• قال رسول الله-ﷺ-لمعاذ بن جبل (ت: ١٨ هـ) ﵁: «إنك تقدم على قومٍ من أهل الكتاب، فليكن أوَّل ما تدعوهم إليه أن يوحِّدوا الله - تعالى ..» (^١).
• قال ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ) ﵀: "قوله: «ستأتي قومًا أهل كتاب» هي كالتوطئة للوصية لتستجمع همته عليها؛ لكون أهل الكتاب أهل علم في الجملة، فلا تكون العناية في مخاطبتهم كمخاطبة الجُهَّال من عَبَدَة الأوثان، وليس فيه أن جميع مَنْ يقدم عليهم من أهل الكتاب، بل يجوز أن يكون فيهم من غيرهم، وإنما خصَّهم بالذكر تفضيلًا لهم على غيرهم، قوله: «فإذا جئتهم» قيل: عبر بلفظ (إذا) تفاؤلًا بحصول الوصول إليهم، قوله: «فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله»، كذا للأكثر وقد تقدَّم في أوَّل الزكاة بلفظ: «وأنِّى رسول الله»، كذا في رواية زكريا بن إسحاق لم يختلف عليه فيها، وأمَّا إسماعيل بن أمية ففي رواية روح بن القاسم عنه: «فأوَّل ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله …»، وفي رواية الفضل بن العلاء عنه: «إلى أن يوحدوا الله، فإذا عرفوا ذلك …»، ويجمع بينها بأن المراد بعبادة الله توحيده، وبتوحيده الشهادة له بذلك ولنبيه بالرسالة، ووقعت البداءة بهما؛ لأنهما أصل الدين الذي لا يصحُّ شيءٌ غيرهما إلا بهما، فمَن كان منهم غير موحِّد فالمطالبة متوجِّهة إليه بكل واحدة من الشهادتين على التعيين، ومَن
_________________
(١) رواه البخاري: (٧٣٧٢/ كتاب التوحيد/ باب: ما جاء في دعاء النبي ﷺ أمته إلى توحيد الله).
[ ١٩٥ ]
كان موحِّدًا فالمطالبة له بالجمع بين الإقرار بالوحدانية والإقرار بالرسالة وإن كانوا يعتقدون ما يقتضي الإشراك أو يستلزمه؛ كمَن يقول ببنوَّة عزير، أو يعتقد التشبيه، فتكون مطالبتهم بالتوحيد لنفي ما يلزم من عقائدهم" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والقرآن مملوء من ذكر وصف الله بأنه أحد وواحد ومن ذكر أن إلهكم واحد ومن ذكر أنه لا إله إلا الله ونحو ذلك. فلا بد أن يكون الصحابة يعرفون ذلك فإن معرفته أصل الدين وهو أول ما دعا الرسول ﷺ إليه الخلق وهو أولما يقاتلهم عليه وهو أول ما أمر رسله أن يأمروا الناس به وقد تواتر عنه أنه أول ما دعا الخلق إلى أن يقولوا لا إله إلا الله ولما أمر بالجهاد بعد الهجرة قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله» (^٢)، وفي الصحيحين «أنه لما بعث معاذا إلى اليمن قال له: إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوا لك بذلك فأعلمهم أن الله تعالى قد فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة فإن هم أطاعوا لك بذلك فأعلمهم أن الله تعالى افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» (^٣).
فقال لمعاذ: ليكن أول ما تدعوهم إليه التوحيد ومع هذا كانوا من أهل الكتاب كانوا يهودا فإن اليهود كانوا كثيرين بأرض اليمن وهذا
_________________
(١) "فتح الباري شرح صحيح البخاري"؛ لابن حجر (٣/ ٣٥٨).
(٢) رواه البخاري (٢٥) ومسلم (٢٢).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي أمته إلى توحيد الله ﵎ ٤/ ٣٧٨، ح ٧٣٧٢.
[ ١٩٦ ]
الذي أمر به معاذا موافق لقوله تعالى: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ [التوبة: الآية: ٥]، وفي الآية الأخرى: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين﴾ [التوبة: الآية: ١١]. وهذا مطابق لقوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة﴾ [البينة: الآية: ٥]. وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلمأنه قال: «الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة أفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان» " (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "التوحيد الذي هو أصل الإسلام، وهو دين الله الذي بعث به جميع رسله، وله خلق الخلق، وهو حقه على عباده: أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئا" (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ): "التوحيد الذي هو أصل الدين ورأسه الذي لا يقبل الله عملا إلا به ويغفر لصاحبه ولا يغفر لمن تركه وكما قال تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما﴾ [النساء: الآية: ٤٨]، ولهذا كانت كلمة التوحيد أفضل الكلام، وأعظمه فأعظم آية في القرآن آية الكرسي ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ [البقرة: الآية: ٢٥٥]. وقال ﷺ «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» (^٣) " (^٤).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٧/ ٣٥٣ - ٣٥٥).
(٢) ينظر: «تفسير مقاتل بن سليمان» (٤/ ١٣٣).
(٣) رواه أحمد (٢١٥٢٩) وأبو داود (٣١١٦) وحسنه الألباني في "إرواء الغليل" (٦٨٧).
(٤) مجموع الفتاوى (٣/ ٤٠٠).
