• قال الله-﷿-لرسوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: الآية: ١٩].
قال سهل التستري (ت: ٢٨٣ هـ) ﵀: "أصل عمل المؤمن كلمة التوحيد، وهو أصل ثابت، وفرعه وهو عمله مرفوع إلى السماء مقبول، إلا أن فيه خللا وإحداثا، ولكن لا يزول أصل عمله، وهو كلمة التوحيد، كما أن الرياح تزعزع أغصان النخلة، ولا يزول أصلها، … وليس في خزائن الله أكبر من التوحيد" (^٢).
• قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "اعلم أن الله تعالى قدم الأمر بمعرفة التوحيد على الأمر بالاستغفار، والسبب فيه: أن معرفة التوحيد إشارة إلى علم الأصول، والاشتغال بالاستغفار إشارة إلى علم الفروع، والأصل يجب تقديمه على الفرع، فإنه ما لم يعلم وجود الصانع امتنع القيام بطاعته وخدمته. وهذه الدقيقة معتبرة في آيات كثيرة.
ومنها: أن إبراهيم ﵇ لما اشتغل بالدعاء قدم المعرفة على الطاعة
فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [الشعراء: الآية: ٨٣]، فقوله: ﴿هب لي حكمًا﴾ إشارة إلى استكمال القوة النظرية بمعرفة حقائق الأشياء،
_________________
(١) نظم الدرر في تناسب الايات والسور للبقاعي. (الشعراء: الآية: ٨٩) ..
(٢) تفسير التستري ص ٨٧.
[ ٢٥٨ ]
وقوله " والحقنى بالصالحين " إشارة إلى استكمال القوة العملية بالاجتناب عن طرفي الإفراط والتفريط. فقدم العلم على العمل.
ومنها: أنه تعالى لما أوحى إلى موسى ﵇ راعى هذا الترتيب
فقال: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى ﴿١٣﴾ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ﴿١٤﴾﴾ [طه: الآيات: ١٣ - ١٤]. فقوله: ﴿لا إله إلا أنا﴾ إشارة إلى علم الأصول. وقوله: ﴿فأعبدني﴾ إشارة إلى علم الفروع" (^١).
ومنها: قوله تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [النحل: الآية: ٢].
فقوله: ﴿لا إله إلا أنا﴾ إشارة إلى علم الأصول. وقوله: ﴿فاتقون﴾ إشارة إلى علم الفروع" (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والدين القائم بالقلب من الإيمان علما وحالا هو "الأصل"، والأعمال الظاهرة هي "الفروع" وهي كمال الإيمان.
فالدين أول ما يبنى من أصوله ويكمل، كما أنزل الله بمكة أصوله من التوحيد والأمثال التي هي المقاييس العقلية والقصص والوعد والوعيد
ثم أنزل بالمدينة-لما صار له قوة-فروعه الظاهرة من الجمعة والجماعة والأذان والإقامة والجهاد والصيام وتحريم الخمر والزنا والميسر وغير ذلك من واجباته ومحرماته" (^٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فإذا كان أصل العمل الديني
_________________
(١) عجائب القرآن للرازي ص ٧ ..
(٢) عجائب القرآن للرازي ص ١٤ - ١٥ ..
(٣) مجموع الفتاوى ١٥/ ٣٥٥.
[ ٢٥٩ ]
هو إخلاص الدين لله، وهو إرادة الله وحده فالشيء المراد لنفسه هو المحبوب لذاته، وهذا كمال المحبة، ولكن أكثر ما جاء المطلوب باسم العبادة كقوله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات الآية: ٥٦]، وقوله: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم﴾ [البقرة الآية: ٢١]، وأمثال هذا" (^١).