• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وأما الحج فشأن آخر لا يدركه إلا الحنفاء الذين ضربوا في المحبة بسهم وشأنه أجل من أن تحيط به العبارة وهو خاصة هذا الدين الحنيف حتى قيل في قوله تعالى: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: الآية: ٣١]، أي حجاجًا؛ وجعل الله بيته الحرام قياما للناس فهو عمود العالم الذي عليه بناؤه فلو ترك الناس كلهم الحج سنة لخرت السماء على الأرض هكذا قال ترجمان القرآن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ)، فالبيت الحرام قيام العالم فلا يزال قياما ما زال
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١/ ١٦ - ١٧.
(٢) مجموع الفتاوى ١/ ٣٦٨.
[ ٣٣٥ ]
هذا البيت محجوجا. فالحج هو خاصة الحنيفية، ومعونة الصلاة، وسر قول العبد لا إله إلا الله فإنه مؤسس على التوحيد المحض والمحبة الخالصة" (^١).
"ومشاهد التوحيد في الحج كثيرة يأتي على رأسها التلبية "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك" والممعن في هذه الكلمات يجد آثارها في تحقيق هذا الأمر والتذكير به.
ومعنى "لبيك اللهم لبيك" أي إجيبك إجابة بعد إجابة، وأنا مقيم على طاعتك، ففيها التصريح بنبذ ما يخالف حقيقة التوحيد "لبيك لا شريك لك لبيك" ولعظمة هذه الكلمة وأثرها ومعانيها العظام
• قال ﷺ «أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال» (^٢).
• قال جابر بن عبد الله (ت: ٧٨ هـ) ﵄"كنّا نصرخ بها صراخًا" (^٣)،
• وفي حديث سهل بن سعد (ت: ٩١ هـ)، قال ﷺ: «ما من مسلم يلبي إلا لبى ما عن يمينه من حجر أو شجر أو مدر حتى تنقطع الأرض من هاهنا وهاهنا» (^٤).
ويتكرر مشهد التوحيد والعناية به في هذه الفريضة والتأكيد عليه في مشاهد أخرى من هذه الفريضة العظيمة، يبدو ذلك في الركعتين التي
_________________
(١) مفتاح دار السعادة ٢/ ٤.
(٢) رواه الإمام أحمد وأهل السنن وصححه الألباني.
(٣) رواه مسلم
(٤) رواه الترمذي وابن ماجة وصححه الألباني.
[ ٣٣٦ ]
يركعهما الحاج خلف المقام بعد نهاية الطواف حيث ورد في السنة أن المصلي يقرأ في هذا الموضع سورتي الإخلاص، قل هو الله أحد والكافرون، وهي ذاتها التي يقرأ بها في سنة الفجر، وسنة المغرب.
وإذا أردت أن تعرف مشاهد السورة وما تتركه في قلب المؤمن الحي فتأمل في آياتها لا ترى فيها إلا معلم التوحيد فحسب .. إنه مشهد آخر من مشاهد التأكيد على هذه الغاية الكبيرة في الحج ..
ويتكرر مشهد التوحيد ثالثة في الدعاء على الصفا والمروة حين يردد الحاج ما أشار إليه نبينا ﷺ «لا إله إلا الله وحد لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحي ويميت، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله نصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده» (^١)، وأنت ترى التأكيد على هذه المسألة، وغرس كلماتها ومعانيها وآثارها في نفس كل مسلم على أرض مكة في فريضة الحج.
ومثل ذلك ما قاله ﷺ في دعاء عرفة «خير ما قلت أنا والنبيون من بعدي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير».
بل ذات المعنى تجده في كل أعمال الحج صغيرها وكبيرها لا فرق، وحين تتأمّل هذه القضية لا تكاد تغيب في مشهد الحج من خروج الإنسان من بيته إلى طواف الوداع مما يعطيك دلالة كبيرة على عظمة التوحيد في الحج" (^٢).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤٥٤٩)، والنسائي (٤٧٩٩)، وابن ماجه (٢٦٢٨).
(٢) المصدر: مقال بعنوان: "التربية في الحج-١. تحقيق التوحيد" لمشعل بن عبد العزيز الفلاحي، منشور على موقع صيد الفوائد.
[ ٣٣٧ ]