١٥ - موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول: فكُلّ ما ثبت من مسائل العقيدة في الكتاب، والسنة، يصدقها العقل الكامل الصحيح الذي يُستخدم بدقةِ وإِمعانٍ، لأن العقل الصريح في دلالته على المراد، لا يمكن أن يخالف المنقول الصحيح الثابت، لأن العقل والنقل وسيلتان لغايةٍ واحدةٍ، هي الوصولُ إِلى الله، والوسائل التي تؤدِّي إِلى غايةٍ واحدةٍ لا يمكن لها أن تتعارض.
يقول شيخ الإِسلام ابن تيمية:
" المنقول الصحيح لا يعارضه معقول صريح قط، وقد تأملت ما تنازع فيه الناس، فوجدت ما خالف النصوص الصريحة شبهات فاسدة يُعلم بالعقل بطلانها، بل يعلم بالعقل ثبوت نقيضها الموافق للشرع، وهذا تأملته في مسائل الأصول الكبار، كمسائل التوحيد والصفات، ومسائل القدر، والنبوات، والمعاد، وغير ذلك.
ووجدت ما يعلم بصريح العقل لم يخالفه السمع، الذي يقال إِنه يخالفه: إِما حديثٌ موضوعٌ، أو دلالةٌ ضعيفةٌ، فلا يصلح أن يكون دليلًا لو تجرد عن معارضة العقل الصريح، فكيف إِذا خالفه صريح المعقول!
[ ١٥٧ ]
ونحن نعلم أن الرسل لا يُخبِرون بمحالات العقول، بل بمحارات العقول، فلا يخبرون بما يعلم العقل انتفاءه، بل يخبرون بما يعجز العقل عن معرفته.
١٦ - عدم جواز تكفير المسلم بذنب فعله إذا كان دون الشرك الأكبر، وكان هذا الذنب مما اختلف فيه، ولا بخطأ أخطأ فيه: يقول شيخ الإِسلام ابن تيمية (١) - ﵀ - وهو بصدد الحديث عن قاعدة أهل السنة والجماعة في أهل الأهواء والبدع:
" ولا يجوز تكفير المسلم بذنب فعله، ولا بخطأ أخطأ فيه، كالمسائل التي تنازع فيها أهل القبلة، فإن الله تعالى قال:
﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] وقد ثبث في الصحيح أن الله تعالى أجاب هذا الدعاء، وغفر للمؤمنين خطأهم (٢)
_________________
(١) " مجموعة الفتاوى لابن تيمية ": (٣ / ٢٨٢ - ٢٨٥) .
(٢) أخرج مسلم في صحيحه في كتاب الإِيمان، باب بيان أنه ﷾ لم يكلف إِلا ما يطاق: (١٢٦)، والترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب " ومن سورة البقرة ": (٢٩٩٢) عن ابن عباس ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية: (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله) [البقرة: ٢٨٤]، قال: دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء فقال النبي ﷺ: " قولوا: سمعنا وأطعنا وسلّمنا " قال: فألقى الله الإِيمان في قلوبهم فأنزل الله ﷿: (لا يكلف الله نفسًا إِلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إِن نسينا أو أخطأنا)، قال: قد فعلت، (ربنا ولا تحمل علينا إِصرا كما حملته على الذين من قبلنا)، قال: قد فعلت، (واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا)، قال: فعلت [الآية من سورة البقرة: ٢٨٦] . كما أخرجه مسلم من طريق آخر من حديث أبي هريرة ﵁: (١٢٥) .
[ ١٥٨ ]
والخوارج المارقون الذين أمر النبي ﷺ بقتالهم قاتلهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب أحد الخلفاء الراشدين، واتفق على قتالهم أئمةُ الدين من الصحابة والتابعين من بعدهم، ولم يُكَفِّرهم عليُّ بن أبي طالب، وسعدُ بن أبي وقاص، وغيرهما من الصحابة، بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم، ولم يقاتلهم عليّ حتى سفكوا الدم الحرام، وأغاروا على أموال المسلمين، فقاتلهم لدفع ظلمهم وبغيهم، لا لأنهم كفارٌ، ولهذا لم يسبِ حريمهم، ولم يَغْنَمْ أموالهم.
وإِذا كان هؤلاء الذين ثبت ضلالهم بالنص والإِجماع لم يكفروا مع أمر الله ورسوله ﷺ بقتالهم، فكيف بالطوائف المختلفين الذين اشتبه عليهم الحق في مسائل غلِط فيها من هو أعلم منهم!
[ ١٥٩ ]
فلا يحلُّ لإِحدى هذه الطوائف أن تُكفِّرَ الأخرى ولا تستحل دمها ومالها، وإِن كانت فيها بدعة محققة، فيكف إِذا كانت المكفرة لها مبتدعةً أيضًا!
وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ. والغالب أنهم جميعًا جُهالٌ بحقائق ما يختلفون فيه.
والأصل أن دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم محرمةٌ من بعضهم على بعض، لا تَحِلّ إِلا بإِذن الله ورسوله.
