال الشافعي: قال الله جلَّ ذكره: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة: ١٢٤]
ولو كان هذا الإِيمان كله واحدًا لا نقصان فيه ولا زيادة، لم يكن لأحدٍ فيه فضل، واستوى الناس وبطل التفضيل.
ولكن بتمام الإِيمان دخل المؤمنون الجنة.
وبالزيادة في الإِيمان تفاضَل المؤمنون بالدرجات عند
[ ٤٧ ]
الله في الجنة.
وبالنقصان من الإِيمان دخل المُفرِّطون النار (١) .
وقال - رحمه الله تعالى - في قوله ﷿: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]
هذا دليل على أن أولياءَه يرونه يوم القيامة، فلما حجبهم بالسخط، كان هذا دليلًا على أنهم يرونه في الرضا (٢) .
وقال: لله أسماء وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيّه ﷺ أُمّته، لا يَسَع أحدًا قامت عليه الحجة رَدّها، لأن القرآن نزل بها، وصَحَّ عن رسول الله ﷺ القول بها، فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه؛ فهو كافر، فأما قبل ثبوت الحجة فمعذور بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يُدرَكُ بالعقل، ولا بالروية والفِكر. ولا نُكَفِّر بالجهل بها أحدًا إِلا بعد انتهاء الخبر إِليه بها.
ونُثبتُ هذه الصفات وننفي عنها التَّشبيه كما نَفاه عن
_________________
(١) " مناقب الشافعي " للبيهقي: (١ / ٣٨٧ - ٣٩٣) .
(٢) نفس المصدر: (١ / ٤٢٠) .
[ ٤٨ ]
نفسه، فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (١) [الشورى: ١١] .
والقرآن كلام الله تعالى غير مخلوق (٢) ومشيئةُ العباد هي إِلى الله تعالى، ولا يَشاؤون إِلا أنْ يَشاء الله ربُّ العالمين، فإِن الناس لم يخلقوا أعمالهم، وهي خَلقُ مِنْ خَلْقِ الله تعالى، وإِن القدرَ خيرَه وشرّه من الله ﷿، وإِن عذابَ القبر حق، ومُساءَلَةَ أهل القبور حق، والبعثَ حق، والحسابَ حق، والجنة والنار، وغير ذلك مما جاءت به السُّنن فظهر على ألسنة العلماء وأتباعهم من بلاد المسلمين، حق (٣) . وأفضل الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي رضوان الله عليهم (٤) .
وقد أثنى الله على أصحاب رسول الله ﷺ في القرآن، وسبق لهم على لسان رسول الله ﷺ من الفضل ما ليس لأحدٍ بعدهم، وهم أدّوا إِلينا سنن رسول الله ﷺ، وشاهدوه
_________________
(١) " سير أعلام النبلاء ": (١٠ / ٧٩ - ٨٠) .
(٢) " مناقب الشافعي ": (١ / ٤٠٧) .
(٣) نفس المصدر: (١ / ٤١٥) .
(٤) نفس المصدر: (١ / ٤٣٣) .
[ ٤٩ ]
والوحي ينزل عليه، فعلموا ما أراد رسول الله ﷺ عامًّا وخاصًّا وعزمًا وإِرشادًا، وعرفوا من سنته ما عرفنا وجهلنا، وهم فوقنا في كل علمٍ واجتهاد، وآراؤهم لنا أحمد، وأولى بنا من آرائنا عندنا لأنفسنا (١) .
ولا يَلْزَمُ قولٌ بكل حالٍ إِلا بكتاب الله أو سنَّة رسوله ﷺ، وإِن ما سواهما تَبعٌ لهما، وكلّ مُتكلمٍ على الكتاب والسنة فهو الحد الذي يجب، وكل متكلمٍ على غير أصل كتابٍ ولا سُنة فهو هَذَيان، والله أعلم " (٢) .
_________________
(١) نفس المصدر: (١ / ٤٤٢) .
(٢) نفس المصدر: (١ / ٤٧٠، ٤٧٥) .
[ ٥٠ ]