• قال الحسن البصري (ت: ١١٠ هـ) ﵀: "ابن آدم هل لك بمحاربة الله من طاقة؟ فإن من عصى الله فقد حاربه" (^٤).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "التوحيد أصل صلاح الناس والإشراك أصل فسادهم والقسط مقرون بالتوحيد؛ إذ التوحيد أصل العدل؛ وإرادة العلو مقرونة بالفساد؛ إذ هو أصل الظلم فهذا مع هذا
_________________
(١) طريق الهجرتين (ص: ٩).
(٢) تفسير العثيمين سورة النساء ١/ ٣٨٧.
(٣) كتاب مجموع فتاوى ورسائل العثيمين ٦/ ٣٥.
(٤) حلية الأولياء: (٢/ ١٣٤).
[ ٢٦٤ ]
وهذا مع هذا كالملزوزين في قرن فالتوحيد وما يتبعه من الحسنات هو صلاح وعدل؛ ولهذا كان الرجل الصالح هو القائم بالواجبات؛ وهو البر؛ وهو العدل. والذنوب التي فيها تفريط أو عدوان في حقوق الله تعالى وحقوق عباده هي فساد وظلم؛ ولهذا سمي قطاع الطريق مفسدين وكانت عقوبتهم حقا لله تعالى لاجتماع الوصفين والذي يريد العلو على غيره من أبناء جنسه هو ظالم له باغ؛ إذ ليس كونك عاليا عليه بأولى من كونه عاليا عليك وكلاكما من جنس واحد فالقسط والعدل أن يكونوا إخوة كما وصف الله المؤمنين بذلك. والتوحيد وإن كان أصل الصلاح فهو أعظم العدل؛ ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَة سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: الآية: ٦٤] " (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فأصل الصلاح: التوحيد والإيمان وأصل الفساد: الشرك والكفر. كما قال عن المنافقين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: الآيات: ١١ - ١٢]، وذلك أن صلاح كل شيء أن يكون بحيث يحصل له وبه المقصود الذي يراد منه؛ ولهذا يقول الفقهاء: العقد الصحيح مما ترتب عليه أثره وحصل به مقصوده. والفاسد ما لم يترتب عليه أثره ولم يحصل به مقصود والصحيح المقابل للفاسد في اصطلاحهم هو الصالح. وكان يكثر في كلام السلف: هذا لا يصلح أو يصلح كما كثر في كلام المتأخرين يصح ولا يصح والله تعالى إنما خلق الإنسان لعبادته وبدنه تبع لقلبه كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح:
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٨/ ١٦٥.
[ ٢٦٥ ]
" «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد. وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب» " وصلاح القلب: في أن يحصل له وبه المقصود الذي خلق له من معرفة الله ومحبته وتعظيمه وفساده في ضد ذلك. فلا صلاح للقلوب بدون ذلك قط. والقلب له قوتان: العلم؛ والقصد كما أن للبدن الحس؛ والحركة الإرادية فكما أنه متى خرجت قوى الحس والحركة عن الحال الفطري الطبيعي فسدت. فإذا خرج القلب عن الحال الفطرية التي يولد عليها كل مولود وهي أن يكون مقرا لربه مريدا له فيكون هو منتهى قصده وإرادته. وذلك هي العبادة؛ إذ العبادة: كمال الحب بكمال الذل فمتى لم تكن حركة القلب ووجهه وإرادته لله تعالى كان فاسدا؛ إما بأن يكون معرضا عن الله وعن ذكره غافلا عن ذلك مع تكذيب أو بدون تكذيب أو بأن يكون له ذكر وشعور ولكن قصده وإرادته غيره لكون الذكر ضعيفا لم يجتذب القلب إلى إرادة الله ومحبته وعبادته. وإلا فمتى قوي علم القلب وذكره أوجب قصده وعلمه قال تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [النجم: الآيات: ٢٩ - ٣٠]، فأمر نبيه بأن يعرض عمن كان معرضا عن ذكر الله ولم يكن له مراد إلا ما يكون في الدنيا. وهذه حال من فسد قلبه؛ ولم يذكر ربه؛ ولم ينب إليه فيريد وجهه ويخلص له الدين. ثم قال: ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ فأخبر أنهم لم يحصل لهم علم فوق ما يكون في الدنيا؛ فهي أكبر همهم ومبلغ علمهم. وأما المؤمن فأكبر همه هو الله وإليه انتهى علمه وذكره. وهذا الآن باب واسع عظيم قد تكلمنا عليه في مواضعه" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "كلّ صلاح في الأرض فسببُه
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٨/ ١٦٣ - ١٦٤.
[ ٢٦٦ ]
توحيد الله وعبادته، وطاعة رسوله ﷺ؛ وكلّ شرّ في العالم وفتنة وبلاء وقحط وتسليط عدو وغير ذلك؛ فسببه مخالفة الرسول ﷺ، والدعوة إلى غير الله" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والعبد لا صلاح له ولا قيام إلا بعبادة الله الجامعة لمعرفته ومحبته والذل له، فتفويته هذا ظلم عظيم فيه عليه الضرر العظيم الذي لا ينجبر" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "قوله تعالى ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: الآية: ٢٢]، أي لو كان في السموات والأرض آلهة تعبد غير الله لفسدتا وبطلتا ولم يقل أرباب بل قال آلهة والإله هو المعبود المألوه، وهذا يدل على أنه من الممتنع المستحيل عقلا أن يشرع الله عبادة غيره أبدا وإنه لو كان معه معبود سواه لفسدت السماوات والأرض فقبح عبادة غيره قد استقر في الفطر والعقول وأن لم يرد النبي عنه شرع، بل العقل يدل على أنه أقبح القبيح على الإطلاق وأنه من المحال أن يشرعه الله قط فصلاح العالم في أن يكون الله وحده هو المعبود وفساده وهلاكه في أن يعبد معه غيره ومحال أن يشرع لعباده ما فيه فساد العالم وهلاكه بل هو المنزه عن ذلك" (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وكما أن السماوات والأرض لو كان فيهما آلهة غيره سبحانه لفسدتا كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] فكذلك القلب إذا كان فيه معبود غير الله تعالى فسد فسادا لا يرجى صلاحه إلا بأن يخرج ذلك المعبود منه،
_________________
(١) جامع الرسائل ١٥/ ٢٥.
(٢) جامع المسائل ١/ ٢٥١.
(٣) مفتاح دار السعادة: (٢/ ٨٨٦).
[ ٢٦٧ ]
ويكون الله تعالى وحده إلهه ومعبوده الذي يحبه ويرجوه ويخافه ويتوكل عليه وينيب إليه" (^١).