قال النبي ﷺ لمَّا خطبهم في حجة الوداع:
«إِن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا» (١) .
وقال ﷺ: «كلُّ المسلم على المسلم حرامٌ: دمُهُ، وماله، وعِرضُه» (٢) .
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب قول النبي ﷺ: " رب مبلغ أوعى من سامع ": (٦٧)، ومسلم في كتاب القسامة، باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال: (١٦٧٩)، والترمذي في كتاب الفتن، باب ما جاء دماؤكم وأموالكم. . إِلخ: (٢١٥٩)، وابن ماجه في كتاب المناسك، باب الخطبة يوم النحر: (٣٠٥٥، ٣٠٥٧، ٣٠٥٨)، وأحمد في مسنده: (١ / ٢٣٠) .
(٢) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة، باب تحريم ظلم المسلم وخذله. . إِلخ: (٢٥٦٤)، وأبو داود في كتاب الأدب، باب في الغيبة: (٤٨٨٢)، والترمذي في كتاب البرّ والصلة، باب ما جاء في شفقة المسلم على المسلم: (١٩٢٧)، وابن ماجه في كتاب الفتن، باب حرمة دم المؤمن وماله: (٣٩٣٣)، وأًحمد في مسنده: (٢ / ٢٧٧، ٣٦٠) .
[ ١٦٠ ]
وقال ﷺ: «من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله، وذمة رسوله فلا تُخفروا الله في ذمته» (١) .
وقال: «إِذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار " قيل: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بالُ المقتول؟ قال: " إِنه أراد قتل صاحبه» (٢) .
وقال: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» (٣) .
وقال: «أيما رجل قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما» (٤) .
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب فضل استقبال القبلة. . إِلخ: (٣٩١)، والنسائي في كتاب الإيمان وشرائعه، باب صفة المسلم: (٤٩٩٧) .
(٢) تقدم تخريجه في الصفحة (٥٩) .
(٣) تقدم تخريجه في الصفحة (٥٨) .
(٤) تقدم تخريجه في الصفحة (٥٩) .
[ ١٦١ ]
هذه الأحاديث كلها في الصحاح.
إِذا كان المسلم متأولا في القتال أو التكفير لم يكفر بذلك، كما قال عمر بن الخطاب في حاطب بن أبي بلتعة: «يا رسول الله، دعني أضرب عُنُقَ هذا المنافق، فقال النبي ﷺ: " إِنه قد شهد بدرا، وما يدريك، لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» وهذا في " الصحيحين " (١) .
وفيهما أيضًا من حديث الإِفك: «أن أُسيدَ بن الحُضير قال لسعد بن عبادة: إِنك منافقٌ تُجادلُ عن المنافقين، واختصم الفريقان، فأصلح النبي ﷺ بينهم» (٢) فهؤلاء البدريون فيهم مَنْ قال لآخر منهم: إنك منافق، ولم يكفِّر النبي ﷺ
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب من شهد بدرًا: (٣٩٨٣)، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أهل بدر ﵁. . . إلخ: (٢٤٩٤) .
(٢) أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب حديث الإفك: (٤١٤١)، ومسلم في كتاب التوبة، باب في حديث الإفك. . إلخ: (٢٧٧٠) .
[ ١٦٢ ]
لا هذا، ولا هذا، بل شَهِدَ للجميع بالجنة.
وكذلك ثَبَتَ في " الصحيحين " (١) عن أسامة بن زيد «أنه قتل رجلًا بعدما قال: لا إِله إِلاَ الله، وعظَم النبي ﷺ ذلك لما أخبره، وقال: " يا أسامة، أَقَتَلْتَهُ بعدما قال: لا إِلى إِلا الله! " وكرر ذلك عليه حتى قال أسامةُ: تمنَّيتُ أني لم أكن أسلمتُ إِلا يومئذ» .
ومع ذلك لم يوجب عًليه قَوَدًا ولا ديةً ولا كفّارة، لأنه كان متأولًا ظن جواز قتل ذلك القائل لظنه أنه قالها تعوّذًا.
وهكذا السلفُ قاتل بعضُهم بعضًا من أهل الجمل وصفِّين ونحوهم، وكلّهم مسلمون مؤمنون، كما قال تعالى:
﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩]
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الديات، باب قول الله تعالى: (ومن أحياها. .): (٦٨٧٢)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله: (٩٦، ٩٧) .
[ ١٦٣ ]
فقد بيَّن الله تعالى أنهم مع اقتتالهم وبغي بعضهم على بعض إِخوة مؤمنون، وأمَرَ بالإِصلاح بينهم بالعدل، ولهذا كان السلفُ مع الاقتتال يوالي بعضُهم بعضًا موالاةَ الدِّين، لا يُعادُون كمعاداة الكفَّار، فيقبلُ بعضُهم شهادة بعضٍ، ويأخذ بعضهم العلم عن بعض، ويتوارثون، ويتناكحون، ويتعاملون بمعاملة المسلمين بعضهم مع بعض، مع ما كان بينهم من القتال والتلاعن وغير ذلك.
[ ١٦٤ ]