• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والله سبحانه بعث الرسل وأنزل الكتب؛ بأن يكون هو المعبود وحده لا شريك له وإنما يعبد بما أمر به على ألسن رسله. وأصل عبادته معرفته بما وصف به نفسه في كتابه وما وصفه به رسله؛ ولهذا كان مذهب السلف أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه وما وصفه به رسله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل والذين ينكرون بعض ذلك ما قدروا الله حق قدره وما عرفوه حق معرفته ولا وصفوه حق صفته ولا عبدوه حق عبادته. والله سبحانه قد ذكر هذه الكلمة ﴿ما قدروا الله حق قدره﴾ في ثلاث مواضع [الأنعام: الآية: ٩١]، [الحج: الآية: ٧٤]، [الزمر: الآية: ٦٤]؛ ليثبت عظمته في نفسه وما يستحقه من الصفات وليثبت وحدانيته وأنه لا يستحق العبادة إلا هو وليثبت ما أنزله على رسله فقال في الزمر: ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة﴾ الآية [الزمر: الآية: ٦٤]. وقال في الحج: ﴿ضعف الطالب والمطلوب﴾ [الحج: الآية: ٧٣]، ﴿ما قدروا الله حق قدره﴾ [الحج: الآية: ٧٤]، وقال في الأنعام: ﴿وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء﴾ [الأنعام: الآية: ٩١].
وفي المواضع الثلاثة ذم الذين ما قدروه حق قدره من الكفار فدل ذلك على أنه يجب على المؤمن أن يقدر الله حق قدره كما يجب عليه أن يتقيه حق تقاته وأن يجاهد فيه حق جهاده قال تعالى: ﴿وجاهدوا في الله حق جهاده﴾ [الحج: الآية: ٧٨]، وقال: ﴿اتقوا الله حق تقاته﴾ [آل عمران: الآية: ١٠٢]، والمصدر هنا مضاف إلى المفعول والفاعل مراد أي حق جهاده
[ ٣٥١ ]
الذي أمركم به وحق تقاته التي أمركم بها واقدروه قدره الذي بينه لكم وأمركم به فصدقوا الرسول فيما أخبر وأطيعوه فيما أوجب وأمر.
ودلت الآية على أن له قدرا عظيما؛ لا سيما قوله: ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه﴾ [الزمر: الآية: ٦٧]، وفي تفسير ابن أبي طلحة عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) قال: من آمن بأن الله على كل شيء قدير فقد قدر الله حق قدره" (^١).