[ ١٩٧ ]
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ): "و" أصل الإسلام ": أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فمن طلب بعباداته الرياء والسمعة فلم يحقق شهادة أن لا إله إلا الله ومن خرج عما أمره به الرسول من الشريعة وتعبد بالبدعة فلم يحقق شهادة أن محمدا رسول الله. وإنما يحقق هذين " الأصلين "من لم يعبد إلا الله ولم يخرج عن شريعة رسول الله ﷺ التي بلغها عن الله فإنه قال: «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك» (^١)، وقال: " «ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا قد حدثتكم به ولا من شيء يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به» (^٢)، وقال ابن مسعود (ت: ٣٢ هـ) ﵁: "خط لنا رسول الله ﷺ خطا وخط خطوطا عن يمينه وشماله ثم قال: «هذا سبيل الله وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾ [الأنعام: الآية: ١٥٣]» (^٣) " (^٤).
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: "قوله سبحانه: ﴿فاعبدني﴾ يعنى فوحدني، فإنه ليس معي إله" (^٥).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وعبادة الله وحده: هي أصل الدين وهو التوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب فقال
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٢)، وأحمد (١٧١٤٤) باختلاف يسير.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٥٤٧٣)، والحاكم (٢١٣٦)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١٠٣٧٦) باختلاف يسير.
(٣) أخرجه أحمد (٤١٤٢)، والنسائي في «السنن الكبرى» (١١١٧٤)، والدارمي (٢٠٢) باختلاف يسير.
(٤) مجموع الفتاوى (١١/ ٦١٧ - ٦١٨).
(٥) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة طه: الآية: ١٤).
[ ١٩٨ ]
تعالى: ﴿واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون﴾ [الزخرف: الآية: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ [النحل: الآية: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ [الأنبياء: الآية: ٢٥] " (^١).
• قال ابن تيمية: (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وهذا الأصل وهو التوحيد هو أصل الدين الذي لا يقبل الله من الأولين والآخرين دينا غيره وبه أرسل الله الرسل وأنزل الكتب كما قال تعالى: ﴿واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون﴾ [الزخرف: الآية: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ [الأنبياء: الآية: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة﴾ [النحل: الآية: ٣٦] " (^٢).
• وقال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "محبة الله سبحانه والأنس به، والشوق إلى لقائه، والرضا به وعنه: أصل الدين، وأصل أعماله وإرادته، كما أن معرفته والعلم بأسمائه وصفاته وأفعاله أجل علوم الدين كلها. فمعرفته أجل المعارف، وإرادة وجهه أجل المقاصد، وعبادته أشرف الأعمال، والثناء عليه بأسمائه وصفاته ومدحه وتمجيده أشرف الأقوال، وذلك أساس الحنيفية ملة إبراهيم ﵇.
وقد قال تعالى لرسوله: ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين﴾ [النحل: الآية: ١٢٣].
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٣/ ٣٩٧).
(٢) انظر: "الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة"١/ ٣٦٥ - ٣٦٧.
[ ١٩٩ ]
وكان النبي-ﷺ -يوصي أصحابه إذا أصبحوا أن يقولوا: «أصبحنا على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد، وملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين» (^١).
وذلك هو حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله، وعليها قام دين الإسلام الذي هو دين جميع الأنبياء والمرسلين، وليس لله دين سواه ولا يقبل من أحد دينا غيره" (^٢).
• قال أبو حيان الأندلسي (ت: ٧٤٥ هـ) ﵀: " وقال تعالى وتقدس: ﴿لا إله إلا أنا فاعبدني﴾ [طه الآية: ١٤]. فذكر العبادة عقيب التوحيد، لأن التوحيد هو الأصل، والعبادة فرعه" (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "والإيمان به أصل الإيمان بما عداه " (^٤).
• قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: "التوحيد هو الأمر الذي لا يقوم بناء إلا عليه" (^٥).
_________________
(١) رواه الطبراني في الدعاء (٢٩٤) من حديث عبد الرحمن بن أبزى ﵁، ورواه ابن أبي شيبة (٥/ ٣٢٤) وأحمد (٣/ ٤٠٦، ٤٠٧) والدارمي (٢٦٨٨) والنسائي في الكبرى (٩٨٢٩، ٩٨٣١، ١٠١٧٥، ١٠١٧٦) وغيرهم عن عبد الرحمن بن أبزى أن النبي ﷺ كان يقول ذلك، وفي إسناده اختلاف، قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ١٥٦): «رواه أحمد والطبراني ورجالهما رجال الصحيح»، وصححه النووي في الأذكار (٢٢٥)، والعراقي في تخريج الإحياء (١١٥٠)، وحسنه ابن حجر في نتائج الأفكار (٢/ ٤٠١)، وهو في السلسلة الصحيحة (٢٩٨٩). وفي الباب عن ابن مسعود ﵁.
(٢) إغاثة اللهفان ٢/ ٩٤٤.
(٣) البحر المحيط في التفسير ١/ ٤٤.
(٤) الصواعق المرسلة ١/ ٣٦٥.
(٥) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ٤/ ١٩٦.
[ ٢٠٠ ]
• قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: "والتوحيد هو الأساس الذي لا تصح عبادة إلا به، وتحقيقه هو العلم الذي لا علم يعدله" (^١).
• قال حافظ بن أحمد حكمي (ت: ١٣٧٧ هـ) ﵀: "وهي أصل الدين وأساسه ورأس أمره وساق شجرته وعمود فسطاطه، وبقية أركان الدين وفرائضه متفرعة عنها، ومتشعبة منها مكملات لها مقيدة بالتزام معناها والعمل بمقتضاها" (^٢).
• قال عبد العزيز بن باز (ت: ١٤٢٠ هـ) ﵀: "التوحيد هو أصل دين الإسلام وهو أساس الملة وهو رأس الأمر وهو أهم الفرائض وهو الحكمة في خلق الثقلين والحكمة في إرسال الرسل جميعا عليهم الصلاة والسلام" (^٣).